لعنة قصر “العسّال”
الحكاية بدأت بشكل عادي جدًا، لدرجة إن مفيش حد فينا كان يتخيل إن النهاية هتبقى بالشكل ده. إحنا كنا خمسة صحاب، مش مجرد صحاب عاديين، لكن في بينا حاجة مشتركة غريبة… فضول مش طبيعي، نوع من السعي ورا المجهول، كأن كل واحد فينا عنده حتة ناقصة ومش عارف يملّاها غير وهو بيدوّر على حاجة مش مفهومة.
عملنا جروب على واتساب وسميناه “قلب ميت”، الاسم جه كنوع من الهزار في الأول، بس مع الوقت حسّينا إنه مناسب بشكل مريب. كنا بننزل نصور في أماكن مهجورة، مش عشان الفلوس أو الشهرة بس، لكن عشان الإحساس… إحساس إنك داخل مكان الزمن نسيه، وإنك بتكشف حاجة محدش شافها.
زين كان دايمًا هو اللي بيقودنا، مش بصوت عالي ولا أوامر مباشرة، لكن بطريقته الهادية اللي تخليك تثق فيه من غير ما تسأل. كان بيظهر في الوقت المناسب دايمًا، وكأنه عارف خطواتنا قبل ما ناخدها. معتز كان عكسه تمامًا، بيحب يفسّر كل حاجة بعقله، يحط لكل موقف سبب منطقي حتى لو الموضوع أكبر من كده. سارة كانت عايشة بالكاميرا، شايفة الدنيا كلها من خلال عدسة، وكأن الحقيقة بالنسبالها لازم تتسجل عشان تبقى موجودة. حازم كان بيحب يثبت نفسه، دايمًا عنده استعداد يدخل أي حاجة عشان يبان إنه مش بيخاف. وسلمى… كانت الوحيدة اللي بتحس قبل ما تفهم، قلبها كان بيستقبل الإحساس قبل عقلها.
في ليلة، من غير مقدمات، زين بعت رسالة على الجروب. سكرين شوت لرقم غريب باعتله كلام بسيط جدًا، لكنه تقيل:
“لو فاكرين نفسكم وحوش، روحوا قصر العسّال ليلة الجمعة… هناك الوجع الحقيقي.”
الرسالة كانت قصيرة، بس سابت أثر غريب فينا. حازم ضحك فورًا، وسارة بدأت تتخيل الفيديو اللي هيكسر الدنيا، ومعتز قال إن أكيد حد بيهزر. بس سلمى سكتت… وده كان غريب، لأنها عادة بتتكلم حتى لو خايفة.
قالت بهدوء إن الإحساس مش مريح. مش خوف عادي… لكن إحساس إن في حاجة مستنيانا.
ومع ذلك، رحنا.
القصر كان واقف لوحده، بعيد شوية عن الطريق، كأنه متعمد يبعد عن أي حياة. أول ما قربنا، حسّيت إن الصوت حوالينا بدأ يختفي… مفيش هوا تقريبًا، مفيش حشرات، حتى صوت خطواتنا كان مكتوم بشكل غريب.
أول خطوة جوا القصر كانت كفيلة تغير الإحساس كله. ريحة غريبة جدًا، مزيج بين حاجة حلوة زي الياسمين، وحاجة تقيلة مش مريحة… حاجة قديمة، زي ذكرى مش كويسة.
مفيش حد قال حاجة، لكن كلنا حسّينا بنفس الشعور.
وفجأة، الباب اتقفل وراينا.
الصوت كان صادم، مش عالي بس… كان فيه ثقل، كأن المكان نفسه بيعلن إننا خلاص بقينا جواه. معتز حاول يفتحه، بس مفيش أي استجابة. الباب كان كأنه اختفى من الأساس.
هنا بدأ القلق الحقيقي.
اتقسمنا بسرعة، مش عشان الشجاعة، لكن عشان نحاول نفهم المكان قبل ما الخوف يكبر. زين وحازم طلعوا فوق، معتز وسارة نزلوا تحت، وسلمى فضلت لوحدها في الصالة.
في البدروم، الإحساس كان أتقل. الضلمة مش مجرد غياب نور… كانت حضور حاجة تانية. لما معتز فتح كشاف الموبايل، النور كان ضعيف بشكل غريب، كأنه مش عايز يبان.
الأوضة الصغيرة اللي لقوها كانت هادية جدًا، زيادة عن الطبيعي. على الترابيزة، كانت العرايس. سبع عرايس قماش، ملامحها باهتة، وعيونها متشالة.
بس الصدمة مش كانت في شكلهم.
كانت في الأسماء المكتوبة تحتهم.
كل واحد فيهم لقى اسمه قدامه… وكأن حد سبقهم، وعارف إنهم جايين.
العروستين الأخيرتين كانوا مختلفين:
“الخاين”
“الضيف”
محدش لحق يفكر.
النور اختفى.
وصوت صرخة معتز ملأ المكان.
ولما النور رجع… هو مكانش موجود.
العروسة بتاعته بس… كانت معلقة.
في اللحظة دي، الخوف بقى حقيقي.
رجعوا بسرعة للصالة، وكل واحد فيهم شايل جواه إحساس تقيل. سلمى كانت واقفة قدام صورة، مش قادرة تبعد عينها عنها.
الصورة كانت لفرقة موسيقية، لكن ملامحهم كانت غريبة… كأنهم متصورين قبل ما يحصل لهم حاجة.
سلمى بدأت تحكي، صوتها كان بيترعش، مش بس خوف… لكن كأنها بتفتكر حاجة مش بتاعتها.
قالت إن القصر ده كان ملك راجل فقد عقله بسبب حب مرفوض، وإن النهاية كانت كارثة.
هنا، حازم اتكلم.
قال إن الاسم اللي اتقال… عاصم… هو جده.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.
وزين… كان بيبصله بطريقة مختلفة.
مش مستغرب.
كأنه كان مستني اللحظة دي.
والجو بدأ يتغير.
مش برد عادي… لكن إحساس إن المكان بيقرب منهم.
الأشباح ظهرت بشكل تدريجي، مش مرة واحدة. الأول إحساس، بعدين ظل، بعدين شكل واضح.
ووسطهم… ليلى.
كلامها كان هادي، لكن فيه وجع قديم جدًا.
لما بصت لحازم، مكنش فيه غضب بس… كان فيه حساب.
اللي حصل بعدها كان سريع… لكن الإحساس بيه كان بطيء جدًا.
كأن الزمن نفسه وقف وهو بيحصل.
ولما خلص… حازم كان ساكن.
باقي اللحظة كانت أسوأ.
لما الأشباح بصت للباقي.
وقالوا الجملة اللي فضلت ترن:
“اللي يشوفنا… يبقى مننا”
وفجأة، الباب اتفتح.
زين وسلمى جريوا، مش عشان الشجاعة… لكن عشان غريزة الهروب.
وصلوا للعربية، وسلمى كانت بتحاول تستوعب إنهم خرجوا.
لكن زين… كان هادي زيادة عن الطبيعي.
وبص في المراية.
وابتسم.
الابتسامة كانت غريبة… مش بتاعته.
وقال جملة واحدة غيرت كل حاجة:
“أنا مكنتش بهربك… أنا كنت بخرجك.”
سلمى مفهمتش في الأول.
لكن لما المكان بدأ يختفي… فهمت.
هي مخرجتش.
هي عمرها ما خرجت.
رجعت لنفس الصالة.
وشافت الحقيقة.
كلهم كانوا هناك.
ساكنين.
حتى هي.
بعد أيام، الفيديو اللي اتسجل كشف حاجة أغرب.
سلمى كانت لوحدها في الكادر.
بتتحرك… بتتكلم… وبتعمل حاجات هي نفسها مش فاكراها.
وفي الخلفية…
كان فيه ظل.
واقف.
وبيضحك.
زين.
اللي المفروض… مات من زمان.
وعلى الترابيزة…
عروسة جديدة ظهرت.
مش باسم حد منهم.
لكن بكلمة واحدة:
“الكاتب”
وكأن الحكاية لسه بتدور…
ومستنية اللي يكملها.
الموضوع مخلصش زي ما الناس فاكرة… بالعكس، كل حاجة بدأت بعد ما القصة اتنشرت.
أنا مكنتش ناوي أكتب، والله… بس في حاجة حصلت خلت السكوت مستحيل. الفيديو الأخير اللي اتسحب من موبايل سارة، اللي الشرطة احتفظت بيه، اتسرّب بطريقة غريبة. محدش عارف مين اللي نزّله، ومفيش أي منصة أعلنت عنه رسمي، لكنه ظهر… وكأنه اتزرع قصاد الناس.
أنا شوفته.
وشوفته أكتر من مرة… غصب عني.
الفيديو كان ثابت على المراية زي ما اتقال، بس في تفصيلة محدش ركّز فيها. في أول 6 ثواني، قبل ما سلمى تتحرك، كان في انعكاس خفيف جدًا… مش واضح… بس موجود.
شخص واقف وراها.
مش زين.
ولا أي حد من اللي ماتوا.
حد تاني خالص.
ومن اللحظة دي، كل حاجة بدأت تتغيّر.
بدأت توصلني رسايل… مش كتير، لكن كفاية تخلي النوم يختفي من حياتي. أرقام غريبة، نفس الأسلوب، نفس الجملة تقريبًا:
“انت شفت… يبقى دورك قرب”
في الأول قلت هزار تقيل، أو حد بيستغل القصة عشان يعمل تفاعل. بس المشكلة مش في الرسالة… المشكلة كانت في التوقيت.
كل رسالة كانت بتيجي في نفس اللحظة بالظبط…
الساعة 3:17 الفجر.
الموضوع بقى تقيل لما بدأت أحلم.
مش كوابيس عادية… لأ، دي كانت نفس القاعة. نفس الصالة. نفس المراية. وكل مرة، كنت واقف في نفس المكان اللي كانت فيه سلمى.
ببص لنفسي…
وبشوف حد تاني واقف ورايا.
بس كل مرة، ملامحه كانت أقرب.
وأوضح.
لحد الليلة اللي شفت فيها وشه.
والمشكلة… إني كنت عارفه.
مش عارف منين… بس عارفه.
صحيت مفزوع، والموبايل في إيدي منوّر.
رسالة جديدة.
“القصر مش مكان… القصر باب”
الجملة دي فضلت معلقة في دماغي بشكل غريب. وبدأت أربط بين كل اللي حصل… الفيديو، الرسائل، الحلم… وكأن في حاجة بتتكرر، بس مش بنفس الطريقة.
قررت أرجع للقناطر.
مش عشان الشجاعة… بالعكس، كنت مرعوب. لكن كان في إحساس إن لو ما رجعتش، الحاجة دي هتفضل معايا في كل مكان.
وصلت المكان مع أول ضوء للفجر.
المفاجأة؟
مفيش قصر.
المكان فاضي تمامًا.
أرض مهجورة، شجر ناشف، ولا أي أثر لمبنى ضخم زي اللي شوفناه في الفيديوهات.
وقفت فترة مش فاهم… لحد ما لمحت حاجة غريبة على الأرض.
حاجة صغيرة.
قربت…
كانت عروسة قماش.
مقطوعة العين.
وشها متبهدل.
ولما قلبتها…
لقيت مكتوب تحتها اسمي.
وقتها فهمت.
القصر مش بيتكرر…
القصر بيختار.
ومن ساعتها، وأنا بقيت شايف حاجات.
مش طول الوقت… لكن في لحظات معينة.
زي لما أبص في مراية.
أو في شاشة سودة.
أو حتى في إزاز العربية بالليل.
دايمًا في حد ورايا.
واقف.
ساكت.
مستني.
والأغرب… إنه مش بيقرب.
كأنه عارف إن اللحظة لسه مجتش.
أنا بقيت فاهم دلوقتي.
زين مكنش بيحركهم بس…
زين نفسه كان بيتحرّك.
ويمكن…
مش هو البداية.
يمكن هو مجرد حلقة.
زيي.
وزيك…
لو كملت قراية لحد هنا.
لأن الحقيقة البسيطة اللي محدش قالها:
اللي بيعرف القصة…
بيبقى جزء منها.
والعروسة اللي مكتوب عليها “الكاتب”…
مش الأخيرة.
دي بس البداية.