بين الكابوس والحقيقة: جريمة في بيت مقفول

بين الكابوس والحقيقة: جريمة في بيت مقفول


بين الكابوس والحقيقة

كان المكان من حولي غارقًا في ظلام كثيف، ظلام لا يشبه العتمة العادية التي اعتدناها حين تنطفئ الأنوار، بل عتمة ثقيلة كأنها كتلة صلبة تحاصر صدري وتمنع الهواء من الوصول إلى رئتي. الجو كان باردًا بطريقة غريبة، ليس برد الشتاء الذي يلسع الأطراف، بل بردًا داخليًا يتسلل إلى العظام ويجعل الروح ترتجف قبل الجسد. خيالات بعيدة كانت تتحرك أمامي، تتمايل برتم بطيء، تلتف حول نفسها وكأنها تؤدي طقسًا غامضًا لا أفهمه. أصوات متداخلة، همسات، أنفاس متقطعة، وقع أقدام غير مرئي، وكل ذلك يقترب مني شيئًا فشيئًا. شعرت بأيدٍ تلتف حول رقبتي، تضغط بقوة، تحاول خنقي. حاولت الصراخ، لكن صوتي اختنق في حلقي. جسدي كان ينتفض بعنف، وصدري يعلو ويهبط بلا انتظام، كنت مقتنعة تمامًا أن هذه هي النهاية، أنني أموت فعلًا، وأن ما يحدث ليس حلمًا عابرًا بل لحظة أخيرة في حياتي. وفجأة…

فتحت عيني بفزع، جلست في سريري أتنفس بسرعة، كأنني خرجت لتوي من تحت الماء. الغرفة كانت مظلمة تمامًا، رغم أن زقزقة العصافير القادمة من الخارج تؤكد أن النهار قد بدأ. احتجت لحظة لأستوعب أن السبب هو الستائر الجديدة التي اشتريتها قبل أيام؛ ستائر سميكة تحجب الضوء تمامًا، لأن نومي خفيف وأي شعاع شمس كفيل بأن يطرده من عيني بلا رجعة. جلست نصف ساعة كاملة لا أستطيع العودة للنوم ولا أملك طاقة للنهوض. جسدي كان متعبًا وكأنني خضت معركة حقيقية، وليس مجرد حلم مزعج. أمسكت هاتفي أتنقل بين التطبيقات بلا وعي، حتى فوجئت بأن البطارية أوشكت على النفاد.

نهضت أبحث عن الشاحن، مستغربة أن أمي لم توقظني كعادتها. في العادة كانت تطرق الباب بلطف وتقول بصوتها الدافئ: “يلا يا صفية، الشمس طلعت.” لكن اليوم لا صوت ولا حركة. بحثت عن الشاحن في الأدراج وتحت الوسادة وعلى المكتب، قلبت الغرفة رأسًا على عقب ولم أجده. تمتمت بضيق أن مازن، أخي الأصغر، لا بد أنه أخذه دون استئذان كعادته. فتحت باب غرفتي وأنا أناديه بحدة، متجهة نحو غرفته دون أن أطرق الباب. كنت لا أزال أتمتم بكلمات غاضبة حين تجمدت في مكاني فجأة.

المشهد أمامي كان أكبر من قدرتي على الاستيعاب. شعرت وكأن عقلي توقف عن العمل. عيناي اتسعتا، أنفاسي اختفت، وقلبي بدأ يدق بعنف. مازن كان ممددًا على الأرض، والدماء تحيط به في مشهد لا يمكن لعقل طبيعي أن يقبله. حاولت إقناع نفسي أنه مقلب سخيف، أنه سيقفز ضاحكًا في أي لحظة، لكن حين لمست الجرح عند رقبته وتلطخت يدي بالدم، صرخت صرخة مزقت صدري قبل أن تمزق الهواء. تراجعت متعثرة، سقطت على الأرض، لم أستطع الوقوف. كل ما خرج مني كان بكاءً هستيريًا وصراخًا طلبًا للنجدة.

تجمع الجيران على الباب بعد أن سمعوا صراخي. بالكاد وصلت إليه وفتحته، ارتميت في حضن طنط فاطمة، جارتي التي عرفتني منذ طفولتي. كانت تطبطب عليّ وتحاول تهدئتي بينما دخل زوجها وبعض الرجال ليروا ما حدث. لم أكن قادرة على الكلام، فقط أشير نحو الغرفة بيد مرتعشة. بعد لحظات خرج عمو مصطفى ووجهه شاحب، سألني عن أبي وأمي. لم أكن أعلم أين أمي، لكن أبي كان في المحكمة، فاليوم الاثنين وهو يوم عمله المعتاد.

رن هاتف أمي، لكن الصوت جاء من داخل غرفتها. ذهبت لأحضره، وقلبي يرتجف بلا سبب واضح. فتحت الباب… وتوقف الزمن مرة أخرى. أمي وأبي كانا هناك، في مشهد لا يقل قسوة عن سابقه. لم أصرخ هذه المرة، لم أتحرك، فقط وقفت متجمدة. لم أعد أذكر تفاصيل اللحظة، فقط أذكر أن طنط فاطمة جذبتني بعيدًا، وأن الدنيا حولي تحولت إلى ضباب.

البيت الذي كان دافئًا وآمنًا صار فجأة مسرح جريمة. رجال الشرطة، الأسئلة، نظرات الشفقة، كلمات “البقاء لله” التي كانت تخترق أذني بلا معنى. كنت أجيب على الأسئلة كأنني آلة، أكرر ما حدث منذ استيقظت. لا آثار كسر على الباب، لا سرقة، لا دليل واضح. مجرد جريمة صامتة في بيت مغلق.

الأيام التالية كانت ضبابًا متواصلًا. الدفن، العزاء، الصمت الثقيل في الشقة. كنت أسمع أحيانًا صوت مازن يناديني ليطلب نسكافيه الصباح، ألتفت فلا أجد أحدًا. أسمع خطوات أبي في الصالة، أتنفس رائحة عطره، أظن أن أمي ستخرج من غرفتها في أي لحظة. كنت أعيش بين الواقع والخيال، لا أميز أيهما الحقيقة.

في النيابة، ظهرت مفاجأة أخرى. والدي كان متزوجًا من امرأة أخرى منذ سنوات. خبر كاد يمزق ما تبقى من قلبي. التقيت بها، لم تكن كما تخيلت، ولم أشعر نحوها بالكراهية التي توقعتها. كانت منهارة بدورها، تبحث عن القاتل كما أبحث أنا. التحقيقات استبعدت عمي وخالي لوجود أدلة على عدم تواجدهما وقت الجريمة. بقي السؤال معلقًا بلا إجابة.

تكررت الأصوات في البيت، الجرس يرن ولا أحد خلف الباب، أشياء تتحرك من أماكنها. بدأت أشك في نفسي. هل أنا أتوهم؟ هل الحزن يدفعني إلى الجنون؟ في إحدى الليالي، انهرت تمامًا. لا أذكر ماذا حدث بعدها. فقط أذكر أنني فتحت عيني ذات صباح في مكان أبيض، جدرانه باردة، ورائحة المطهرات تملأ الجو.

كانت أمامي طبيبة تبتسم بلطف وتسألني عن اسمي. أخبرتني أنني في مستشفى للأمراض النفسية، وأنني منذ أسابيع أتلقى العلاج. أنكرت الأمر، صرخت أنني لست مجنونة. بعدها جلست الطبيبة مع الطبيب المشرف، وسمعت القصة كاملة.

كنت أعاني من أرق مزمن منذ سنوات، وأتناول مهدئات بجرعات متزايدة دون إشراف دقيق. مع الوقت، أصبحت أتناول الجرعة ثم أنساها وأتناول أخرى. ذلك النوع من الدواء، حين يُستخدم بإفراط، يسبب اضطرابات حادة في الوعي والذاكرة، ونوبات سلوك غير مدركة. في ليلة الجريمة، كنت تحت تأثير جرعة مضاعفة. حدثت مشادة داخل البيت، ربما حول زواج أبي أو أمر آخر، لا يتذكر أحد التفاصيل كاملة. لكن المؤكد أنني، في حالة غياب شبه تام للوعي، ارتكبت الجريمة.

لم أصدق. رفضت الاعتراف. لكن الأدلة لم تكن ضد أحد سواي. لا بصمات غريبة، لا دخول قسري، ولا دافع خارجي مؤكد. حتى أنني حاولت بعد أيام الاعتداء على زوجة أبي حين جاءت للعزاء، ثم فقدت الوعي، ولم أتذكر شيئًا من الحادثة. كان ذلك ما أكد للطبيب أن الأمر ليس تمثيلًا ولا جنونًا تقليديًا، بل نتيجة مباشرة لتعاطي المهدئات بشكل خاطئ ومفرط.

بقيت في المصحة فترة طويلة، أتنقل بين لحظات إدراك موجعة ولحظات إنكار كاملة. أحيانًا أبكي بحرقة لأنني حرمت نفسي من أهلي، وأحيانًا أقنع نفسي أن هناك خطأ ما في القصة. لكن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل ثابتة. لم أكن مجرمة بقصد، لكنني كنت ضحية إهمال نفسي واستهتار بدواء ظننته حلًا سهلًا لمشكلة الأرق.

اليوم، وأنا أكتب هذه السطور بعد شهور من العلاج، أدرك أن الهروب لا يكون أبدًا بالمنومات ولا بالمهدئات. الألم الذي نهرب منه يعود مضاعفًا، وقد يتحول إلى كارثة لا يمكن إصلاحها. حياتي لن تعود كما كانت، لكنني أتمسك بما تبقى منها، أحاول أن أتعافى، أن أتعلم، وأن أحذر كل من يظن أن قرصًا صغيرًا قادر على حل مشكلاته.

القصة ليست عن جريمة فقط، بل عن طريق يبدأ بخطوة بسيطة نحو الهروب، وينتهي بظلام أعمق من أي كابوس. ربنا يسترها علينا جميعًا، ويحمينا من أنفسنا قبل أي شيء.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان