أنا دفنت ابني منذ عشر سنوات… لكن ما حدث عندما فتح الجار الباب غيّر كل شيء

أنا دفنت ابني منذ عشر سنوات… لكن ما حدث عندما فتح الجار الباب غيّر كل شيء


أنا دفنت ابني منذ عشر سنوات… لكن الحقيقة ظهرت فجأة أمام باب الجيران

هناك جمل لا تمر مروراً عادياً في حياة الإنسان. جمل قصيرة، لكنها تترك أثراً ثقيلاً في القلب، كأنها نقش لا يمكن محوه مهما مر الوقت. بالنسبة لي كانت هناك جملة واحدة فقط رافقتني طوال سنوات طويلة: كنت أعتقد أنني دفنت ابني منذ عشر سنوات.

عقد كامل مرّ وأنا أعيش مع هذه الحقيقة القاسية. كنت أكررها في داخلي كلما نظرت إلى غرفته الفارغة، وكلما مرّ يوم جديد دون أن أسمع صوته يملأ البيت بالحركة والضحك.

كان ابني في التاسعة من عمره عندما تغير كل شيء. طفل صغير لا يعرف معنى السكون. لم يكن يستطيع الجلوس أكثر من دقائق في مكان واحد. دائماً كان هناك شيء يريد فعله: لعبة جديدة، أو صديق ينتظره في الشارع، أو كرة يركض خلفها بحماس لا ينتهي.

كل يوم تقريباً كان يعود من المدرسة بنفس الطريقة. أسمع صوت الباب يفتح بقوة، ثم صوت حقيبته وهي تسقط على الأرض في الممر، وبعدها أسمع خطواته السريعة وهو يركض نحو الباب مرة أخرى.

كنت أناديه من المطبخ:
“اغسل يديك أولاً قبل أن تخرج!”

لكنه كان يرد وهو يضحك:
“حاضر يا ماما!”

ثم يختفي قبل أن يكمل الجملة.

كنت أراقبه أحياناً من الشرفة وهو يلعب الكرة مع الأطفال. ضحكاته كانت تصلني حتى الطابق الثالث. في تلك اللحظات كنت أشعر أن البيت كله ينبض بالحياة بسببه.

لكن الحياة أحياناً لا تعطي إنذاراً قبل أن تقلب كل شيء.

في ذلك اليوم خرج ليلعب الكرة قرب مدرسته كما يفعل دائماً. كان يوماً عادياً تماماً. الشمس كانت مشرقة، والشارع مليئاً بالأطفال، ولا شيء كان يوحي بأن ذلك اليوم سيصبح أسوأ يوم في حياتي.

كل ما قيل لي لاحقاً أن سيارة مرت بسرعة في الشارع الضيق. لم ينتبه لها أحد في الوقت المناسب.

بعد ذلك أصبحت الأحداث ضبابية في ذاكرتي. أتذكر فقط ممر المستشفى الطويل، والمقاعد المعدنية الباردة، ورائحة المطهرات التي كانت تملأ المكان. جلست هناك أحدق في باب غرفة الطوارئ وأنتظر أي خبر.

كنت أتمسك بأمل صغير، مهما كان ضعيفاً.

لكن الطبيب خرج بعد وقت طويل، ونظرة وجهه كانت كافية لأفهم كل شيء قبل أن يتكلم.

في تلك اللحظة شعرت أن جزءاً مني قد توقف عن الحياة.

بعد ذلك اليوم تغير البيت بالكامل. لم يعد هناك صوت ركض في الممر، ولا كرة تتدحرج على الأرض، ولا ضحكات تأتي من الشرفة.

ألعابه بقيت في مكانها كما تركها. دفاتره المدرسية ظلت فوق مكتبه الصغير، وملابسه بقيت مرتبة في خزانته كأنها تنتظر عودته.

كنت أحياناً أدخل غرفته بهدوء وأجلس على سريره. لا أفعل شيئاً. فقط أنظر حولي وأتذكر.

مرت الأيام ببطء شديد، ثم تحولت إلى شهور، ثم إلى سنوات. ومع مرور الوقت تعلمت كيف أعيش من جديد، لكنني لم أتعلم أبداً كيف أنسى.

عشر سنوات كاملة وأنا مقتنعة أن ابني رحل إلى الأبد.

لم ننجب أطفالاً بعد ذلك. لم أكن أملك الشجاعة لخوض تلك التجربة مرة أخرى. زوجي لم يضغط عليّ أبداً. ربما لأنه كان يشعر بنفس الفراغ الذي أشعر به.

عشنا معاً في هدوء طويل، نحاول فقط أن تمضي الأيام دون أن نفتح الجرح القديم.

إلى أن جاء صباح لم يكن يبدو مختلفاً عن غيره.

بينما كنت أقف أمام نافذة الصالة لاحظت شاحنة نقل أثاث تقف أمام المنزل المقابل لنا. كان العمال ينقلون الصناديق والأثاث إلى الداخل، ويبدو أن عائلة جديدة انتقلت للسكن هناك.

حركة الناس أعادت شيئاً من الحياة إلى الشارع الهادئ.

كنت معتادة أن أرحب بالجيران الجدد بطريقتي البسيطة، لذلك قضيت جزءاً من النهار في إعداد فطيرة ساخنة. وضعتها بعناية في صينية كبيرة، وغطيتها بمنشفة نظيفة.

في المساء حملت الصينية وذهبت إلى باب منزلهم.

طرقت الباب بخفة وانتظرت.

كنت أتوقع أن يفتح أحد الوالدين لنبدأ حديث تعارف بسيط مثل أي جيران جدد.

لكن الباب فتح على مشهد لم أكن مستعدة له أبداً.

كان شاب يقف أمامي.

في البداية لم أفهم لماذا شعرت بذلك الارتباك المفاجئ. لكن عندما رفعت عينيّ ونظرت إلى وجهه جيداً، شعرت وكأن الزمن توقف للحظة.

الصينية سقطت من يدي دون أن أشعر.

ارتطمت بالأرض وتحطمت إلى قطع صغيرة، لكنني بالكاد سمعت الصوت.

كنت فقط أحدق في وجهه.

كان يشبه ابني.

ليس مجرد شبه بسيط يمكن أن يحدث بين الناس. كان هناك شيء مألوف بشكل مؤلم: نفس شكل الوجه تقريباً، نفس الشعر الأسود المجعد، وحتى نفس الابتسامة الخجولة.

ثم لاحظت شيئاً جعل قلبي يتوقف لحظة.

عيناه.

واحدة زرقاء، والأخرى بنية.

كانت تلك الصفة النادرة قد ورثها ابني عن جدته، وكنت دائماً أقول له إن عينيه تجعلان الجميع يتذكره بسهولة.

انحنى الشاب بسرعة يجمع قطع الصينية وهو يقول باعتذار:

“أنا آسف جداً… لم أقصد أن أفزعك.”

كنت ما زلت عاجزة عن الكلام. بعد لحظات فقط استطعت أن أسأله بصوت منخفض:

“كم عمرك يا بني؟”

ابتسم وقال:

“تسعة عشر سنة.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. كان هذا بالضبط العمر الذي كان سيبلغه ابني الآن.

في تلك اللحظة ظهرت امرأة خلفه. عندما شرحت لها بسرعة سبب ارتباكي، وأن ابنها يشبه ابني الذي فقدته منذ سنوات، تغير وجهها فجأة.

بدت متوترة بشكل واضح، ثم قالت بسرعة إن لديهم الكثير من الأشياء لترتيبها في المنزل.

وأغلقت الباب.

عدت إلى بيتي وأنا أشعر أن شيئاً غريباً يحدث. لم أستطع إخراج صورة ذلك الشاب من رأسي.

عندما أخبرت زوجي بما حدث، لاحظت أن وجهه شحب فجأة.

ظل صامتاً لعدة دقائق.

سألته مرة أخرى:

“ما بك؟”

لكنه لم يرد.

ثم جلس على الأريكة وأخفى وجهه بين يديه.

بعد لحظات بدأ يبكي.

لم أره يبكي طوال سنوات زواجنا.

رفع رأسه أخيراً وقال بصوت مكسور:

“هناك شيء أخفيته عنك طوال هذه السنوات.”

ثم أخبرني بالحقيقة.

في يوم الحادثة، عندما وصلوا إلى المستشفى، كانت هناك عائلة أخرى فقدت طفلها الوحيد في الليلة نفسها.

والد الطفل كان رجلاً ثرياً. وعندما عرف بحالة ابننا عرض عرضاً غير متوقع.

قال إنه مستعد لإرساله فوراً للعلاج في الخارج، في أفضل المستشفيات، وعلى نفقته بالكامل.

لكن بشرط واحد فقط.

أن يعيش الطفل معهم ويصبح ابناً لهم.

قال زوجي إنه لم يرَ أمامه وقتها سوى احتمالين: إما أن يفقد ابنه للأبد، أو يمنحه فرصة للحياة حتى لو كان بعيداً عنه.

فوافق.

أما الطفل الذي دفناه في تلك الأيام…

فلم يكن ابننا.

في اليوم التالي ذهبت إلى بيت الجيران مرة أخرى.

عندما فتحت المرأة الباب قلت لها بهدوء:

“أنا عرفت الحقيقة… ولا أريد أن آخذ ابنك منك. أريد فقط أن أراه.”

بدأت تبكي.

ثم سمحت لي بالدخول.

أخبرتني أنهم عادوا إلى مصر لأن الشاب — الذي أصبح اسمه الآن آدم — كان يشعر دائماً أن شيئاً ما يربطه بهذا المكان.

وعندما عرف الحقيقة لاحقاً، لم يستطع الابتعاد عن أي من العائلتين.

أصبح يقضي وقته بين البيتين.

وفي إحدى الأمسيات جلسنا جميعاً حول مائدة واحدة لأول مرة.

كنت أنظر إليه وهو يضحك مع زوجي، وأدركت شيئاً لم أفهمه طوال عشر سنوات.

ربما لم أفقد ابني أبداً.

ربما كانت الحياة فقط تسير بنا في طريق طويل… حتى تعيده إليّ بطريقة لم أتخيلها يوماً.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي