سجدة: حكاية وجع اتحول لقوة
خمس سنين كاملة… خمس سنين وأنا عايشة مش كزوجة، ولا حتى كإنسانة ليها حق تتعب أو تقول “كفاية”، لكن كأني آلة شغالة في بيت كبير اسمه “بيت العيلة”، آلة بتصحى قبل الكل وتنام بعد الكل، بتخدم حماتي وبناتها وولادها، وبتجري من مطبخ لصالة لأوضة، وكأن وجودي كله متلخص في إني أريحهم هم، حتى نفسي ماكنتش بلاقي وقت أريحها. كنت دايمًا بقول لنفسي: “معلش يا سجدة، بكرة يتغيروا، بكرة يحسوا بيكي، بكرة جوزك يقف جنبك”، لكن البكرة ده عمره ما جه، والسنين كانت بتمر وأنا بدي أكتر ما باخد، لحد ما جه اليوم اللي جسمي نفسه قرر يصرخ ويقول “كفاية”.
في البداية كان تعب عادي، صداع بييجي ويروح، إرهاق غريب حتى وأنا نايمة، وجع في جسمي مش مفهوم، لكن مع الوقت الوجع بقى ثابت، بقى جزء من يومي، لدرجة إني بقيت أقوم من النوم وأنا حاسة إني مش قادرة أتحرك، وكأن حد رابطني بسلاسل تقيلة. حاولت أطلب المساعدة، بصيت لحماتي وقلت لها بهدوء: “ماما، أنا حاسة بتعب جامد، ممكن حد ييجي معايا للدكتور؟”، بصت لي بسرعة كده وقالت وهي مكملة تقطيع الخضار: “إحنا مش فاضيين، روحي لوحدك”. بصيت لجوزي، يمكن هو اللي يكون السند، قلت له: “ممكن تيجي معايا؟”، رد عليا من غير ما يبصلي: “عندي شغل”. ساعتها فهمت إني لو وقعت، هقع لوحدي.
رحت للدكتور لوحدي، قعدة الانتظار كانت أطول من أي وقت عدي عليا، كل دقيقة كنت حاسة إن قلبي بيخبط أكتر، وإن في حاجة كبيرة مستنياني، حاجة أنا مش مستعدة لها. لما دخلت، الدكتور بص في التحاليل، سكت شوية، وبعدين رفع عينه عليا وقال الجملة اللي غيرت حياتي كلها: “عندك ورم… ولازم نبدأ علاج فورًا”. الكلمة دي وقعت عليا زي حجر تقيل، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، وإن صوتي اتسحب مني، حاولت أتكلم لكن ماعرفتش، الدموع نزلت من غير ما أستأذن، وأنا قاعدة قدام حد بيقولي إن حياتي ممكن تتغير للأبد.
خرجت من عنده وأنا مش شايفة الطريق، الناس حواليا بتتحرك وأنا واقفة، كأني خارج الزمن، ركبت المواصلات وأنا مش فاكرة وصلت إزاي، كل اللي فاكرته إني كنت بمسح دموعي بسرعة عشان محدش يلاحظ، عشان محدش يسألني “مالك؟”، لأني لو حد سألني كنت هنهار. دخلت البيت وأنا مكسورة، كنت مستنية حضن، كلمة طبطبة، أي حاجة تحسسني إني مش لوحدي… لكن اللي شوفته كان أسوأ من المرض نفسه.
حكيت لهم، وأنا صوتي بيرتعش، حكيت كل حاجة، ووقفت مستنية رد… لكن ماحدش رد، سكتوا وبصوا لبعض، الصمت كان تقيل، مرعب، كأنه بيقول حاجة أنا مش عايزة أسمعها. سألتهم بدموع: “ساكتين ليه؟”، ساعتها حماتي بصت لي نظرة كلها قرف وقالت ببرود يخوف: “يعني هتبقي مريضة وعايزة اللي يخدمك؟ وفوق ده كله شعرك هيقع… أنا مش قادرة أشوف المنظر ده”. الكلمة كانت زي طعنة، بس اللي جه بعدها كان أقسى.
