بعد 18 سنة انتظار.. حكاية محمود وسمر مع الشيخ المزيف

بعد 18 سنة انتظار.. حكاية محمود وسمر مع الشيخ المزيف


بعد 18 سنة انتظار.. حكاية محمود وسمر مع الشيخ المزيف

اسمي محمود… ومتجوز مراتي سمر من 18 سنة بالتمام والكمال. ثمانية عشر عامًا مرت علينا كأنها عمر كامل من الانتظار. كنا بنعد الأيام والثواني، نعيش كل يوم على أمل إن البيت اللي ساكنين فيه يسمع يومًا صوت طفل. لكن الحقيقة كانت مختلفة. البيت كان هادي زيادة عن اللزوم… هدوء يخوف أحيانًا. مفيش ضحكة طفل بتجري في الصالة، مفيش لعبة مرمية على الأرض، ولا حتى خبطة رجل صغيرة توقظنا من النوم في نص الليل. كان في بس صمت ثقيل… صمت مليان وجع.

كنت بشوف سمر قدامي كل يوم وهي بتدبل زي الوردة اللي المية بطلت توصل لها. في الأول كانت قوية. كانت دايمًا تقول لي: “ربنا كريم يا محمود… يمكن بكرة”. لكن السنين لما بدأت تتراكم فوق بعض، الأمل بقى أضعف. زرنا دكاترة كتير جدًا. لفينا على أكبر استشاريين في القاهرة، وروحنا لعيادات صغيرة في حواري بعيدة. كل مرة كنا نرجع بنفس الإجابة تقريبًا. دكاترة يقولوا: “مفيش مشكلة واضحة”، ودكاترة تانيين يقولوا: “الأمر كله بيد ربنا”. ومع الوقت، اليأس بدأ يتسلل لبيتنا بهدوء.

بقينا عايشين زي شخصين غرباء في بيت واحد. مش بسبب الخلاف… لكن بسبب الحزن اللي ساكن قلوبنا. كنا بنتكلم قليل، ونضحك أقل. كل حاجة حوالينا كانت بتفكرنا باللي ناقص في حياتنا.

في يوم من الأيام، كنت قاعد قدام البيت بعد المغرب، لما جاري وصديق عمري عصام قعد جنبي. بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدين قرب مني وقال بصوت واطي:
“يا محمود… سمعت عن راجل اسمه الشيخ منصور؟”.

هززت راسي بالنفي. سألته: “مين ده؟”.
قال: “ده مش شيخ عادي. بيقرأ الغيب وبيعرف العقدة فين. ناس كتير كانت فاقدة الأمل وربنا جعل الشفا على إيده”.

الكلام ما دخلش دماغي في الأول. أنا طول عمري راجل مؤمن بالعلم والدكاترة. قولت له بصراحة: “يا عصام، إحنا تعبنا من الكلام ده. إحنا بتوع علاج ودكاترة مش حكايات”.
لكن لما رجعت البيت، لقيت منظر هزني من جوايا.

سمر كانت قاعدة لوحدها في أوضة النوم، ماسكة قطعة لبس صغيرة لطفل. عرفت القطعة دي فورًا. كانت اشترتها من عشر سنين تقريبًا، يوم ما كانت لسه مؤمنة إن الحمل ممكن يحصل في أي وقت. كانت قاعدة تبكي في صمت… دموعها بتنزل من غير صوت. في اللحظة دي حسيت إن قلبي بيتقطع.

وقتها قلت لنفسي:
“إيه يعني لو جربنا؟ يمكن يكون ده السبب اللي ربنا كاتبه”.

بعد يومين، اتفقنا مع الشيخ منصور إنه ييجي البيت. لما دخل الشقة أول مرة، حسيت بحاجة غريبة. ملامحه كانت حادة جدًا، ولبسه كان غالي بطريقة غير متوقعة. مش زي المشايخ اللي بنشوفهم. كان شايل شنطة جلد سودة كبيرة وما كانش بيفارقها لحظة.

أول ما دخل الصالة، وقف فجأة مكانه. رفع رأسه لفوق وبدأ يشم الهواء كأنه بيدور على ريحة مش موجودة. بعدها بص لسمر نظرة خلتها ترتبك، وقال بصوت خشن:

“الرزق موجود… بس البيت ده فيه حارس مانع الفرحة تدخل”.

سمر اتعلقت بالكلام ده بسرعة وقالت بلهفة:
“يعني في أمل يا شيخ؟”.

رد بثقة غريبة:
“الأمل بين إيديكي… لكن الحارس ده لازم يترضي”.

بدأ يطلب حاجات غريبة. قال نجيب بخور جاوي ومية ورد. بعدها قعد في نص الصالة يغمغم بكلمات سريعة مش مفهومة. عينيه كانت بتلف في السقف كأنه بيتابع حاجة بتتحرك.

فجأة وقف وأشار ناحية أوضة النوم وقال:

“المنبع هناك… تحت السرير بالظبط. في عمل مدفون بدم غراب… وهو ده اللي رابط الرحم”.

جسمي كله قشعر. فكرة إن يكون في سحر في بيتنا كانت مرعبة. دخلنا الأوضة، وطلب مني أرفع السرير. بدأت أحرك المراتب والخشب وأنا متوتر جدًا. الشيخ واقف فوق راسي بيتمتم بصوت عالي.

بعد لحظات طلع سكينة صغيرة من جيبه، وبدأ يحفر في طرف السجادة. وفجأة صرخ بصوت عالي:

“لقيته!”.

طلع لفافة سوداء مربوطة بخيوط حمراء. ريحتها كانت نفاذة جدًا. أول ما شافتها سمر، وقعت مغمى عليها.

الشيخ بصلي بحدة وقال:

“لازم أفكه فورًا… لكن محدش يشوف اللي جواه غير صاحبة الشأن”.

طلب مني أنزل أجيب ملح رشيدي من عند العطار اللي في أول الشارع. قال إن اللحظة دي هي اللي هتحدد إذا كنت هبقى أب ولا لا.

نزلت أجري زي المجنون. اشتريت الملح بسرعة ورجعت. لكن لما وصلت البيت، لقيت اتنين من مساعديه واقفين قدام أوضة النوم مانعين أي حد يدخل.

قولت لهم:
“وسعوا… الملح معايا”.

لكن واحد منهم زقني وقال:
“لسه مخلصش”.

في اللحظة دي… سمعت صوت سمر من جوه الأوضة.
لكن الصوت ما كانش صراخ خوف.
كان ضحكة مكتومة… وبعدها شهقة قوية.

قلبي انقبض. خبطت على الباب بكل قوتي. لكن الباب كان متقفل بحديدة من جوه. بعد محاولات كتير كسرت الباب بكتفي.

والمنظر اللي شوفته جمد الدم في عروقي.

سمر كانت على الأرض فاقدة الوعي… وعلى رقبتها آثار أصابع. والشيخ واقف فوقها ماسك اللفافة.

أول ما شافني حاول يهرب من الشباك. لكني مسكته بكل غضب السنين اللي فاتت. المساعدين هربوا فورًا.

بعد شوية، سمر بدأت تفوق وهي ترتجف. أول كلمة قالتها:

“الشنطة… افتح الشنطة”.

فتحت شنطته الجلدية. ما كانش فيها بخور ولا كتب. كان فيها حقن مخدرة… ومجوهرات سمر اللي اختفت من التسريحة.

والمفاجأة الأكبر كانت اللفافة السوداء. لما فتحتها، ما كانش فيها سحر ولا دم غراب. كانت مجرد قطعة قماش محشوة قطن ومغموسة في مادة كيميائية بريحة قوية.

ساعتها فهمنا الحقيقة.

الراجل ده ما كانش شيخ. كان محتال بيدور على بيوت تعبانة نفسيًا، ويستغل ضعفهم. يدخل البيت، يمثل إنه اكتشف السحر… وبعدها يطلب من الزوج يخرج.

لكن اللي حصل معانا غير حياتنا.

قررنا ننسى المشايخ والدجالين تمامًا. رجعنا للدكاترة والعلاج الحقيقي.

وبعد سنة من الليلة دي… حصلت المعجزة.

اليوم وأنا بكتب القصة دي، أنا قاعد جنب سرير صغير. فوق السرير ده نايمة طفلة صغيرة تشبه سمر جدًا. بتتنفس بهدوء، والبيت أخيرًا مليان صوت ضحكتها.

وقتها فهمت درس مهم.

الحارس اللي كان مانع الرزق… ما كانش جني تحت السرير.

كان الوهم اللي ساكن عقولنا

بعد ما عدت الأيام الأولى من الحادثة، كنت فاكر إن الموضوع انتهى. الشرطة خدت الشيخ المزيف، وسمر بدأت ترجع لطبيعتها تدريجيًا، لكن الحقيقة إن اللي حصل ساب أثر كبير جوانا. البيت اللي كنا شايفينه قبل كده مكان أمان، بقى فجأة مليان ذكريات مرعبة. كل زاوية فيه كانت بتفكرنا باللي حصل في الليلة دي. سمر كانت ساعات تقوم من النوم فجأة وهي مخضوضة، وتقول إنها سمعت صوت خبط خفيف في الأرضية أو حركة في الصالة. في الأول كنت بقول لها ده مجرد توتر بعد اللي حصل، لكني أنا نفسي كنت بحس إن البيت محتاج نفس جديد… بداية مختلفة.

