حين غيّرتني 200 جنيه: حكاية تنظيف منزل امرأة مسنة
لم أكن في تلك الفترة من حياتي أملك رفاهية التفكير في المستقبل البعيد، ولا حتى في الأحلام الكبيرة التي كنت أسمع عنها من الآخرين. كل ما كان يشغلني هو أن أستطيع إكمال الشهر دون أن أضطر لطلب المال من أحد، وأن أستيقظ كل صباح وأنا ما زلت قادرًا على الذهاب إلى الجامعة دون أن أشعر أنني أحمل عبئًا أكبر مني. كنت أعيش يومًا بيوم، بطريقة ربما لا تبدو مأساوية للآخرين، لكنها بالنسبة لي كانت استنزافًا هادئًا لا يتوقف.
في سن الحادية والعشرين، يبدأ الإنسان في إدراك حقيقة بعض الأشياء الكثيرة التي لم يكن يراها من قبل. حيث تبدأ المقارنات، تبدأ الأسئلة، ويبدأ الشعور بأن الحياة لا توزع الفرص بالتساوي. كنت أرى زملائي في الجامعة يتحدثون عن خططهم، عن السفر، عن الدورات، عن أشياء كنت بالكاد أستطيع تخيلها، بينما كنت أنا أفكر في شيء أبسط بكثير: كيف سأدفع مصاريف الأسبوع القادم؟
في الحقيقة لم أكن أكره العمل، لكنني كنت أكره الإحساس بأنني مضطر له طوال الوقت. عملت في أماكن كثيرة، بعضها لا علاقة له بي، وبعضها لا علاقة له حتى بما أستطيع تحمله. كنت أعود في بعض الأيام مرهقًا لدرجة أنني أجلس على السرير دون أن أخلع حذائي، فقط لأنني لم أعد أملك طاقة لأي حركة إضافية.
وسط كل هذا، جاء ذلك الإعلان. لم يكن ملفتًا، ولم يكن مكتوبًا بطريقة جذابة، بل على العكس، كان بسيطًا لدرجة أنه كاد أن يمر مرور الكرام. لكن في تلك اللحظة، كان أي شيء يحمل رقمًا ماليًا واضحًا يستحق الانتباه.
“مطلوب شاب مسؤول لتنظيف منزل امرأة مسنة. 200 جنيه لكل زيارة.”
200 جنيه. رقم بسيط، لكنه بالنسبة لي كان يعني الكثير. كنت أستطيع أن أشتري به كتابًا، أو أن أغطي به مصاريف المواصلات لعدة أيام، أو حتى أن أتنفس قليلًا دون أن أفكر في المال كل دقيقة.
تواصلت دون تردد. لم أسأل كثيرًا، ولم أحاول التفاوض. فقط اتفقنا على موعد، وذهبت.
المنطقة التي يقع فيها المنزل كانت هادئة بشكل غريب، ليست مهجورة، لكنها خالية من الضوضاء المعتادة. شعرت أن الوقت هناك يتحرك ببطء مختلف، كأن كل شيء فقد عجلة الحياة التي اعتدنا عليها.
وقفت أمام الباب، وترددت للحظة قبل أن أطرق. لا أعرف لماذا، ربما لأنني كنت أدخل عالمًا لا أعرف عنه شيئًا. طرقت طرقات خفيفة، وانتظرت. لم يفتح أحد. طرقت مرة أخرى، هذه المرة أقوى قليلًا.
ثم سمعت الصوت.
خطوات بطيئة، متقطعة، كأن كل خطوة تحتاج إلى قرار. استغرق فتح الباب وقتًا أطول مما توقعت، وعندما فُتح أخيرًا، رأيتها.
امرأة نحيلة جدًا، ملامحها هادئة لكنها متعبة، شعرها أبيض بالكامل، ويديها ترتجفان بشكل واضح وهي تمسك بعصا. لم تكن نظرتها حادة، بل كانت عادية جدًا، وربما هذا ما جعلها مؤثرة أكثر.
قالت:
“أنت اللي كلمتني؟”
أجبتها: “أيوه يا حاجة.”
سمحت لي بالدخول، وتحركت ببطء أمامي، وكأن كل خطوة محسوبة.
المنزل كان صغيرًا، لكنه لم يكن سيئًا. كان قديمًا، نعم، لكن فيه ترتيب واضح، كأن صاحبه يحاول الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه. الصور على الحائط كانت باهتة قليلًا، لكنها مرتبة بعناية. شعرت أن كل شيء في هذا المكان له قصة، حتى لو لم تُحكَ.
شرحت لي أنها تحتاج إلى شخص يأتي مرة كل أسبوع من أجل تنظيف منزل امرأة مسنة، لأن الحركة أصبحت صعبة عليها، وأنها لا تستطيع القيام بكل شيء بمفردها.
بدأت العمل. كان بسيطًا: كنس، مسح، ترتيب، بعض الأطباق. لا شيء معقد. أنهيته بسرعة، وربما بشكل أسرع مما كنت أفعل في أماكن أخرى، لأن المكان نفسه كان هادئًا، ولا يوجد ضغط.
عندما انتهيت، أعطتني 200 جنيه، وشكرتني. أخذت المال، وكنت على وشك المغادرة، لكنني لاحظت شيئًا صغيرًا.
المطبخ.
لم يكن فارغًا تمامًا، لكنه كان… محدودًا. بضع أشياء فقط، لا تكفي لشخص يعيش بشكل طبيعي. لم أقل شيئًا، لكن الصورة بقيت في ذهني.
في الزيارة التالية، لاحظت نفس الشيء. ثم في التي بعدها. لم يكن الأمر صدفة.
وفي يوم، سألتها:
“حضرتك بتاكلي كويس؟”
ابتسمت، وقالت:
“على قدّي يا ابني.”
لم تكن إجابة مباشرة، لكنها كانت كافية.
في ذلك اليوم، وأنا عائد، اشتريت بعض الطعام. لم أخطط لذلك، ولم أعتبره عملاً خيريًا، فقط شعرت أنه شيء طبيعي.
عدت وطرقت الباب مرة أخرى. عندما فتحت، بدا عليها الاستغراب.
قلت:
“كنت في السوق… فقولت أجيب حاجة.”
لم تقل الكثير، لكنها أخذت الأكياس ببطء، وكأنها لا تصدق.
من هنا، بدأ كل شيء يتغير، لكن ليس بشكل مفاجئ. لم يتحول الأمر فجأة إلى قصة مؤثرة، بل كان تحولًا بطيئًا جدًا، يكاد لا يُلاحظ.
لم يعد الأمر مجرد تنظيف منزل امرأة مسنة. بدأت أبقى قليلًا بعد العمل. أحيانًا نأكل، أحيانًا نتحدث، وأحيانًا نجلس في صمت.
كانت تحكي لي عن حياتها، لكن ليس بشكل مرتب، بل على شكل أجزاء. قصة هنا، ذكرى هناك، اسم يمر ثم يختفي. كنت أجمع هذه الأجزاء في ذهني، كأنني أحاول فهم صورة أكبر.
حكت لي عن زوجها، عن بيت كان ممتلئًا يومًا ما، عن أولاد أصبحوا الآن بعيدين. لم تكن تلوم أحدًا، وهذا ما كان مؤلمًا أكثر.
كنت أستمع، وفي بعض الأحيان، كنت أجد نفسي أفكر في حياتي أنا. في المستقبل، في الوحدة، في كيف يمكن أن ينتهي بنا الحال بطريقة لم نخطط لها.
مع الوقت، أصبحت هذه الزيارات شيئًا أنتظره. ليس من أجل المال، بل من أجل هذا الهدوء، هذا الإحساس بأنني في مكان لا يطلب مني أن أكون شيئًا غير نفسي.
مرت الشهور، بسرعة لم أشعر بها.
حتى جاء ذلك اليوم.
الباب كان مفتوحًا قليلًا.
توقفت. شيء ما لم يكن مريحًا.
دخلت، وناديت، لكن لم يجب أحد.
وجدتها جالسة على المقعد، في نفس المكان المعتاد.
في البداية، ظننت أنها نائمة.
لكنني اقتربت… وفهمت.
لم تكن هناك صدمة مفاجئة، فقط إدراك بطيء.
في يدها، كان هناك ظرف.
باسمي.
جلست قبل أن أفتحه. لا أعرف لماذا، لكنني شعرت أن هذه اللحظة ستبقى.
فتحت الرسالة.
كانت قصيرة:
“يا بني… أنت كنت أكتر من مجرد شغل. الفلوس كانت حجة بس. أنت ادتني حاجة أهم. تحت السرير حاجة ليك.”
بقيت جالسًا لبعض الوقت، لا أفعل شيئًا.
ثم ذهبت وفتحت الصندوق.
وجدت مالًا.
وأوراقًا.
البيت… باسمي.
في تلك اللحظة، لم أشعر بالسعادة كما قد يتوقع أي شخص. كان الشعور مختلفًا، معقدًا، خليطًا من الامتنان والحزن.
مرت الأيام بعد ذلك، وتغيرت حياتي فعلًا.
لكن الشيء الذي بقي، لم يكن المال، ولا البيت.
بل ذلك الإحساس.
أن أشياء صغيرة، جدًا، يمكن أن تعني كل شيء لشخص آخر.
وأن ما بدأ يومًا كعمل بسيط، كـ تنظيف منزل امرأة مسنة، كان في الحقيقة نقطة تحول لم أكن أراها وقتها.