اختفاء زوجي وولادي التوأم في رحلة صيد.. وبعد 7 سنين ظهر الفيديو الذي كشف الحقيقة



اختفاء زوجي وولادي التوأم في رحلة صيد.. وبعد 7 سنين ظهر الفيديو الذي كشف الحقيقة

جوزي اختفى هو وولادي التوأم في رحلة صيد عادية، رحلة كان المفروض ترجعهم البيت قبل العشا، لكنهم لم يرجعوا أبدًا، وبعد سبع سنين كاملة من الحزن والانتظار، بنتي دخلت عليا في ليلة ساكتة، وشها شاحب وإيديها بتترعش وهي ماسكة موبايل قديم، وقالت لي بصوت مكسور: “ماما… بابا بعت لي فيديو ليلة ما مشيوا، وقالي مورهوش ليكي… أنا آسفة، لازم تشوفيه.” في اللحظة دي حسيت إن السنين كلها رجعت تضغط على صدري مرة واحدة، وإن الوجع اللي كنت فاكرة إنه اتعود على قلبي صحى من جديد، بس المرعب إن الفيديو ما كشفش بس آخر كلمات ريان، الفيديو فتح قبر الحقيقة اللي كانوا دفنوها قدام عيني، وخلاني أعرف إن اللي كنت بعتبره صديق العيلة وسندنا بعد المصيبة، كان هو أول خيط في الكابوس كله.

اسمي آنا، وكنت متجوزة ريان من أكتر من اثناشر سنة، راجل هادي وطيب، من النوع اللي بيحب بيته بصدق من غير كلام كتير، كان أب مثالي لولادنا التوأم جاك وكاليب، وكان متعلق بيهم بطريقة تخلي أي حد يشوفه يعرف إن الولاد دول هما روحه اللي ماشية على الأرض. كل صيف كان عنده عادة ثابتة، ياخد جاك وكاليب ويروحوا يصطادوا في بحيرة مونرو، مكان واسع وهادي، مليان ذكرياتهم وضحكهم وصورهم القديمة، وكان دايمًا يرجع وهو بيحكي لي عن محاولات جاك الفاشلة في الصيد، وعن كاليب اللي كان بيقعد طول الرحلة يسأل أسئلة غريبة عن السمك والمية والنجوم. بنتي ليلي كانت وقتها عندها ست سنين، وكانت كل سنة تزعل لأنه مش بياخدها معاهم، وهو كان يضحك ويحضنها ويقول لها: “السنة الجاية هتيجي معانا يا أميرتي، لما تكبري شوية.” بس السنة الجاية دي عمرها ما جت، والوعد اللي كان بسيط وبريء، اتحول لجرح مفتوح عايش جوانا لحد النهارده.

اليوم اللي اختفوا فيه كان عادي لدرجة تخوف، مفيش علامة، مفيش إحساس غريب، مفيش حاجة تقول إن الباب اللي اتقفل وراهم الصبح مش هيتفتح تاني. ريان صحاني بدري، باسني على راسي وقال لي إنه هيرجع الولاد قبل العشا، وكان صوته هادي جدًا، حتى إنه ضحك وقال لي إن جاك غالبًا هيصطاد نفس السمكة الصغيرة اللي بيصورها كل سنة على إنها إنجاز تاريخي. الولاد كانوا مبسوطين، شايلين شنطتهم الصغيرة، وليلي واقفة على السلم زعلانة وبتبص لهم، فريان نزل لمستواها ووعدها تاني إنها هتيجي السنة الجاية، وباسها على خدها، وبعدها ركب العربية ومشي. فضلت واقفة عند الشباك أبص عليهم لحد ما العربية اختفت، ومكنتش أعرف إن آخر صورة هفضل شايفاها في دماغي طول عمري هي ضهر العربية وهي بتبعد، وصوت ضحكة الولاد لسه متعلق في الهوا.

لما الليل دخل ومحدش رجع، بدأت أتوتر، اتصلت بريان مرة واتنين وعشرة، مفيش رد. اتصلت ببول، أعز صديق لريان، الراجل اللي كان دايمًا قريب من العيلة وبيظهر في المناسبات والرحلات، فصوته كان قلقان وقال لي إنه هيتحرك فورًا ويدور عليهم. بعدها بدأت الشرطة، والناس، والقوارب، والكشافات، وكل لحظة كانت بتعدي كانت بتاكل حتة مني. بعد ساعات طويلة لقوا المركب عايم قريب من الشط الشمالي، من غير ريان ومن غير جاك وكاليب، وسترات النجاة كانت لسه جوه المركب، كأنهم اختفوا من فوقه فجأة. الشرطة قالت إن موجة مفاجئة ممكن تكون قلبتهم، وإن البحيرة واسعة وعميقة، وإن أحيانًا الجثث بتفضل مختفية. كانوا بيتكلموا بلغة رسمية، بس أنا كنت سامعة حاجة واحدة بس: عيلتي راحت، ومفيش حد عارف يقول لي راحت فين.

الأيام اللي بعدها كانت ضباب، ناس داخلة وناس خارجة، أكل ما بتاكلش، قهوة بتبرد، عيون شفقة، وكلام محفوظ عن الصبر والقدر. بول كان موجود طول الوقت، يقود عمليات البحث، يطمنني، يقف جنب الشرطة، يرد على الصحفيين، ويقولي كل يوم تقريبًا: “لازم تتقبلي يا آنا… هما غرقوا.” في الأول كنت شايفة وجوده نعمة، صديق وفي لزوجي، راجل بيحاول يساعدني وأنا واقعة في حفرة مالهاش آخر، لكن مع الوقت بدأت جملة “لازم تتقبلي” تخنقني. ليه كان مستعجل أصدق؟ ليه كان دايمًا بيقفل أي باب شك؟ ليه كل ما أقول إن قلبي حاسس إن ريان عايش أو إن في حاجة غلط، يبص لي بنفس النظرة الحزينة ويقول لي إن الحزن بيخليني أتعلق بأمل مستحيل؟ مكنتش عندي إجابة، ومكنتش عندي دليل، كان عندي بس إحساس صغير مدفون تحت الخراب، إحساس بيقول إن ريان ما ماتش بالطريقة اللي قالوها.

عدت سبع سنين، والبيت اتغير من غير ما يتغير. أوضة الولاد فضلت زي ما هي فترة طويلة، بعدين اضطررت ألم هدومهم، مش لأنني نسيت، لكن لأن ليلي كانت بتكبر وسط مقبرة من الذكريات، وكانت محتاجة أم واقفة مش شبح ماشي في البيت. ليلي كبرت، وبقت بنت حساسة وساكتة، عينيها فيها حزن أكبر من سنها، وكانت بتتفادى الكلام عن أبوها وإخواتها، كأنها لو قالت أسماءهم بصوت عالي هيحصل لها حاجة. أما أنا، فكنت عايشة بنص قلب، أشتغل، أطبخ، أوصلها المدرسة، أبتسم للناس، وأرجع بالليل أنهار في الصمت. كل ذكرى كانت سكينة، وكل صيف كان لعنة، وكل مرة أسمع صوت مركب أو أشوف بحيرة في فيلم، أحس إن روحي بتتسحب من جسمي.

في الويك إند اللي فات، كانت ليلي بترتب كراتين قديمة في دولابها، كراتين كنت بنقلها من مكان لمكان من غير ما أفتحها، لأنها كانت مليانة حاجات تخص طفولتها والبيت القديم وحياة قبل الاختفاء. بعد ساعات، دخلت عليا أوضتي وهي ماسكة موبايل صغير قديم بإيديها الاتنين، الموبايل اللي كنا جايبينه لها زمان عشان الألعاب والطوارئ، وكانت ملامحها غريبة، مش ملامح بنت لقت ذكرى قديمة، لا، ملامح حد شاف حاجة كسرت جوه دماغه باب كان مقفول. قالت لي: “ماما… لازم أوريكي حاجة.” قمت من السرير بسرعة، سألتها في إيه، لكنها فضلت ساكتة ثواني، عينيها بتلمع بالدموع، وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة: “بابا بعت لي فيديو ليلة ما راح يصطاد هو والولاد… أنا كان عندي ست سنين، مفهمتش كلامه وقتها، هو قالي مورهوش ليكي غير لما يعدي عشر سنين.”

حسيت ريقي نشف، والكلام وقف في حلقي. سألتها: “فيديو إيه يا ليلي؟” فبصت للموبايل كأنها خايفة منه وقالت إنها كانت ناسية إنه موجود، وإنها لقيته وهي بتنضف الدولاب، وإنها شافته النهارده، وإنه لازم أو لازم أشوفه. حطت الموبايل في إيدي بالراحة، كأنها بتسلمني قنبلة، وأنا ضغطت على زر التشغيل بإيد مش قادرة تثبت. الشاشة كانت ضلمة في الأول، وبعدها ظهر صوت نفس سريع ومكتوم، صوت عرفته قبل ما أشوف الوش، صوت ريان. الكاميرا اتحركت بعنف، وظهر هو في مكان مضلم، وشه عرقان، عينيه مرعوبة، مش ريان اللي كلمني الصبح بهدوء وضحك، ده كان راجل محاصر، راجل عارف إن الوقت بيخلص منه، وبيحاول يسيب أثر قبل ما الظلام يبلعه.

بدأ ريان يتكلم بصوت واطي جدًا، أقرب للهمس، وقال: “ليلي… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا والولاد مبقاش لينا وجود. أنا آسف يا بنتي إني حملتك السر ده وإنتي صغيرة، بس مكنش ينفع أقول لأمك… أمك لو عرفت كانت هتموت من الخوف، أو هما كانوا هيجيبوها.” في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع تحت رجلي، وليلي جنبي كانت بتعيط من غير صوت. ريان كمل وهو بيمسح وشه بإيد بتترعش: “كل الناس فاكرة إن رحلة البحيرة دي عشان الصيد، بس أنا بقالي سنتين بكتشف بلاوي في الشغل. بول… صاحبي وعمري… مش هو الشخص اللي إحنا فاكرينه. بول شغال مع شبكة كبيرة، شبكة بتعمل حاجات قذرة وخطرة، وأنا واجهته الأسبوع اللي فات وهددته إني هبلغ، ودي كانت أكبر غلطة في حياتي.”

كل كلمة كانت بتضربني في صدري. بول؟ بول اللي كان واقف جنبي في العزاء؟ بول اللي كان بيقود البحث؟ بول اللي كان يدخل بيتي ويقعد على نفس الكرسي اللي ريان كان بيقعد عليه؟ ريان في الفيديو كان بيحاول يسيطر على نفسه، لكنه كان واضح إنه مرعوب على الولاد أكتر من نفسه، وقال إن بول هدده بيهم، وقال له لو اتكلم، جاك وكاليب وليلي مش هيشوفوا الشمس تاني. قال إنه حاول يتراجع ويقنعه إنه مش هيبلغ، لكنه عرف إن بول مش هيسيبه عايش، وإن رحلة البحيرة كانت فخ، وإنه رايح ومعاه الولاد لأنه خاف يسيبهم في البيت فيوصل لهم بول أو رجاله. قال إنه هيحاول يهرب بيهم من هناك، يعدي للشط التاني، ياخد أي طريق بعيد، يختفي، يحميهم بأي شكل، حتى لو كل الناس افتكرته غرق.

وفجأة اتسمع في الفيديو صوت باب بيتقفل في الخلفية، ريان اتلفت بسرعة، والكاميرا اتهزت، وبص للشاشة كأنه بيبص في عين ليلي الصغيرة بعد سنين وقال بسرعة: “ليلي، لو مرجعناش… متثقوش في بول. بول هو اللي هيقود البحث، بول هو اللي هيحاول يقنع أمك إننا غرقنا عشان يقفل القضية. متوريش الفيديو ده لأمك غير بعد عشر سنين عشان تكوني كبرتي وتقدروا تحموا نفسكم. أنا بحبكم أوي… أنا…” وبعدها الفيديو فصل فجأة، الشاشة اسودت، وانعكس عليها وشي أنا وبنتي، إحنا الاتنين واقفين بين الماضي والحاضر، بين موت كنا فاكرينه قضاء وقدر، وحقيقة بتقول إن في مجرم عاش وسطنا سبع سنين، بيطبطب علينا بإيد، ويمسح آثار جريمته بالإيد التانية.

قبل ما أقدر أتنفس، تليفوني اللي على السرير نور برسالة جديدة. بصيت للشاشة، وكان الاسم “بول”. الرسالة كانت بسيطة ومرعبة في نفس الوقت: “مساء الخير يا آنا… كنت براجع شوية حاجات وفكرت فيكي وفي ليلي… إيه رأيك أعدي عليكم بكرة نقضي اليوم سوا؟” حسيت إن البيت كله برد، وإن الحيطان قربت مني. الرسالة دي لو كانت جات قبل الفيديو بدقايق، كنت هرد عليه بلطف، يمكن كنت هقوله أهلا، يمكن كنت هدخله بيتي زي كل مرة، لكن دلوقتي كل حرف كان باين كأنه سكين. بصيت لليلي، كانت واقفة جامدة وعينيها بتسألني من غير كلام: هنعمل إيه؟ في اللحظة دي الخوف اللي فضل جوايا سبع سنين اتحول لحاجة تانية، اتحول لغضب بارد، لنار ساكتة، لقسم بيني وبين نفسي إن بول مش هيخرج من حياتنا تاني منتصر.

مسكت موبايل ليلي القديم، وبعت الفيديو فورًا على إيميلي الشخصي، ورفعته على أكتر من موقع تخزين، وبعته لنسخة احتياطية على حساب كنت ناسيه، وبعدها قعدت أفكر بعقل مش بوجع. مكنش ينفع أواجهه لوحدي، ومكنش ينفع أهرب، لأن الهروب معناه إنه هيلاحقنا، ومعناه إن الدليل ممكن يضيع. كتبت لبول بإيدين بتترعش، لكن جوايا كان في ثبات غريب: “ياريت يا بول، تنورنا بكرة… مستنيينك.” الرد جه بعد ثواني: “تمام يا آنا، هكون عندك الساعة 7 بالدقيقة.” قفلت الرسالة، وبسرعة دورت على رقم المحقق ديفيد، الراجل اللي كان ماسك القضية زمان، واللي كنت فاكرة في عينيه نفس الشك اللي كان في قلبي، بس من غير دليل يقدر يعمل به حاجة. لما رد، قلت له بصوت حاسم: “سيادة المحقق، أنا معايا الدليل اللي يفتح قضية اختفاء جوزي وولادي من أول وجديد… بس لازم تسمعني كويس.”

ديفيد سمع الفيديو، وسكت فترة طويلة بعدها. صمته كان أصدق من أي كلام، وبعدها قال لي إن إحساسه عمره ما ارتاح للقضية، وإن وجود بول في كل خطوة كان دايمًا مثالي بزيادة، لكنه مكنش يقدر يتصرف من غير دليل. اتفقنا على كل حاجة، البيت هيتأمن، ليلي هتكون في أوضتها والشرطة قريبة، وهيزرعوا أجهزة تسجيل في الصالة قبل ما بول يوصل، وأنا دوري الوحيد إني أخليه يتكلم، أخليه يكشف نفسه، أخليه يخلع القناع بإرادته. الليل ده ما نمتش، فضلت قاعدة جنب ليلي، حاضناها، وهي كل شوية تعتذر وتقول إنها لو كانت فهمت الفيديو زمان كان ممكن تنقذهم. كنت بحاول أقول لها إنها كانت طفلة، وإن أبوها ما حملهاش ذنب، لكنه حملها أمانة كانت أكبر من عمرها، وأمانة زي دي مش بتتفتح إلا في وقتها.

تاني يوم الساعة سبعة بالضبط، الباب خبط. الخبطة كانت مألوفة، نفس الخبطة اللي سمعتها سنين طويلة من غير خوف، لكن المرة دي كانت كأنها إعلان بداية المعركة. ليلي كانت مستخبية في أوضتها زي ما اتفقنا، وأنا فتحت الباب، ولقيت بول واقف بابتسامته الهادية، شايل كيس صغير فيه حلوى كان دايمًا يجيبها لليلي، نفس التمثيلية القديمة، نفس الود المصطنع. دخل وقعد، وبص حواليه وقال إن البيت وحشه، وإنه كان قلقان علينا، وإن الذكرى قربت ولازم نبقى جنب بعض. كنت بسمعه وأنا شايفة وراه كل حاجة، شايفة ريان مرعوب في الفيديو، شايفة المركب الفاضية، شايفة بول وسط فرق البحث وهو بيمثل القلق، شايفة نفسي وأنا بصدقه سنين. قدمت له قهوة، وقعدت قصاده، وسايبة الصمت يطول لحد ما حس هو بعدم الراحة.

قلت له بهدوء: “بول… ليلي لقت موبايلها القديم امبارح.” ملامحه اتغيرت لحظة صغيرة جدًا، لحظة أي حد غيري يمكن ما يلاحظهاش، رعشة في عينه، شد في فكه، وبعدين رجعت ابتسامته بسرعة وقال: “ياه، بجد؟ أكيد لقيتوا عليه ألعاب قديمة وصور مضحكة.” قربت منه وحطيت موبايلي على الترابيزة، وشغلت الفيديو من الجزء اللي ريان بيقول فيه: “متثقوش في بول… بول هو اللي هيقود البحث… بول هو اللي هيقنع أمك إننا غرقنا.” الصوت ملأ الصالة، وكل حاجة بعدها سكتت. بول بطل يبتسم، وشه اتغير بالكامل، كأن الشخص الطيب اللي كنت أعرفه اتبخر وطلع من تحته حد تاني، حد بارد، عينه ضلمة، ومفيش فيها أي ندم.

رجع بضهره لورا، وبص لي فترة طويلة، وبعدها قال بصوت منخفض: “مكانش ينفع تشوفي ده يا آنا.” الجملة نزلت عليا زي حكم نهائي، لكنه كمل وهو بيهز راسه: “ريان كان غبي. كان ممكن يعيش لو سكت. وأنا كنت ناوي أسيبك إنتي وليلي في حالكم، بس واضح إن الغباء وراثة.” مد إيده ببطء لجوه الجاكيت، وطلع سلاح صغير ووجهه ناحيتي. قلبي كان بيدق بعنف، لكني ما اتحركتش، ما صرختش، ما اديتوش المتعة إنه يشوفني منهارة. قلت له بصوت ثابت أكتر مما توقعت من نفسي: “أنا زمان مأمنتش على نفسي يا بول… بس النهارده أمنت على نفسي وعلى بنتي.” وقبل ما يستوعب قصدي، الباب اتهد، ودخلت الشرطة والمحقق ديفيد بأسلحتهم، وصوته هز المكان: “ارمي السلاح على الأرض! إيدك فوق!”

بول اتجمد لحظة، وبص حواليه بذهول، كأنه لأول مرة يفقد السيطرة على المشهد اللي كان دايمًا هو مخرجه. حاول يلف، حاول يحسبها، لكن كل المخارج كانت مقفولة. نزل السلاح ببطء، والشرطة كلبشته، وديفيد قرب منه وقال له بغل مكبوت: “سبع سنين وأنا حاسس إن في حلقة ناقصة. الفيديو ده، والتسجيل اللي اتعمل هنا، وكل كلمة قلتها، كفاية تفتح أبواب كنت فاكرها اتقفلت.” بول وهو خارج بص لي، وعينه مليانة غضب، مش ندم، مش خوف، غضب لأنه اتكشف، لأنه خسر اللعبة. وقتها وقفت وقلت له الجملة اللي كنت محتاجة أقولها من سبع سنين: “الفيديو بقى مع الشرطة، ومع النيابة، ومرفوع في أكتر من مكان. حتى لو كنت قدرت تسكتني، الحقيقة مش هتتدفن تاني.”

بعد ما خدوه، البيت رجع ساكت، بس الصمت المرة دي مكانش صمت موت، كان صمت بعد عاصفة. ليلي خرجت من أوضتها ووقعت في حضني، فضلنا نعيط كتير، بكينا على ريان، على جاك وكاليب، على السبع سنين اللي اتسرقت، على طفولتها اللي اتكسرت، وعلى قلبي اللي اتخدع في أقرب الناس. لكن وسط الدموع كان في راحة غريبة، راحة إن الجنون اللي كنت حاسة بيه مكانش جنون، إن قلبي كان صح، إن ريان ما كانش ضحية موجة عابرة بس، كان ضحية خيانة، وكان بيحاول للآخر يحمي ولاده وبيته. في الأيام اللي بعدها بدأت التحقيقات تتوسع، وطلعت أسماء، وملفات، وتحركات، واكتشفوا إن ريان كان ماسك خيط كبير فعلًا، وإن بول عمل كل حاجة عشان يدفنه هو والحقيقة معاه.

أنا لسه معرفش النهاية القانونية هتكون إيه، ولسه في أسئلة كتير بتوجعني، أهمها: هل ريان والولاد ماتوا فعلًا في الليلة دي، ولا في جزء من خطته نجح في مكان ما؟ الشرطة قالت إنهم هيفتشوا من جديد، وهيفتحوا مسارات كانت مهملة، وأنا مش عارفة أتمسك بالأمل ولا أخاف منه. لكن اللي أعرفه إن الحقيقة بدأت تتحرك، وإن اسم ريان ما بقاش مجرد اسم في ملف اختفاء اتقفل، وإن جاك وكاليب ما بقوش مجرد طفلين قالت الناس إن البحيرة بلعتهم وخلاص. أما ليلي، فبقيت أبص لها وأشوف فيها شجاعة أبوها، البنت الصغيرة اللي حملت سر من غير ما تفهمه، ولما كبرت فتحته في الوقت اللي كان لازم يتفتح فيه. ومن يومها، كل ما أبص للبحيرة في الصور القديمة، ما بقتش بس أشوف مكان خطف عيلتي مني، بقيت أشوف بداية وعد جديد: إن اللي اتدفن في الضلمة، لازم في يوم يطلع للنور.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان