السر الذي لم أكن أعرف أنني أخبئه… حكايتي المرعبة مع سارة
اسمي ليان، ولو سألت أي حد عرفني زمان هيقول لك إني كنت البنت اللي وجودها شبه صامت. مش ضعيفة… بس مش من النوع اللي يحب يكون في منتصف الصورة. كنت دايمًا أفضل الكرسي الأخير جنب الشباك، المكان اللي أقدر أراقب منه العالم من غير ما العالم يلاحظني. كنت بسمع أكتر ما بتكلم، وأفهم أكتر ما أظهر، ويمكن ده السبب اللي خلاني أشوف حاجات محدش غيري لاحظها.
المدرسة بالنسبة لمعظم البنات كانت ذكريات وضحك وصداقات، لكن بالنسبة لي كانت مجرد مرحلة لازم أعديها. أيام متشابهة، حصص طويلة، أصوات جرس، ووجوه بتيجي وتمشي. مكنش في شيء يستحق الانتباه… لحد ما ظهرت سارة.
أول يوم دخلت فيه الفصل، حسيت إن الجو نفسه اتغير. مش مبالغة… كان فيه هدوء غريب سبق دخولها. سارة كانت جميلة بشكل هادي، جمال مش صاخب ولا ملفت بطريقة مباشرة، لكن يخليك تبص مرتين من غير ما تعرف السبب. ابتسامتها صغيرة، وصوتها واطي، لكن عيونها… كانت مختلفة. باردة. ثابتة. كأنها بتقرا حاجة جواك مش ظاهر للناس.
الغريب إنها مبدأتش تتقرب من البنات المشهورات ولا المتفوقات. بالعكس، كانت تختار البنات اللي دايمًا قاعدين لوحدهم، اللي عندهم حزن ساكن في ملامحهم. كانت تقعد تسمع لهم ساعات، من غير مقاطعة، ومن غير نصايح كتير. بس بعدها… كانت حياتهم تتغير.
في البداية، الكل اعتبرها صدفة. بنت كانت دايمًا حزينة بدأت تضحك، واحدة كانت درجاتها ضعيفة بقت متفوقة فجأة، مشاكل عائلية اختفت كأنها لم تكن. البنات بقوا يقولوا إن سارة “بتفهم الناس”، وإن قربها مريح. لكن أنا كنت شايفة حاجة تانية… حاجة محدش لاحظها.
الضحك اتغير. بقى أعلى شوية… أطول من الطبيعي. النظرات بقت فارغة أحيانًا، كأنهم مش موجودين بالكامل. والأغرب إن مجموعة البنات القريبين من سارة بدأوا يسهروا في المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي بحجج مختلفة.
أول مرة فضلت متأخرة كانت بالصدفة. نسيت دفتري ورجعت آخده قبل ما البواب يقفل. الممرات كانت شبه مظلمة، وصوت خطواتي بيرد صداه بطريقة خلت قلبي يدق أسرع. وأنا ماشية، سمعت همس… صوت جماعي منخفض جاي من آخر الدور.
قربت بحذر، وشفت ظل حركة داخل فصل المفروض يكون فاضي. لما بصيت من الزجاج، شفت البنات قاعدين في نص الفصل على الأرض في دائرة، وسارة واقفة بينهم. كانت بتتكلم بلغة غريبة، مش عربي ولا إنجليزي… كلمات متقطعة بإيقاع ثابت يخوف.
رجعت يومها أجري، وأنا مقنعة نفسي إن اللي شوفته مجرد لعب أو مزحة. لكن بعدها بدأت الأحلام. كنت أصحى على إحساس إن حد واقف جنب سريري. أسمع همسات بنفس النغمة اللي سمعتها في الفصل. وأحيانًا كنت أشوف ممر المدرسة في حلمي… طويل ومظلم، وسارة واقفة في آخره تبص لي بس.
مع الوقت، الخوف اتحول ليقين. المدرسة بقت مختلفة بالليل. مرة استخبيت بعد انتهاء اليوم الدراسي، ووقتها شفت خيالات سوداء بتتحرك على الحيطان رغم إن مفيش مصدر نور. الهواء كان تقيل، وكأن المكان نفسه بيتنفس.
وسارة… كانت دايمًا في المنتصف.
بدأت أبحث عنها. سألت الإدارة بحجة الفضول، دورت في سجلات قديمة، وسألت مدرسة كانت موجودة من سنين طويلة. سكتت الأول، لكن لما وصفت لها سارة، لون وشها اتغير وقالت جملة عمري ما نسيتها: “الاسم ده اتسجل هنا قبل كده… من سنين طويلة جدًا”.
اكتشفت إن بنت بنفس الاسم ظهرت في مدرسة تانية قبل سنوات، وبعدها حصلت حوادث غريبة واختفت فجأة. نفس الوصف. نفس الهدوء. نفس التغير اللي بيصيب البنات حواليها.
ساعتها فهمت إن الموضوع مش صدفة.
وفي ليلة معينة، حسيت إن النهاية قربت. كان فيه إحساس جوايا بيدفعني أرجع المدرسة رغم خوفي. الصالة الرياضية كانت مضلمة إلا من شموع مرتبة في دائرة كبيرة. البنات قاعدين حوالين الأرض، عيونهم شبه مغلقة، وسارة واقفة في المنتصف ماسكة خنجر صغير يلمع تحت الضوء.
صرخت بدون تفكير: “سيبيهم!”
رفعت رأسها ببطء… وابتسمت.
قالت بهدوء مرعب: “كنت مستنياكي يا ليان… إنتِ أهم واحدة هنا.”
وفجأة، كل البنات بصوا لي. عيونهم اسودت بالكامل. الصوت الجماعي بدأ يتردد حولي، والكلمات كانت بتضغط على صدري كأنها وزن حقيقي. حسيت بجسمي بيتجمد، وقدمي مش قادرة تتحرك.
همست سارة في أذني: “إنتِ عندك سر… قوة متعرفيش إنها جواكي.”
وفي اللحظة دي، حصل شيء غريب. خوفى اختفى فجأة، واتبدل بإحساس قديم… مألوف بشكل مخيف. الكلمات اللي كانوا بيرددوها بدأت تتشكل في عقلي، لكن بشكل مختلف. بدون وعي، لقيت نفسي بردد كلمات مضادة.
النور انطفأ فجأة.
الأرض اهتزت، والهواء امتلأ بصوت صراخ وهمسات متداخلة. الشموع انطفأت واحدة وراء التانية، وصوت سارة تحول لصرخة غاضبة قبل ما يسود الصمت بالكامل.
ولما النور رجع…
كانت الصالة فاضية تقريبًا.
البنات نايمين على الأرض كأنهم فقدوا الوعي، وسارة اختفت تمامًا. لا أثر لها… ولا حتى ظل.
من يومها، الحياة رجعت طبيعية ظاهريًا. البنات نسوا كل شيء تقريبًا، والإدارة اعتبرت اللي حصل مجرد شائعات مراهقين. لكن أنا كنت عارفة الحقيقة.
لأن الأحلام ماوقفتش.
وأحيانًا، وأنا ماشية في ممر المدرسة، بحس إن حد بيراقبني من بعيد. انعكاسي في الزجاج بيتأخر جزء من الثانية قبل ما يقلد حركتي. والهمسات… لسه موجودة، لكنها مش مخيفة زي الأول.
يمكن لأن الصوت دلوقتي جاي من جوايا أنا.
اكتشفت إن السر اللي قالت عليه سارة كان حقيقي. في داخلي قوة قديمة، حاجة مرتبطة بالمكان نفسه، بحاجة أقدم من المدرسة ومن كل اللي مروا فيها. قوة محتاجة فهم… وتحكم.
ومن ساعتها، بطلت أكون البنت اللي قاعدة في الزاوية.
لأن الحقيقة إن بعض الأسرار مش بتختار أصحابها… هي اللي بتختارك.
وأنا بقيت عارفة إن اللي بدأ في تلك الليلة… لسه مخلصش.
مرت أسابيع بعد اختفاء سارة، وكل شيء بدا طبيعيًا لدرجة مخيفة. المدرسة رجعت لصخبها المعتاد، الضحك في الفسحة، شكاوى المدرسات، وسباق الامتحانات اللي كان شاغل الجميع. البنات اللي فقدوا وعيهم تلك الليلة لم يتذكرن شيئًا تقريبًا، وكأن جزءًا كاملًا من حياتهم تم مسحه بهدوء.
لكن بالنسبة لي… لم يعد هناك شيء طبيعي.
كنت أستيقظ أحيانًا قبل الفجر بثوانٍ، دون سبب واضح، فقط لأجد نفسي أحدق في سقف غرفتي وأنا متأكدة أن أحدًا كان يناديني باسمي قبل أن أفتح عيني. الصوت لم يكن مخيفًا كما توقعت، بل كان مألوفًا… قريبًا بشكل مزعج.
في البداية أقنعت نفسي أنه توتر أو ضغط نفسي، لكن العلامات بدأت تظهر داخل المدرسة من جديد. طالبة في الصف الأول أغمي عليها فجأة في الممر وهي تردد كلمات غير مفهومة. أخرى قالت إنها ترى فتاة تقف عند باب الحمام كل يوم بعد انتهاء الحصص.
والأغرب… أن الوصف كان دائمًا متشابهًا.
شعر داكن طويل.
ابتسامة هادئة.
وعيون باردة لا ترمش كثيرًا.
في إحدى الحصص، شعرت بقشعريرة مفاجئة. الهواء داخل الفصل أصبح أثقل، وكأن النوافذ أُغلقت رغم أنها كانت مفتوحة. رفعت رأسي ببطء، فرأيت انعكاس الزجاج خلف السبورة… وكانت هناك لحظة واحدة فقط رأيتها فيها.
سارة.
لم تكن موجودة فعليًا، لكن انعكاسها ظهر خلفي لثانية واحدة قبل أن يختفي. لم أصرخ. لم أتحرك. فقط أدركت الحقيقة التي كنت أهرب منها.
هي لم ترحل.
منذ تلك اللحظة بدأت ألاحظ شيئًا آخر… المدرسة نفسها تغيرت. الأماكن التي لم تكن تلفت انتباهي أصبحت تحمل شعورًا غريبًا. السلالم الخلفية، المخزن القديم، وحتى الصالة الرياضية بدت وكأنها تنتظر شيئًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أراجع دروسي، وجدت دفتري مفتوحًا على صفحة لم أكتبها. كانت هناك رموز مرسومة بقلمي، خطوط ملتفة وكلمات بلغة لم أتعلمها قط… ومع ذلك فهمتها.
شعرت بالخوف الحقيقي لأول مرة.
القوة التي استيقظت داخلي لم تختفِ بعد تلك الليلة… بل بدأت تنمو.
في اليوم التالي، اختفت طالبة جديدة اسمها ريم. الإدارة قالت إنها انتقلت لمدرسة أخرى، لكن حقيبتها ظلت داخل الفصل. عندما مررت بجانب مقعدها، سمعت الهمس مجددًا… نفس الإيقاع القديم.
اتبعته دون وعي حتى وصلت إلى باب الصالة الرياضية.
كان مغلقًا… لكن الضوء يتسرب من أسفله.
دفعت الباب ببطء، ووجدت الشموع مرتبة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن هناك دائرة كاملة. فقط علامات على الأرض، وكأن الطقس توقف قبل اكتماله.
وفوق الجدار، كُتبت جملة واحدة:
“البوابة لم تُغلق.”
تجمد الدم في عروقي. أدركت أن ما أوقفته لم يكن النهاية… بل مجرد تأخير. سارة لم تكن تحاول استدعاء شيء فقط، بل كانت تفتح طريقًا.
وفي تلك اللحظة سمعت صوتها خلفي.
“اتعلمتي بسرعة يا ليان.”
استدرت، لكنها لم تكن جسدًا حقيقيًا. كانت أشبه بظل متشكل من الضوء والظلام، ملامحها تظهر وتختفي كأنها بين عالمين.
قالت بهدوء:
“أنا مش عدوك… أنا اللي صحّيتك.”
حاولت التراجع، لكن قدمي لم تتحرك. سألتها بصوت مرتجف:
“إنتِ عايزة إيه مني؟”
ابتسمت تلك الابتسامة التي لم أنسها أبدًا وقالت:
“المدرسة دي مبنية فوق حاجة أقدم بكتير من البشر… وأنا مش أول واحدة تيجي هنا، ولا إنتِ آخر واحدة.”
ثم اختفت.
منذ تلك الليلة، بدأت أرى ما لم يكن مرئيًا من قبل. ظلال تمر سريعًا في الممرات، أبواب تُفتح وحدها، وأصوات خطوات في أوقات خالية. لكن الغريب أن الخوف بدأ يتحول داخلي إلى شيء آخر… مسؤولية.
أصبحت أعرف متى سيحدث شيء قبل وقوعه. أستطيع إيقاف بعض الظواهر بمجرد التركيز. وكأن المكان نفسه بدأ يعترف بوجودي.
لكنني فهمت حقيقة واحدة مرعبة…
سارة لم تعد تحتاج إلى الظهور.
لأن البوابة التي حاولت فتحها بدأت تستجيب لشخص آخر.
لي أنا.
وأحيانًا، عندما تنطفئ الأنوار فجأة في المدرسة، أشعر أن شيئًا في الأعماق ينتظر القرار الأخير… قرارًا سأضطر لاتخاذه يومًا ما.
هل سأغلق الباب للأبد؟
أم سأفتحه بالكامل؟