جوزي… اللي كنت فاكرة إنه ظهري، بصلي وقال: “أمي عندها حق، وأنا كمان عندي احتياجاتي… ومين هيهتم بيا وبأهلي؟”، ساعتها حسيت إن قلبي اتكسر فعلاً، مش كلام بيتقال، لكن إحساس حقيقي، كأن حاجة جوايا اتكسرت ومش هتتصلح. حاولت أتكلم، أسألهم: “يعني ده جزاتي؟ بعد كل السنين دي؟”، لكن حماتي قاطعتني وقالت: “إنتي كنتي بتعملي واجبك، محدش غصبك… بس إحنا مش حمل مرض”.
وفي لحظة، كل حاجة انتهت، جوزي قالها بمنتهى السهولة: “هننفصل… روحي اتعالجي عند أهلك”، الجملة كانت قصيرة، بس كانت نهاية حياة كاملة. ماصرختش، مازعقتش، سكت… لأن الوجع كان أكبر من أي صوت.
رجعت بيت أهلي، وأنا حاسة إني مش عايشة، مجرد جسم ماشي، أخواتي لما عرفوا، الدنيا قامت، لكن أنا كنت في حتة تانية، ماكنتش سامعة، ولا قادرة أرد. بدأت رحلة العلاج، الكيماوي، الألم، التعب، فقدان الشهية، والشعر اللي كان بيقع كل يوم… لكن الغريب، إني ماحستش بالقبح، بالعكس، حسيت إني بتخفف من حمل سنين، كأني بخلع نسخة قديمة مني.
ست شهور عدوا كأنهم عمر، كل يوم حرب، كل يوم مواجهة، لكني كنت بصمد، مش عشان حد، لكن عشان نفسي، عشان أثبت إني أستاهل أعيش. ولما الدكتور قال: “مبروك… خفيتي”، ساعتها بس بكيت بجد، مش من الوجع، لكن من الراحة، من الإحساس إن ربنا ما سابنيش.
خرجت من المستشفى وأنا إنسانة تانية، مش سجدة اللي كانت بتخدم وتسكت، لكن واحدة قوية، فاهمة قيمتها، وعارفة حقها. عرفت إن جوزي اتجوز، وكملت حياتها، لكن هو ماكنش يعرف إن النهاية لسه جاية.
رجعت بيتي… البيت اللي كان باسمي، وقفت قدام الباب، وخبطت، ولما فتحوا، كانت اللحظة اللي كل حاجة اتردت فيها. دخلت ومعايا القانون، ومعايا حقي، وقلت لهم بهدوء: “أنا جاية آخد بيتي”.
الصدمة كانت على وشهم، والوجع اللي شوفته في عيونهم، كان هو نفس الوجع اللي عشته… لكن الفرق إني ما ظلمتش حد، أنا بس رجعت حقي. خرجوا من البيت، وأنا واقفة أتفرج، مش شماتة، لكن نهاية دائرة اتقفلت.
وقفت في البلكونة، بصيت للشارع، وقلت لنفسي: “أنا نجيت… مش بس من المرض، لكن من ناس ما تستاهلش”، وساعتها فهمت إن الوجع ممكن يكسرك… وممكن يبنيك من جديد، وأنا اخترت أبني نفسي.
كنت فاكرة إن القصة خلصت… وإن باب بيتي لما اتقفل وراهم، اتقفل معاه كل الوجع اللي عشته، لكن الحقيقة إن بعض الحكايات مش بتنتهي بسهولة، وبعض الناس مش بيسيبوا اللي كانوا فاكرينه “ضعيف” غير لما يتأكدوا إنه بقى أقوى منهم بكتير. مرت أيام وأنا بحاول أرجّع نفسي لنفسي، أتعلم أعيش من غير خوف، من غير إحساس إن في حد فوق راسي بيحاسبني على كل نفس باخده، وكنت لأول مرة من سنين بحس إني إنسانة… مش خدامة.
بس في ليلة، وأنا قاعدة لوحدي، سمعت خبط على الباب… خبط مش عادي، خبط فيه استعجال، فيه توتر، فيه حاجة غلط. قلبي دق بسرعة، مش خوف، لكن إحساس إن الماضي بيرجع يخبط من تاني. قمت فتحت الباب، واتجمدت مكاني… كانوا واقفين قدامي.
حماتي… وشها متغير، التعب باين عليها، عيونها غرقانة دموع، مش نفس النظرة اللي كانت بتبصلي بيها زمان. وراها جوزي… أو اللي كان جوزي، هدومه مش مرتبة، شكله مكسور، ومعاهم العروسة الجديدة، واقفة بعصبية، ملامحها فيها خوف وغضب في نفس الوقت.
حماتي أول ما شافتني، وقعت على الأرض تقريبًا، ومدت إيدها ناحيتي وقالت بصوت متكسر: “سامحيني يا بنتي… إحنا غلطنا… ارجعينا… مالناش مكان”. الكلمة دي… “بنتي”، نفس الست اللي كانت شايفاني عبء، بقت دلوقتي بتطلب مني الرحمة.
بصيت لها من غير ما أتكلم، سيبتها تكمل، كأن في جزء جوايا كان عايز يسمع أكتر، مش شماتة… لكن عشان أقفل الصفحة دي للأبد. جوزي قرب خطوة وقال بصوت واطي: “أنا اتطلقت… ومفيش حد وقف جنبي… ولا أمي… ولا حد… أنا غلطت في حقك يا سجدة”.
الكلمة دي اللي كنت مستنياها زمان، الكلمة اللي كنت محتاجة أسمعها وأنا بتوجع، وأنا بتسحب مني الأرض، جات متأخرة جدًا… متأخرة لدرجة إنها بقت مالهاش طعم. وقفت ساكتة، وبصيت له كويس، نفس الراجل… بس مكسور، ضعيف، خايف، مش اللي كان بيقرر مصيري بكلمة.
العروسة الجديدة اتكلمت بعصبية: “إحنا مش جايين نترجاكي… إحنا بس محتاجين نعيش…”، بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية، وقلت: “وأنا كمان كنت محتاجة أعيش… فاكرة؟”.
سكتت، ومحدش رد، لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام. ساعتها بس حسيت إن اللحظة دي مش لحظة انتقام… دي لحظة عدل. الدنيا لفّت ووقفت كل واحد مكانه الحقيقي.
حماتي بدأت تعيط بصوت عالي: “إحنا غلطنا… بس انتي قلبك كبير… ادخّلينا… نعيش أي مكان”، الكلمة كانت صعبة، لأنها كانت بتطلب مني أكون نفس البنت اللي كانت بتدوس على نفسها عشان ترضيهم، لكن أنا ماكنتش هي.
أخدت نفس عميق، وبصيت لهم واحد واحد، وقلت بهدوء غريب حتى عليا: “أنا سامحتكم… بس عمري ما هرجعلكم… اللي بينا انتهى يوم ما رميتوني وأنا مريضة”.
الكلام وقع عليهم تقيل، شفت في عيونهم صدمة، لأنهم كانوا فاكرين إني هضعف، إني هرجع لنفسي القديمة، لكن الحقيقة إن الوجع اللي مرّيت بيه ماكانش بيرجع حد زي ما كان… بيغيّره.
قفلت الباب بهدوء… المرة دي مش هروب، لكن اختيار. سمعت صوتهم برا، صوت بكا، صوت جدال، صوت ناس تايهة، بس أنا ما اتحركتش. وقفت مكانى، وسندت ضهري على الباب، وغمت عيني.
مشيت من الباب للصالون، بصيت حواليا… كل حاجة بقت ليا، مش بس البيت… لكن نفسي كمان. لأول مرة، حسيت إن الهدوء مش خوف… لكن راحة.
وفي اللحظة دي، فهمت أهم حاجة في حياتي كلها… إن اللي يسيبك وقت ضعفك، ما يستاهلش يقف جنبك وقت قوتك… وإن ربنا لما بيشيل ناس من حياتك، بيكون بيحميك… مش بيعاقبك.
سجدة اللي كانت بتخاف تتكلم… بقت تقفل الباب في وش اللي كسرها… ومش لأنها قاسية… لكن لأنها أخيرًا… بقت عارفة قيمتها.