جوزي اتجوز عليّا ونقل شقة تانية.. وأنا رجّعت له أمه القعيدة بالجملة اللي خلّت البيت كله يتحوّل لصمت
عمري ما كنت ست بتحب الفضايح، ولا أعرف أزعق في الشوارع، ولا أمد إيدي على حد، ولا حتى أهوى دور الضحية اللي تعيط وتلم الناس حواليها عشان ياخدوا صفها. أنا من النوع اللي بيلم جراحه جوّه صدره، ويكمل اليوم كأن مفيش حاجة، ويضحك وهو تعبان، ويقول “الحمد لله” حتى لو قلبه متشقق من النص. يمكن عشان كده الناس كانت فاكراني ضعيفة، أو بالأصح كانوا فاكرين إن صبري ملوش آخر، وإن اللي استحمل مرة هيستحمل ألف، وإن الست اللي بتخدم وتسكت وتبلع الإهانة النهارده، هتفضل طول عمرها موجودة تحت الطلب. ومحمود كان أول واحد وقع في الغلطة دي. كان فاكر إن بإمكانه يفتح بيت جديد، يفرش شقة جديدة، يشتري ضحكة جديدة، ويعيش دور العريس من أول وجديد، ويسيب لي أنا الدور الأتقل والأصعب والأقسى: شيلة أمه المريضة، ووجع السنين، وتعب البيت، وليل السهر، وذل الانتظار. كان فاكر إنه هيهرب من مسؤولية عمره ما شالها أصلًا، ويورّثها لي كأني خدامة متعيّنة عند العيلة، مش زوجة ليها قلب وكرامة وعمر بيتسرق منها يوم ورا يوم.
أنا ومحمود اتجوزنا من سبع سنين. لا كانت قصة حب تهز السما، ولا كان فيه وعود شاعرية، ولا بلالين ولا كلام أفلام. كان جواز عادي جدًا، بنت من بيت محترم اتقدملها راجل شكله هادي و”ابن ناس”، وأهله قالوا عنه إنه طيب ومسؤول، وأنا بصراحة ماكنتش بحلم بأكتر من حياة مستقرة وبيت فيه مودة ورحمة وراحة بال. ليلة كتب الكتاب، وأنا قاعدة جنب أمي بعد ما الناس مشيت، قالت لي جملة لسه فاكرها بالحرف: “الست الشاطرة مش اللي تتجوز وخلاص، الست الشاطرة هي اللي تعرف تستحمل وتبني.” وأنا أخدت الجملة دي بقلبي كله، كأني داخلة حرب مش جواز، وقررت من أول يوم إني هبني حتى لو كنت ببني بإيديا العارية. لكن محدش قال لي وقتها إن البناء لو كان من طرف واحد، بيتحوّل مع الوقت لقبر متشطب من برّه، فاضي من جوّه.
قبل الفرح بفترة قصيرة، والدة محمود، الست عايدة، جالها جلطة خلت نص جسمها مشلول. الدنيا عندهم اتقلبت، والأفراح بقت مخلوطة بالخوف، والبيت بقى فيه ريحة مطهرات أكتر من ريحة الفرحة. ناس كتير قالت وقتها إن الجواز يتأجل، وناس قالت “البنت هتتعب”، وناس لمحت إن دي بداية مش مبشرة، لكن أنا اللي أصريت أكمل. قلت لنفسي إن المرض ابتلاء، وإن ربنا يمكن كاتب لي باب خير من باب تعب، وإن خدمة المريض عمرها ما كانت إهانة. دخلت البيت وأنا مهيأة نفسي لحياة مش سهلة، لكن ماكنتش متخيلة أبدًا إن “مش سهلة” دي معناها إني هصحى وأنام سبع سنين كاملة على صوت أنين ست مش بتحبني، وعلى ضهر راجل بيتهرب من أمه ومني ومن نفسه، وعلى مسؤولية بتزيد كل يوم لحد ما بقت أكبر مني.
في أول سنة بعد الجواز كنت بعمل كل حاجة بنية صافية. أصحى الفجر أجهز الفطار لمحمود قبل الشغل، وبعدها أدخل أوضة أمه أساعدها تقوم، أغسل لها وشها، أمشط شعرها، أبدل لها هدومها، أرفعها بالراحة من على السرير للكرسي، أجهز لها أدويتها، وأطعمها لقمة لقمة. كان الموضوع جديد عليّ ومربك ومُهين أحيانًا لخصوصيتي وتعبي الجسدي، لكن كنت بقول: “بكرة ربنا يجبر.” ومع كل يوم كان محمود يكرر نفس الجملة، نفس النبرة، نفس البرود: “إنتِ بتعرفي تتعاملي معاها أحسن مني.” الكلمة في ظاهرها مديح، لكن حقيقتها كانت هروبًا جبانًا من أقل واجب ممكن يعمله ابن ناحية أمه. هو ماكنش بيعترف إنه هربان، لا، كان يلبّس هروبه ثوب الثقة فيا. وأنا، بغباء الحنية، كنت بصدّق.
الست عايدة نفسها ما كانتش سهلة. المرض ما لطفش طباعها ولا كسر حدّتها. كانت ست طول عمرها مسيطرة، ولسانها طويل، وعينها زايغة في الغلط قبل الصح. أطبخ، تقول الملح زايد. أنضف، تقول التراب مستخبي في الزوايا. ألبس، تقول “مافيش ذوق.” أتأخر عليها خمس دقايق بسبب البوتاجاز أو الغسيل، تقلب البيت شكوى وكأنها متروكة بالأيام. مرات كتير كنت بدخل الحمام وأقفل على نفسي وأبكي في صمت عشان محدش يسمعني، وبعدها أغسل وشي وأخرج أكمل كأن حاجة ما حصلتش. مش لأنها كانت تستاهل، لكن عشان أنا كنت شايفة نفسي قدّام ربنا، وكنت بقول كل مرة إن اللي بيعمل الأصل مايندمش. لكن الحقيقة إن الأصل لما يزيد عن حده، الناس بتاخده ضعف. ومفيش حد في البيت كله فهم الفرق بين الطيبة والاستباحة.
السنة التانية والتالتة والرابعة عدّوا وأنا بتهرس بين البيت والعناية بيها وبين محاولات مستميتة إني أحافظ على جواز بدأ يبرد قبل ما يلحق يسخن. محمود بقى يقضي وقت أطول برّه. في الأول كنت بقتنع بحجة الشغل، وبعد كده بقيت أحفظ التفاصيل اللي بيختلقها من كتر تكرارها. مرة اجتماع، مرة عميل، مرة أزمة في الشغل، مرة صحاب قدام، مرة عربية عطلت. كان يرجع متأخر، ياكل لقمتين، يفتح موبايله، يضحك مع ناس ما أعرفهمش، ينام ويديني ضهره، وكأن البيت مجرد محطة استراحة مش حياة. حاولت أتكلم معاه كتير. مرة بهدوء، مرة بزعل، مرة بعتاب، مرة بسؤال بسيط: “إحنا مالنا؟” وكان كل مرة يرد إما بعصبية، أو بملل، أو بأسوأ حاجة في الدنيا: التجاهل. والتجاهل يا وجع التجاهل، مش بيكسر القلب مرة واحدة، لا، ده بينشر الشرخ فيه على مهل.
في وسط ده كله، أنا ماكنتش عايشة لنفسي أصلًا. جسمي بقى موجوع من الشيل والتقليب والسهر، أعصابي بقت مشدودة طول الوقت، وخوفي من أي تدهور في حالة الست عايدة خلاني طول الوقت صاحبة أذن مفتوحة وقلب مفزوع. كنت حتى لما أنام، أنام نص نومة، مستنية صوتها تنادي أو الكرسي يخبط أو نفسها يتغير. فيه ليالي كنت بقعد جنبها للصبح لأن حرارتها عالية أو ضغطها واطي أو عندها اختناق، ومحمود وقتها كان ينام في أوضته ويصحى يسأل السؤال اللي كان بيغلي دمي: “الدنيا عاملة إيه؟” كأنه ناظر دور بيعدّي يبص من الباب ويمشي. عمري ما نسيت ليلة كنت فيها بسند أمه عشان أغير الملاية بعد ما تعبت جدًا، وضهري كان هينكسر من الوجع، وناديت عليه يساعدني، فبص من بعيد وقال: “أنا بتوتر من المنظر ده.” المنظر ده؟ دي أمك. ساعتها أول مرة حاجة جوايا قالت لي إن الراجل ده ناقصه شيء كبير، شيء أكبر من الحنية وأكبر من الرجولة نفسها.
وبرغم ده كله، فضلت موجودة. لا لأن محمود يستاهل، ولا لأن الست عايدة كانت أم ملاك، لكن لأنني تعودت أكمّل. بعض الستات بيتربوا على إنهم يشوفوا الصبر فضيلة مطلقة، حتى لو بيتحول لحبل بيتلف حوالين رقبتهم. وأنا كنت واحدة من دول. كنت أقول لنفسي: يمكن بكرة يتغير، يمكن يفوق، يمكن يحس، يمكن يشيلني يوم ما أتعب. كنت أعلّق عمري كله على كلمة “يمكن”، لحد ما اكتشفت إن أكتر حاجة بتضيع الست مش القسوة الصريحة، لكن الأمل الغلط.
اليوم اللي انكسر فيه كل شيء ماكانش فيه مشهد درامي كبير ولا صوت صريخ. كان يوم عادي جدًا من برّه، وأنا بطبخ شوربة خفيفة للست عايدة لأن بطنها كانت تعبانة، ومحمود باعت لي رسالة قصيرة إنه “هيتأخر”. الرسالة نفسها كانت عادية، لكن اللي مش عادي إن مكالمته بعدها جات بالخطأ تقريبًا، أو يمكن ربنا أرادني أسمع. ما عرفش. كل اللي أعرفه إن السماعة فتحت وأنا سمعاه بيضحك، الضحكة اللي ما بقتش بتطلع معايا بقالها سنين، وبيقول بصوت مستريح أوي: “المكان هناك أروق بكتير من دوشة البيت.. أنا هبات مع مراتي التانية النهارده كمان.” في اللحظة دي الدنيا ما لفتش، وما حسيتش إني هقع، وما حصلش اللي الناس بتحكي عنه من رعشة ومشهد انهيار. بالعكس تمامًا. حسيت ببرود غريب بيمشي في عروقي، كأني فجأة خرجت من جسمي وبقيت بتفرج على حياتي من بعيد. مراتك التانية؟ هناك؟ أروق؟ يعني كل اللي أنا فيه ده كان مجرد ضوضاء في حياته؟ أنا وأمه وتعب بيته وسبع سنين من عمري بقينا “دوشة”؟
قفلت الخط من غير كلمة. ما كسرتش طبق، ما عيطتش، ما جريت عليه. دخلت أوضة الست عايدة لقيتها نايمة نص نومة، وشها تعبان لكن ملامحه هادية. وقفت أبصلها طويل. الست دي نفسها كانت سبب وجع كبير ليا، بس فجأة شفتها بعين تانية. شفتها مش حماتي اللي نقدتني وكسرت بخاطري كتير، لكن شفتها واحدة عجوز مريضة ابنها الحقيقي رماها من حياته عشان يبدأ حياة أهدى. ساعتها حسيت بحاجة أصعب من الخيانة: الاحتقار. احتقار راجل قدر يبدّل زوجته وأمه في قلبه وفي يومياته كأنهم أثاث قديم اتنقل للمخزن.
استنيته اليوم ده واليوم اللي بعده وما رجعش. كلمته، سألته بهدوء لم يخطر على بالي أنا نفسي: “وناوي تعمل إيه في أمك اللي أنت ناسيها دي؟” سكت. سكت السكوت اللي وراه ذنب وجبن وارتباك، وبعدها قفل. من يومها بطل يرد على تليفوناتي، وبطل يفتح رسايلي، وحتى المصاريف اللي كان بيسيبها بقت أقل وكأن البيت اللي فيه أمه المريضة بقى عبء زائد عن الحاجة. وأنا لأول مرة في حياتي ما أجريش وراه بالسؤال. ما ترجّيتش تفسير، ما طلبتش حق، ما قعدتش ألوم. بالعكس، بدأت أصحى كل يوم بهدوء غير طبيعي. هدوء الست اللي خلاص فهمت، ولما الست بتفهم بتبقى أخطر من ألف خناقة.
أسبوع كامل قضيته وأنا بجهز القرار جوايا من غير ما حد يحس. كنت بخدم الست عايدة كالمعتاد، لكن حاجة فيا كانت خلصت. وللمرة الأولى، كل مرة كانت تناديني فيها، ماكنتش بحس إني ملزومة. كنت بحس إني بعمل آخر ما عليّ، آخر فصل في كتاب أقفله بإيدي. هي كانت لسه مش فاهمة حاجة، تسألني عن محمود وتقول: “لسه مطحون في الشغل يا بنتي؟ ربنا يقويه.” وكانت تدعيله من قلبها، وأنا أسمع الدعوة وأحس بطعم مر في بقي. مرات كتير كنت أبقى عايزة أقول لها الحقيقة، أقول لها إن ابنك مش مطحون في الشغل، ابنك مطحون في أنانيته، لكن كنت أسكت. يمكن لأنني ماكنتش عايزة أوجعها وهي بالوضع ده، ويمكن لأنني كنت عايزة الحقيقة تواجهها في المكان الوحيد اللي يستحقها: قدامه هو.
في اليوم الثامن صحيت بدري جدًا. فتحت الشباك وسيبت شوية هوا يدخل، وبعدين دخلت للست عايدة بابتسامة هادية. غسلت لها وشها بمية دافية، وبدلت لها هدومها بأطقم نظيفة كنت محتفظة بيها للمناسبات، وسرّحت شعرها بعناية، ورشيت لها نقطة خفيفة من برفان كانت بتحبه. بصت لي باستغراب وقالت: “إيه يا بنتي؟ فين رايحين؟” فقلت لها وأنا بثبّت الطرحة على كتفها: “هنروح لمحمود نغير جو شوية، أكيد وحشته قوي.” والله العظيم عينيها لمعت في اللحظة دي زي عيون الأطفال لما يسمعوا وعد بالفسحة. ابتسمت من قلبها وقالت: “يا ريت.. نفسي أشوفه.” الجملة دي خبطتني من جوه، لكن ما رجعتش.
بدأت ألم كل حاجة تخصها بدقة غريبة. الأدوية في أكياس منفصلة حسب الميعاد، التقارير الطبية مرتبة من الأحدث للأقدم، الكريمات، الشاش، الملايات الزيادة، البامبرز، ملابس البيت، حتى المخدة الصغيرة اللي متعودة تسند عليها جنبها. وأنا بجهز الشنطة، كنت بحس إني مش بنقلها من شقة لشقة، لأ، كنت بنقل الحقيقة لمكانها الصحيح. بعدين طلبت عربية كبيرة شوية تساعدني في الكرسي، ولما جه السواق بص لي باستغراب وأنا بطلع الكرسي والشنط، سألني: “رايحين مستشفى يا مدام؟” قلت له: “لا.. رايحين لابنها.”
طول الطريق كانت الست عايدة مبسوطة، تسألني كل شوية: “هو محمود هناك؟ هو هيكون فاضي؟ هو مراتكوا اتصالحتم؟” السؤال الأخير تحديدًا كان يوجعني، لأنه طلع من واحدة كانت حاسة إن في شيء مش مضبوط لكنها ماكنتش قادرة تفهمه. قلت لها بهدوء: “كل حاجة هتبان يا ماما.” سكتت شوية، وبعدين بصت لي بتركيز وقالت: “إنتِ تعبانة يا بنتي.” اتفاجئت من الجملة، لأنها أول مرة من سنين أحس إنها شايفاني فعلًا. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: “الحمد لله.” لكن جوايا كان في وجع متراكم من سبع سنين، وجملة واحدة منها كأنها فتحت له باب.
وصلنا قدام العمارة اللي محمود مستأجر فيها شقته الجديدة. عمارة شيك، مدخلها نضيف، ريحته معطرات مش مطهرات، وزرع مزروع بعناية عند الباب، كأن المكان معمول للراحة فعلًا، الراحة اللي هو اختارها لنفسه بعيد عن أي شيء يذكّره بالواجب. دفعت الكرسي قدام الأسانسير، وطلعت وأنا حاسة بثبات غريب. لا عصبية، لا رجفة، لا رغبة في الانتقام بالشكل اللي الناس ممكن تتخيله. كنت فقط رايحة أرجّع كل واحد لمكانه الطبيعي. لما وصلت قدام الباب، خبطت الجرس مرة واحدة. ما طولتش. محمود هو اللي فتح. أول ما شافني، وشه اتمسح من لونه، ثم وقعت عينه على الكرسي، وعلى أمه، وعلى الشنطة الكبيرة اللي بإيدي. ورا ظهره ظهرت مراته الجديدة، عروسة لسه ريحتها جديدة وشكل الشقة من وراها جديد، والهدوء حوالينهم هدوء ناس عمرهم ما شافوا ليلة تغيير ملاية في الفجر ولا صوت جهاز قياس ضغط ولا ريحة دهان قرح فراش.
محدش نطق في أول ثواني. الست عايدة هي الوحيدة اللي اتكلمت بفرحة بريئة: “محمود!” ومدت إيدها السليمة ناحيته كأنها لسه فاكرة إنه ولدها الحنين اللي الدنيا غصبته. هو اتسمر مكانه. مراته الجديدة بصت لي وبصت لها وبصت له، وكانت عيونها بتسأل ألف سؤال في ثانية واحدة. أنا دخلت من غير استئذان، لا بوقاحة ولا بذل، لكن بثقة صاحبة حق رجعته. زقيت الكرسي بهدوء لحد الصالة، واخترت مكان قريب من الكنبة، ظبطت لها المخدة والغطا، وحطيت الشنطة على السفرة، وطلعت ملف التقارير فوقها عشان يكون في وشهم. البيت فعلًا كان جميل، ستاير جديدة، ركنة بلون فاتح، ترابيزة شيك، وصينية قهوة واضح إنها لسه مستخدمة. كل حاجة بتصرخ: بداية جديدة. وأنا كنت جاية أحط في قلب البداية دي الحقيقة القديمة اللي اتبنت على ظهر غيرهم.
أخيرًا محمود نطق، وصوته كان مخنوقًا بالغضب والفضيحة والخوف: “إنتِ بتعملي إيه؟” بصيت له بثبات عمري ما شفته في نفسي قبل كده، وقلت: “بعمل الصح اللي كان لازم تعمله من أسبوع.. ومن سبع سنين كمان. دي والدتك. وأنا كنت مجرد مراتك.” هو قرب خطوة وقال بصوت واطي متوتر: “إنتِ مجنونة؟ ينفع كده؟” قلت له: “المجنون مش اللي رجّع الأم لابنها. المجنون هو اللي افتكر إن أمه حمل يتساب على كتف ست باعها، وهو يروح يبتدي شهر عسل جديد.” مراته الجديدة ساعتها وشها اتبدل فعلًا، وبدأت تفهم إن الراجل اللي جنبها ما خبيش بس جوازه الأول أو تفاصيله، لا، ده خبا كمان أمًا مريضة محتاجة رعاية كاملة. ودي مش تفصيلة صغيرة، دي حياة كاملة مرمية خارج الصورة.
مديت إيدي للشنطة وفتحتها قدامهم. “هنا الدواء الصبح، وهنا دواء الضغط بالليل، وهنا المرهم، وهنا مواعيد التغيير، وهنا تقرير الدكتور اللي بيشرح لازم تتقلب كل كام ساعة عشان القرح ما تزيدش، وهنا نوع الأكل اللي بيناسبها، وهنا أرقام المستشفى والتحاليل، وهنا الملايات الإضافية.” وأنا بتكلم كنت شايفة الرعب الحقيقي بيبدأ يطلع على وشهم. رعب مش منّي، لكن من الحياة اللي كانوا فاكرين إنهم يقدروا يبعدوها بكبسة باب. محمود مد إيده يحاول يسكتني أو ياخد الملف، فبعدت عنه بمنتهى الهدوء وقلت: “لا، اسمع. دي أول مرة في عمرك تسمع وتتعلم. لأني طول السبع سنين اللي فاتوا كنت أنا اللي بعمل، وإنت كنت بتتهرب.” ساعتها الست عايدة بدأت تبص من وش لوش، والفرحة اللي في عيونها بدأت تضعف. قالت بصوت مرتبك: “يعني إيه؟ أنا هقعد هنا؟ وإنتِ رايحة فين يا بنتي؟”
لفّيت ناحيتها، وركعت قدام الكرسي بحيث أبقى في مستوى عينيها. لأول مرة كنت بكلمها من غير خوف ولا محاولة إرضاء. قلت لها بصوت هادي جدًا: “أنا رايحة أرجع لنفسي يا ماما. سبع سنين وأنا شايلة البيت وشايلاكي وشايلة تقصير ابنك، وقلت أحتسب. لكن ابنك اختار يسيب بيته ويتجوز عليّا وينتقل يعيش هنا، وسايبك عندي كأني أنا المسؤولة عن عمر كامل مش بتاعي. أنا ما بكرهكيش، ولو كنت بكرهك ما كنتش خدمتك يوم واحد بعد اللي شفته، لكن أنا خلاص مش هينفع أكون الست اللي بتدفع تمن أخطاء غيرها طول العمر.” عينيها اتوسعت، وبصت لمحمود بصدمة، وقالت له: “اتجوز؟ وساب البيت؟” هو ماعرفش يرد. وده كان أول عقاب حقيقي ليه: إنه يقف عريان قدام أمه من غير أي حجة.
مراته الجديدة اتكلمت وقتها للمرة الأولى، وكان صوتها فيه رجفة: “هو.. هو ما قالليش إن طنط حالتها كده، ولا إن حضرتكِ كنتِ عايشة بالشكل ده.” بصيت لها وقلت من غير شماتة: “أكيد ما قالكيش. لأن الراجل اللي يستخبى من أمه، هيستخبى من الحقيقة كلها. وأنا مش جاية أفضح حد، أنا جاية أسلّم الأمانة لصاحبها.” محمود بدأ يتعصب، وقال بنبرة حاول يخليها قوية: “إنتِ مش من حقك تعملي المشهد ده!” هنا أنا وقفت عدل، مسحت على هدومي بهدوء، وبصيت له النظرة اللي يمكن استناها مني طول عمره ومجتش إلا في اللحظة الأخيرة. وقلت الجملة اللي كنت شايلّاها في قلبي من ساعة ما سمعت ضحكته في التليفون: “من النهارده أمك في حضنك، واللي يسيب أمه عشان يدلع نفسه مع واحدة جديدة.. بكرة يسيبها هي كمان أول ما تمرض أو تتعب، وأنا جيت أنقذها من مصيرها معاك قبل ما أنقذ نفسي.”
الجملة وقعت على البيت كله كأنها باب حديد اتقفل. محمود اتجمد، مش لأنه ما توقعهاش بس، لكن لأنه عرف إنها حقيقة. ومراته الجديدة بصت له بصدمة أكبر، الصدمة اللي بتحصل لما الست تشوف بعينها شكل مستقبلها مع الراجل اللي قدامها. أما الست عايدة، ففضلت ساكتة ثواني طويلة، وبعدين حصل شيء ما كنتش أتخيله. بدأت دموعها تنزل بهدوء. مش صراخ، مش نحيب، لكن دموع عجوز اتكسرت مرة واحدة وهي شايفة ابنها بالحجم اللي حاولت طول عمرها ما تشوفوش بيه. قالت له بصوت متقطع: “صحيح يا محمود؟ سيبتني؟ وسيبت مراتك تشيلني لوحدها سبع سنين؟” ولمّا ما ردش، رفعت إيديها المرتعشة تضرب صدرها ضربة خفيفة وقالت: “أنا اللي ربيتك على الأنانية دي؟”
المشهد كله بقى أثقل من أي خناقة. أنا للحظة حسيت بغصة، لأني رغم كل شيء ماكنتش مستمتعة بانهيار ست كبيرة، لكن كان لازم الحقيقة تظهر. محمود قرب من أمه وقال: “يا أمي الموضوع مش كده…” فقاطعته لأول مرة هي، وهي اللي طول عمرها كانت بتدافع عنه حتى وهو غلطان: “اسكت. لأ. اسكت. البنت دي شالت اللي أنا نفسي ما كنتش هطلبه من حد. وأنا كنت فاكرة إنها واجبها. طلعت أنا كمان ظالماها.” وبعدين بصت لي نظرة مختلفة تمامًا عن أي نظرة بصتهالي قبل كده. نظرة فيها خجل واعتراف وتأخر. قالت: “سامحيني يا بنتي.” الكلمة دي لو كانت جات من سنة أو اتنين كان ممكن تبكيني بحرقة، لكن ساعتها أنا حسيتها كأنها خاتمة شيء طويل. لا شفت فيها نصر، ولا شفت فيها تعويض، لكن شفت فيها اعتراف أخير إن تعبي ماكانش وهم.
لم أرد أن أطيل الوقوف. أنا ما رحتش عشان أسمع اعتذارات متأخرة، ولا عشان أعمل بطلة في مشهد محاسبة. رحت فقط أوقف الظلم عند حدّه. رتبت آخر ورقة على الترابيزة، وعدّلت الغطا على رجل الست عايدة، وقلت لها بهدوء: “كل حاجة محتاجاها هنا يا ماما، ولو حصل أي طارئ المستشفى دي الأقرب.” محمود قال بسرعة: “استني.. إحنا لازم نتكلم.” ضحكت ضحكة صغيرة بلا فرح وقلت: “لا، إحنا كان لازم نتكلم من سنين. دلوقتي إنت لازم تتصرف. دي مرحلة الكلام فيها خلصت.” مراته الجديدة كانت واقفة ساكتة تمامًا، لكن نظراتها قالت كل شيء. كان واضح إنها بدأت تحاسب اختياراتها هي كمان، ويمكن لأول مرة تشوف الرجل اللي اتجوزته من غير الزينة اللي الناس بتحطها على البدايات.
وأنا ماشية ناحية الباب، نادتني الست عايدة بصوت ضعيف: “هترجعيلي؟” السؤال وقفني ثانية. لفّيت لها وقلت بصراحة نظيفة: “هطمن عليكي إنسانيًا، لكن مش هرجع لنفس المكان اللي اتكسرت فيه. أنا خدمت ضميري وربنا شاهد، لكن عمري ما هرجع أعيش حياة حد غيري.” هزت راسها ببطء، كأنها فهمت أخيرًا إن فيه أشياء لما تتكسر ما ينفعش تتلزق. خرجت من الشقة وقلبي تقيل وخفيف في نفس الوقت. تقيل من وجع السنين، وخفيف من حمل أخير اتحط على الأرض.
أول ما نزلت الشارع، أخدت نفس طويل جدًا كأني بجرّب لأول مرة هوا من غير رائحة تعب ولا خوف. ركبت العربية، والسواق سألني: “نرجع؟” قلت له: “لأ.. وديني أي مكان أشرب فيه قهوة.” يمكن الجملة تبان بسيطة، لكن بالنسبة لي كانت إعلان ميلاد. أنا بقالى سنين ماخرجتش لوحدي عشان نفسي، ماجلستش في مكان عشان أهدى، ما سبتش ودني تسمع غير النداء والشكوى والتنهدات. قعدت في كافيه صغير، طلبت قهوة سادة، وفضلت أبص في الشارع. ناس ماشية، عربيات بتعدي، حياة كاملة كانت ماشية وأنا واقفة مكاني. وقتها بس حسيت قد إيه كنت غرقانة لدرجة إني نسيت شكلي وأنا مرتاحة.
بعدها بأيام بدأت إجراءات انفصالي بهدوء. محمود حاول يتصل، يبعت ناس، يبرر، يقول إنه كان “مضغوط” وإنه “غلط”، لكن بعض الأخطاء ما ينفعش تتصلح باعتذار، لأنها مش زلة، دي كشف كامل للحقيقة. وأنا ماكنتش بكره محمود بقدر ما كنت شايفاه أخيرًا على حقيقته: راجل ضعيف، أناني، اتربى على إن الست تشيل، ولما لقى واحدة بتشيل بضمير، صدّق إن ده حقه الطبيعي. أما الست عايدة، فالمفاجأة إنها بعد ما فهمت كل شيء، وقفت في صفي لأول مرة. اتصلت بيا من تليفون جارتهم بعد فترة، وقالت لي بصوت مرهق: “أنا دعيت لك من قلبي. إنتِ مش قصرتي. أنا بس اتأخرت في الفهم.” أغلقت المكالمة يومها ودموعي نزلت، ليس حبًا في الماضي، بل حدادًا على سنوات كان يمكن تبقى أقل وجعًا لو الناس عرفت قيمة من يخدمها في وقته.
النهارده، لما أفتكر المشهد، ما بفتكرهوش كحكاية انتقام ولا لقطة بطولة. بفتكره لحظة عدل بسيطة اتأخرت سنين. أنا ما أخدتش أمًا مريضة ورميتها في الشارع، ولا انتقمت من ست كبيرة مالهاش ذنب كامل. أنا فقط رجّعت الابن لواجبه، ووقفت نفسي من إني أكون سُلَّم لحياة مريحة لناس اختاروا راحتهم على حسابي. فيه ناس كتير ممكن تشوف اللي عملته قسوة، لكن القسوة الحقيقية كانت في راجل قدر ينام مرتاح وهو عارف إن مراته الأولى بتسهر على أمه وحدها، بينما هو بيبني شهر عسل جديد على أرضية من الخيانة. والفرق كبير بين واحدة أغلقت باب الاستغلال، وواحد فتح باب الخذلان على وسعه.
تعلمت من الحكاية دي إن الصبر من غير حدود مش فضيلة، وإن خدمة الناس شرف طول ما هي باختيارك ومصحوبة بالتقدير، لكن لما تتحول لفرض وإهمال واستباحة، تبقى ظلم مقنّع باسم الطيبة. وتعلمت كمان إن الست اللي تسكت كتير ما تبقاش ضعيفة، بالعكس، ساعات بتكون ساكتة لأنها لسه بتحاول تنقذ ما يمكن إنقاذه. لكن لما تيجي اللحظة اللي تفهم فيها إن اللي قدامها لا يستحق هذا الإنقاذ، ساعتها قرارها بيبقى قاطع، هادي، ومرعب في هدوئه. وأنا يومها ما قلتش كتير، ما احتجتش خطبة طويلة ولا تهديد، لأن الحقيقة لما تتقال في وقتها، بتبقى أثقل من ألف صرخة. ويمكن عشان كده، لما سيبت الشقة ومشيت، كانوا كلهم واقفين زي الأصنام فعلًا. مش من صدمة وجودي، لكن من صدمة المراية اللي اتحطت قدامهم فجأة، وورّتهم وجوههم من غير رتوش.
ولو في حد هيسألني: هل ندمتِ؟ هقول لأ. أبدًا. لأن اللي عملته كان آخر شيء أنقذت به نفسي. وأي ست تقرأ حكايتي أحب أقول لها: الرحمة شيء عظيم، لكن لازم تبدأ بنفسك أيضًا. ومن حقك في أي يوم ترفعي الحمل اللي مش حملك، وترجعي كل واحد لمكانه الطبيعي، وتمشي من غير صريخ، من غير فضايح، ومن غير حتى ما تكسري حاجة… يكفي جدًا إنك ما تعوديش أنتِ الحاجة المكسورة الوحيدة في الحكاية.