حين ظهرت المرأة التي تحمل وجهي
لم أكن من الأمهات اللواتي يبالغن في القلق. كنت أعيش حياة هادئة إلى حد كبير، حياة تسير بإيقاع ثابت لا يحمل الكثير من المفاجآت. اسمي ليلى، أعيش مع زوجي خالد منذ سبع سنوات تقريبًا، ولدينا طفلة واحدة اسمها سارة. كانت سارة بالنسبة لي كل شيء؛ مركز يومي، وسبب ضحكتي، وأحيانًا الشيء الوحيد الذي يجعل التعب اليومي يبدو محتملًا.
اعتدت أن أستقبلها كل يوم بعد عودتها من المدرسة. كنا نجلس في المطبخ بينما أعد الطعام، وتحكي لي بتفاصيل طفولية صغيرة ما حدث معها خلال يومها الدراسي. كانت تحكي عن صديقاتها، وعن المعلمة التي طلبت منهم رسم الأشجار، وعن الفسحة التي ركضت فيها في ساحة المدرسة.
لكن في أحد الأيام قالت جملة صغيرة غيرت كل شيء.
قالت وهي تخلع حقيبتها المدرسية:
“ماما، شفت طنط الجميلة تاني النهارده.”
سألتها بابتسامة عادية:
“مين طنط الجميلة دي؟”
قالت ببساطة:
“واحدة بتقف عند باب المدرسة وبتضحك لي كل يوم.”
لم أقلق في البداية. المدارس دائمًا مليئة بالأهالي، ومن الطبيعي أن يرى الأطفال نفس الوجوه بشكل متكرر. ظننت أنها ربما أم أحد الأطفال أو سيدة تنتظر حفيدها.
لكن سارة بدأت تذكر طنط الجميلة كل يوم تقريبًا.
كانت تحكي عنها وكأنها أصبحت جزءًا من يومها. مرة قالت إن المرأة سألتها عن الرسم الذي تحبه، ومرة أخرى قالت إنها أخبرتها أن تحل واجب الرياضيات بهدوء.
في البداية لم أفكر في الأمر كثيرًا. الأطفال أحيانًا ينسجون قصصًا صغيرة حول الأشخاص الذين يرونهم.
لكن بعد أيام قليلة حدث شيء جعلني أنتبه أكثر.
كانت سارة تلعب بدميتها المفضلة عندما قالت فجأة:
“طنط الجميلة عارفة اسم روزي.”
توقفت عن تقليب الطعام ونظرت إليها. روزي كان اسم الدمية التي تحبها سارة، لكنها لا تأخذها إلى المدرسة أبدًا.
سألتها كيف عرفت المرأة الاسم، فقالت بثقة الأطفال:
“هي اللي قالت لي.”
حاولت أن أقنع نفسي أن الأمر مجرد صدفة. لكن شعورًا خفيفًا بالقلق بدأ يظهر في داخلي.
بعد أيام قليلة قالت لي سارة شيئًا أغرب.
قالت وهي تضحك:
“طنط الجميلة قالت إن ريحة الأكل عندنا كانت طالعة لبره.”
في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب. لم أفهم كيف يمكن لشخص يقف أمام المدرسة أن يعرف ما يحدث داخل بيتنا.
تلك الليلة لم أنم بسهولة. ظل سؤال واحد يتكرر في ذهني:
من هي هذه المرأة؟
وفي صباح اليوم التالي قررت أن أذهب إلى المدرسة قبل موعد انتهاء الدوام بقليل. لم أخبر سارة، ولم أخبر خالد أيضًا. أردت فقط أن أرى بنفسي من هي المرأة التي تتحدث عنها ابنتي كل يوم.
وصلت مبكرًا ووقفت على مسافة من البوابة. كان بعض الأهالي ينتظرون أبناءهم، وكانت السيارات تتوقف وتتحرك.
ثم توقفت سيارة سوداء بالقرب من الرصيف.
نزلت منها امرأة ترتدي نظارة شمسية كبيرة. في البداية لم ألاحظ شيئًا غريبًا، لكن عندما اقتربت قليلًا شعرت بإحساس غير مريح.
كان شعرها يشبه شعري بشكل لافت.
وقفت المرأة تنتظر بهدوء وكأنها معتادة على المكان.
بعد دقائق خرج الأطفال من المدرسة.
وفجأة رأيت سارة تركض نحوها.
احتضنتها المرأة بسهولة وكأنهما تعرفان بعضهما منذ زمن طويل.
تحركت نحوهما بسرعة وقلت:
“لو سمحتي… ممكن أعرف حضرتك مين؟”
استدارت المرأة نحوي ببطء، ثم رفعت النظارة عن وجهها.
في تلك اللحظة شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
الوجه الذي رأيته أمامي كان يشبه وجهي بشكل مخيف.
لم يكن مجرد شبه بسيط… بل تطابق يكاد يكون كاملًا.
قبل أن أتكلم سمعت صوتًا خلفي.
كان خالد.
اقترب منا بهدوء وقال:
“أظن أن الوقت حان لتعرفي الحقيقة.”
لم أفهم شيئًا.
لكن خالد أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا ووضعه في يدي.
عندما فتحته وجدت صورة قديمة باهتة لطفلتين صغيرتين تقفان بجوار بعضهما.
الطفلتان كانتا متطابقتين تمامًا.
شعرت بأنفاسي تتوقف عندما قرأت الكلمات المكتوبة خلف الصورة.
“ليلى وسلمى — توأم تم فصلهما بعد الولادة.”
رفعت رأسي ببطء نحو المرأة التي تقف أمامي.
وفي تلك اللحظة أدركت أن المرأة التي ظننتها غريبة…
لم تكن غريبة على الإطلاق.
كانت أختي.
لكن قبل أن أستوعب ما يحدث، قال خالد بهدوء:
“هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.”
نظرت إليه وأنا ما زلت أحاول استيعاب الصدمة.
قال ببطء:
“أنا لم أكتشف وجود سلمى اليوم… كنت أعرف منذ سنوات.”
تجمدت في مكاني.
تابع كلامه:
“كنت أعرف أن لكِ أختًا توأم تم تبنيها في مدينة أخرى… وكنت أبحث عنها.”
لم أفهم السبب.
لكن سلمى نظرت إلى سارة بحنان عميق، ثم قالت بصوت هادئ:
“أنا لم آتِ لأخذ مكانك يا ليلى…”
ثم أضافت الجملة التي قلبت كل شيء داخلي:
“أنا جئت لأرى ابنتي.”
نظرت إلى سارة… ثم إلى خالد.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الحياة التي كنت أعيشها طوال سبع سنوات…
لم تكن الحقيقة كاملة.
لم أستطع أن أتكلم بعد الجملة التي قالتها سلمى. كانت الكلمات تدور في رأسي دون أن أستطيع فهمها.
“أنا جئت لأرى ابنتي.”
نظرت إلى سارة التي كانت تقف بجوارها، تمسك بيدها الصغيرة بثقة وكأنها تعرفها منذ زمن طويل. في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تحت قدمي لم تعد ثابتة كما كانت قبل دقائق.
قلت بصوت مرتجف:
“إيه اللي بتقولي ده؟ سارة بنتي أنا.”
لكن خالد لم يترك لي فرصة لأكمل كلامي. اقترب خطوة وقال بهدوء غريب:
“اسمعي يا ليلى… لازم تعرفي الحقيقة كلها.”
كنت أنظر إليه وكأنني أراه لأول مرة. الرجل الذي عشت معه سبع سنوات بدا فجأة شخصًا غريبًا لا أعرف عنه شيئًا.
قال خالد وهو يشير إلى سلمى:
“أنا قابلت سلمى قبل ما أعرفك بسنين.”
شعرت بصدمة جديدة تضرب صدري.
تابع كلامه ببطء:
“كنا مخطوبين وقتها… لكن حصلت مشاكل كبيرة بينها وبين العيلة اللي تبنتها، واضطرت تسافر فجأة.”
نظرت إلى سلمى التي كانت ما تزال تمسك يد سارة بحنان. بدا واضحًا أن هناك تاريخًا طويلًا لم أكن أعرف عنه شيئًا.
قالت سلمى بهدوء:
“لما سافرت… كنت حامل.”
توقفت أنفاسي للحظة.
تابعت كلامها وهي تنظر إلى سارة:
“لكن الظروف كانت صعبة جدًا… وما قدرتش أرجع وقتها.”
نظرت إلى خالد بسرعة. كان صامتًا وكأنه يتركها تكمل القصة.
قالت سلمى:
“خالد هو اللي ربّى سارة.”
في تلك اللحظة شعرت بمزيج غريب من الصدمة والغضب والحيرة. كل السنوات التي عشتها مع خالد مرت أمام عيني كأنها شريط سريع.
قلت بصوت منخفض:
“يعني أنا كنت… إيه بالنسبة لكم؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال خالد:
“أنا ما كنتش أعرف إنك أختها.”
توقفت الكلمات في حلقي.
تابع كلامه:
“لما قابلتك أول مرة حسيت إن في حاجة غريبة… كنتِ شبهها جدًا، لكن ما كنتش أعرف السبب.”
بدأت الصورة تتضح ببطء. كل شيء كان يبدو كقطع مبعثرة من لغز كبير.
قلت وأنا أحاول السيطرة على صوتي:
“وسارة؟”
ابتسمت سلمى بحنان وهي تنظر إليها.
قالت:
“سارة عرفتني من الصور اللي خالد كان محتفظ بيها… عشان كده كانت بتقول لك عن طنط الجميلة.”
فجأة تذكرت كل المرات التي عادت فيها سارة من المدرسة وهي تتحدث بحماس عن طنط الجميلة.
لم تكن مجرد امرأة غريبة.
كانت أمها الحقيقية.
لكن أكثر ما صدمني في تلك اللحظة هو أن سارة نظرت إليّ فجأة وقالت:
“ماما…”
ثم توقفت قليلاً وأضافت:
“أنا بحبكم أنتم الاتنين.”
شعرت بدموعي تملأ عيني دون أن أستطيع منعها.
ربما لم أكن الأم التي أنجبتها…
لكنني كنت الأم التي عاشت معها كل يوم من حياتها.
وفي تلك اللحظة فقط أدركت أن الحقيقة أحيانًا لا تكون أبيض أو أسود.
أحيانًا… تكون شيئًا بين الاثنين.