بعد أسبوع تقريبًا، قررنا نعمل حاجة كنا بنأجلها بقالنا سنين. قولت لسمر: “إيه رأيك نغير شكل البيت؟ نكسره شوية ونعمله من جديد؟”. ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من فترة طويلة، وقالت: “يمكن فعلاً محتاجين بداية جديدة”. بدأنا نصلح الأوضة اللي حصل فيها كل شيء. شيلنا السجادة القديمة، وغيرنا السرير، وحتى لون الحيطة غيرناه. كأننا بنحاول نمسح آثار اللي حصل من المكان.

وأثناء الشغل، حصل شيء بسيط لكنه خلاني أفكر كتير. العامل اللي كان بيشيل البلاط القديم تحت السرير ناداني وقال: “يا أستاذ محمود، تعال شوف هنا”. قربت منه، لقيته بيوريني حفرة صغيرة في الأرضية كانت متغطية بالبلاط القديم. الحفرة ما كانتش عميقة، لكنها كانت كفاية إنها تخلي أي حد يخبّي فيها حاجة بسهولة. ساعتها فهمت إن الشيخ المزيف كان عامل حسابه كويس. غالبًا لما دخل الأوضة أول مرة، خبّى اللفافة دي بنفسه في اللحظة اللي كان بيحاول فيها يشغلنا بالكلام. الخدعة كانت بسيطة… لكن التمثيل كان مقنع.

بصيت للحفرة شوية، وبعدين قولت للعامل يقفلها تمامًا. مش بس بالأسمنت… لكن كأننا كنا بنقفل فصل كامل من حياتنا. لما سمر شافت المكان بعد ما اتصلح، وقفت لحظة وسكتت. سألتها: “مالك؟”. قالت بهدوء: “حاسة إن البيت أخيرًا بقى بيتنا من تاني”.

من يومها بدأنا نتغير. بقينا نخرج أكتر، نضحك أكتر، ونفكر في الحياة بطريقة مختلفة. اكتشفنا إننا كنا عايشين سنين طويلة تحت ضغط فكرة واحدة بس… فكرة إن سعادتنا مرتبطة بحلم معين. لما الحلم ده اتأخر، بدأنا ندور على حلول في أماكن غلط.

لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد شهور قليلة. في يوم عادي جدًا، سمر دخلت عليّ المطبخ وهي ماسكة تحليل في إيديها. كانت عينيها مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع مختلفة. قالت لي بصوت مهزوز: “محمود… التحليل طلع إيجابي”.

وقفت مكاني لحظة كأني مش فاهم. الكلمة دي نفسها كنت سمعتها كتير قبل كده في العيادات، لكنها كانت دايمًا مرتبطة بأمل قصير يختفي بعد أيام. لكن المرة دي كانت مختلفة. الدكاترة أكدوا الخبر… سمر كانت حامل فعلًا.

مرت الشهور بسرعة، وكل يوم كان بيعدي علينا كأنه هدية. لما بنتنا الصغيرة اتولدت، حسيت إن البيت كله اتغير. الصوت اللي كنا مستنينه سنين أخيرًا وصل. ضحكة صغيرة… وبكاء صغير… وخطوات مستقبل لسه بتبدأ.

وفي ليلة هادية بعد ما بنتنا نامت، قعدت أنا وسمر في الصالة نتكلم. سألتها فجأة: “فاكرة اللي حصل مع الشيخ؟”. ضحكت وقالت: “إزاي أنسى؟ ده كان أكبر درس في حياتي”.

بصيت ناحية أوضة الطفلة، وقلت لها: “يمكن ربنا كان عايزنا نتعلم الدرس الأول… قبل ما يرزقنا بالهدية”.

سمر ردت بهدوء: “أيوه… عشان لما الهدية توصل، نكون فاهمين قيمتها”.

ومن يومها فهمت حاجة مهمة جدًا. السنين اللي فاتت ما كانتش ضايعة، ولا الألم كان بلا معنى. أحيانًا الطريق الطويل بيعلّمنا الصبر… وأحيانًا الحقيقة البسيطة بتكون إن الأمل الحقيقي مش في يد شيخ ولا دجال… لكنه بييجي لما القلب يفضل مؤمن إن بكرة ممكن يكون أحسن.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان