تخلّوا عني وأنا حامل… وبعد 7 سنين رجعوا يترجّوني أسامحهم: حكاية بنت واجهت الظلم ورجعت بحقها

تخلّوا عني وأنا حامل… وبعد 7 سنين رجعوا يترجّوني أسامحهم: حكاية بنت واجهت الظلم ورجعت بحقها


تخلّوا عني وأنا حامل… وبعد 7 سنين رجعوا يترجّوني أسامحهم: حكاية بنت واجهت الظلم ورجعت بحقها

كان عمري ستة وعشرين سنة لما حسّيت إن الدنيا بتلف وترجعلي من أول وجديد… كأن الزمن خد لفة كبيرة ورجع وقف قدامي في نفس النقطة اللي كسرتني زمان، بس المرة دي أنا مش نفس البنت. بقيت أقوى… أهدى… وأفهم بكتير. بس الحقيقة إن البداية ما كانتش كده خالص. البداية كانت ليلة مطر تقيل… وأنا واقفة قدام بوابة بيتي… أو البيت اللي كنت فاكرة إنه بيتي… حامل في الشهر السادس… ومعايا شوية هدوم مرميين في أكياس بلاستيك رخيصة.

كان عندي تسعتاشر سنة وقتها… صغيرة، تايهة، وخايفة… بس أكتر حاجة كانت بتوجعني مش الخوف ولا الوحدة… كان الإحساس إني اتشالت من حياتهم كأني ولا حاجة. أمي كانت واقفة قدامي، لابسة شيك كعادتها، وشعرها متظبط، وكل حاجة فيها بتقول إنها ست مجتمع… بس كلامها كان أبرد من المطر اللي بينزل على وشي. بصتلي وقالت بمنتهى القسوة: “إنتي عار على العيلة”. الكلمة دي دخلت جوايا زي سكينة بطيئة… مش بتقتل بسرعة… بتوجع على مهلك.

وقبل ما أستوعب، كملت وهي بتقفل آخر باب ممكن أرجع منه: “ولو فكرتي ترجعي هنا تاني… خلي البنت دي تختفي من حياتك”. ساعتها حسّيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. مش بس بيطردوني… دول كمان عايزين يمحوا وجود بنتي قبل ما حتى تولد. البوابة الحديد اتقفلت في وشي بصوت عالي… صوت لحد النهارده بيرن في ودني… وكأنه كان إعلان رسمي إن حياتي القديمة انتهت.

ليلة طويلة قضيتها تحت المطر… ماكنتش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه. بس الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها… إني مش هسمح لنفسي أضعف. كنت حاسة إن جوايا روح صغيرة… روح بنتي “ليان”… مستنية مني أكون قوية عشانها. يمكن دي كانت أول مرة في حياتي أحس إني مسؤولة بجد… مش بنت مدلعة في بيت غني… لأ… أم بتبدأ من الصفر.

الأيام اللي بعد كده كانت صعبة بشكل ما يتوصفش. اشتغلت في أي حاجة قدامي… تنظيف بيوت، خدمة في مطاعم، وأحيانًا كنت بشتغل شغلانتين في نفس اليوم وأنا بطني كبرت وتعب الحمل بدأ يظهر. كنت برجع آخر اليوم مرهقة… جسمي مكسر… بس أول ما أحط إيدي على بطني… وأحس بحركة ليان… كنت بنسى كل حاجة.

ولدت ليان وأنا لوحدي… من غير أم جنبي، ولا حد يسندني، ولا حتى حد يقول لي كلمة طيبة. بس لما شفت وشها أول مرة… حسّيت إن ربنا عوّضني بحاجة أغلى من أي حاجة خسرتها. كانت صغيرة جدًا… ضعيفة… بس فيها قوة غريبة… كأنها جت الدنيا تقول لي: “إحنا هنكمل سوا”.

مرت سنين… سبع سنين كاملة من التعب، الكفاح، والسقوط والقيام. اشتغلت، ودرست بالليل، وكنت أذاكر وأنا نايمة من التعب، وأصحى أكمل. ليان كبرت قدامي، وكل يوم كانت بتعلمني معنى جديد للصبر. عمرها ما سألتني في الأول عن جدتها أو بيتنا القديم… كأنها حاسة إن الأسئلة دي ممكن توجعني. كانت دايمًا تقول لي: “إحنا عيلتنا صغيرة بس حلوة”.

لكن رغم كل ده… كان جوايا سؤال عمره ما سكت. هما ليه عملوا كده؟ إيه اللي يخلي أهل يرموا بنتهم بالشكل ده؟ وهل فعلاً كانوا زي ما بيظهروا قدام الناس؟ ولا كان في حاجة مستخبية ورا الصورة المثالية دي؟

من وأنا صغيرة، كنت بشوف حاجات غريبة… طريقة تعاملهم مع الناس… خاصة اللي أقل منهم. كانوا بيتعاملوا مع الخدم كأنهم مش بني آدمين… كأنهم مجرد أدوات. وكنت دايمًا أحس إن في حاجة غلط… بس ماكنتش فاهمة إيه.

لحد ما في يوم… من حوالي شهر… حياتي اتقلبت تاني. وصلني طرد غريب… من مدبرة منزل قديمة كانت شغالة عند أهلي سنين طويلة. الست دي كانت دايمًا طيبة معايا وأنا صغيرة… ويمكن كانت الوحيدة اللي كانت بتبصلي بعين فيها رحمة.

الطرد كان بسيط… بس تقيل بمعناه. جواه ورقة مكتوب عليها: “من حقك تعرفي الحقيقة”. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه… قلبي بيدق بسرعة… كأني عارفة إن اللي جواه هيغير كل حاجة. ولما شفت اللي فيه… الدنيا وقفت.

شهادة ميلاد… باسم أمي… واسم طفل تاني… مش أنا. أخويا. كان عندي أخ… وأنا ماعرفش عنه حاجة. نفس السيناريو… نفس القسوة… نفس التخلي. أمي رمت ابنها قبلي بسنين.

الصدمة دي خلتني ما أقدرش أسكت. بدأت أدور عليه… كأني بدور على جزء مني ضايع. وبعد محاولات طويلة… لقيته. بس ماكنش طفل ضعيف زي ما كنت متخيلة… كان راجل ناجح جدًا… رجل أعمال معروف… قوي… ثابت.

أول مقابلة بينا كانت غريبة… فيها رهبة… وفيها فضول… وفيها ألم مشترك. كنا الاتنين شايفين نفس السؤال في عيون بعض: “ليه؟”. ماكانش هدفنا في الأول ننتقم… كنا بس عايزين نفهم.

لكن كل ما كنا بندور أكتر… الحقيقة كانت بتبقى أسوأ. مستندات… تحويلات مالية… عقود قديمة… وكلها بتشير لحاجة واحدة: إن الثروة اللي أهلي عايشين فيها… ما كانتش حقهم أصلاً. كانت أمانة… واتسرقت.

كل ورقة كنا بنكتشفها كانت بتكسر صورة تانية من الصورة المثالية اللي كانوا عايشين بيها قدام الناس. لحد ما وصلنا للحقيقة الكاملة… الحقيقة اللي ماكانش ينفع تتسكت عليها.

وبعد أيام قليلة… ظهرت فرصة. إعلان عن مناسبة كبيرة في النادي اللي أهلي بيحبوا يظهروا فيه دايمًا… وسط الناس اللي بيهمهم الشكل والمظاهر. إحنا ماكنّاش معزومين… بس قررنا نروح.

دخلنا بهدوء… من غير صوت عالي… ولا مشهد درامي. كل الناس كانت بتضحك وتجامِل… محدش كان متوقع إن الليلة دي هتتغير. مشينا لحد ما وصلنا للترابيزة اللي قاعدين عليها… وحطينا ورقة واحدة بس.

أول ما أمي شافتها… وشها اتغير… إيدها بدأت ترتعش… وعينيها مليانة خوف لأول مرة في حياتي. همست بصوت مخنوق: “إنتو جيتوا هنا ليه؟ وإيه اللي معاكم ده؟”

أخويا رد بهدوء غريب… قوة مش محتاجة صوت عالي: “الورقة دي صورة… الأصل دلوقتي في مكتب النائب العام”. ساعتها، كل حاجة بدأت تقع. الكلام انتشر، النظرات اتغيرت، والناس اللي كانوا بيصفقوا لهم من شوية… بقوا بيبصوا لهم بنظرة مختلفة تمامًا.

أمي حاولت تمسك إيدي… لأول مرة من سنين… بس المرة دي ماكانش فيها حب… كان فيها خوف. قالت لي بصوت واطي: “إحنا أهلك… فضيحتنا هي فضيحتك”. الكلمة دي لو كانت اتقالت لي زمان… كنت ممكن أضعف. لكن دلوقتي… كنت شايفة الحقيقة كلها.

بصتلها وقلت بهدوء: “أهلي؟ أهلي اللي طردوني وأنا حامل؟ اللي طلبوا مني أتخلى عن بنتي؟”. حسّيت إن كل وجع السنين بيتكلم على لساني… بس من غير صراخ… من غير دموع… بس قوة.

اللي حصل بعد كده… كان نتيجة طبيعية لكل اللي عملوه. الدنيا بتدي كل واحد حقه… ولو بعد وقت. الفيلا اتحجز عليها… الشركة وقعت… والناس اللي كانوا حواليهم اختفوا… لأنهم كانوا حواليهم عشان المصلحة مش أكتر.

أما أنا… أنا كسبت حاجة أهم من أي فلوس. كسبت نفسي. كملت تعليمي، وبقيت أساعد بنات زيي… بنات اتكسرت واتقال لها إنها انتهت… وأنا بقيت الدليل إن النهاية دي ممكن تكون بداية.

ليان كبرت… وبقت عايشة وسط عيلة حقيقية… مش عيلة بالاسم… عيلة فيها حب وسند. أخويا بقى جزء من حياتنا… وعوضنا سنين كتير ضاعت.

وأهلي؟ سيبناهم لضميرهم… وللحياة. لأن في دروس ما ينفعش حد يديها لحد… لازم الإنسان يعيشها بنفسه. يمكن يتعلموا… ويمكن لأ… بس أنا خلاص خرجت من الدائرة دي.

الدرس اللي اتعلمته بعد كل ده… إن الحق ممكن يتأخر… لكنه عمره ما بيضيع. وإن البيوت اللي بتتبني على الظلم… لازم تقع… حتى لو بعد سنين طويلة. والأهم من ده كله… إن الإنسان ممكن يبدأ من الصفر… ويعمل حياة تستحق يعيشها… حتى لو كل الدنيا قالت له إنه انتهى.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان