قال لي الباب يفوت جمل… فخرجت وتركت له كل شيء

قال لي الباب يفوت جمل… فخرجت وتركت له كل شيء


قال لي الباب يفوت جمل… فخرجت وتركت له كل شيء

الليلة دي محفورة جوايا بكل تفاصيلها، مش لأنها كانت أصعب ليلة عدت عليّ، لكن لأنها كانت أول مرة أشوف الحقيقة من غير تجميل، من غير أوهام، من غير ما أحاول أبرر أو أرقّع أو أقول “معلش بكرة أحسن”. كنت قاعدة على أرض المطبخ في شقتنا الصغيرة في سياتل، رجلي متنية تحتي، ضهري مسنود على دولاب قديم، وإيدي غرقانة في المية وأنا بحاول أصلح ماسورة مكسورة تحت الحوض، المية كانت بتنقط بنغمة ثابتة مزعجة، كأنها بتعد الوقت… أو يمكن بتفكرني إن فيه حاجة بتتسرب من حياتي ببطء وأنا ساكتة، شعري كان مربوط بسرعة ومن غير اهتمام، هدومي متبهدلة، إيدي فيها شحم وزيت، بس الغريب إني كنت حاسة براحة غريبة وأنا بحاول أصلح حاجة بإيدي، يمكن عشان ده كان الشيء الوحيد اللي لسه أقدر أتحكم فيه، أصلح ماسورة، أربط حاجة، أوقف تسريب… إنما حياتي؟ كانت بتغرق وأنا واقفة أتفرج.

وفجأة… صوت الباب اتفتح بعنف، مش فتح عادي، ده رزع يخض، يخلي القلب ينتفض، البراويز على الحيطة اهتزت، والهدوء اللي كنت فيه اتكسر مرة واحدة، رفعت راسي ببطء، ومسحت إيدي في هدومي وخرجت من المطبخ، لقيته واقف في نص الصالة، إيده مربوطة على صدره، واقف زي حد جاي يعلن حكم، مش يتكلم، عينه مش بتبصلي حتى، كأنه شايفني أقل من إنه يدي لنفسه مجهود يبص في وشي، قال لي بنبرة جامدة مفيهاش ذرة إحساس: “لازم نتكلم بخصوص يوم السبت”، الكلمة كانت تقيلة، فيها حاجة غلط، فيها تهديد مستخبي، وأنا واقفة قدامه حسيت إن قلبي بيشد، بس حاولت أتماسك وسألته بهدوء: “ماله يوم السبت؟”، وهو بدون أي تمهيد قال: “أنا عزمت حد… والحد ده مهم بالنسبة لي، وعايزك تتعاملي بعقل، لأن لو معرفتيش… هتبقى مشكلة”.

الطريقة اللي قال بيها الجملة دي كانت كفيلة تخليني أفهم إن ده مش نقاش، ده إعلان قرار، وأنا المفروض أنفذ، سألته وأنا ببصله بثبات: “مين؟”، وساعتها قالها بمنتهى البساطة اللي وجعتني أكتر من أي حاجة: “نيكول”، الكلمة وقعت في قلبي زي حجر تقيل، طليقته… الست اللي عمرها ما خرجت من حياته، اللي دايمًا موجودة بشكل أو بآخر، اللي بيلاقي لها مبرر في كل مرة، اللي بيشوف إن علاقتهم “طبيعية”، رغم إن الطبيعي بالنسبة لي كان دايمًا مختلف، ساعتها نزلت المفك من إيدي، لكنه وقع على الأرض بصوت عالي، صوت كان فيه كل اللي أنا مش قادرة أقوله، بصيت له وقلت: “أنت عزمت طليقتك في حفلة بيتنا؟”، رد بسرعة، بثقة مستفزة: “أيوه… إحنا أصحاب، ولو ده مضايقك يبقى المشكلة عندك، مش عندي”.

في اللحظة دي، أنا كنت قدامه… بس جوايا حاجة تانية خالص، حاجة بدأت تتكوّن، مش غضب، مش انهيار… حاجة أبرد، أهدى، أخطر، هو كان مستني رد فعل، دموع، صريخ، خناقة، وأنا؟ ابتسمت، ابتسامة هادية، غريبة عليه، وقلت له: “هكون عاقلة جدًا… أوعدك”، وشه اتغير، اتفاجئ، قرب خطوة وقال: “بس كده؟ موافقة؟”، رديت: “طبعًا… طالما هي مهمة عندك، يبقى أهلاً بيها”، في اللحظة دي شفته وهو بيرتاح، كأنه كسب، كأنه سيطر، كأنه خلص الموضوع، سابني ومشي، وبدأ يكتب في موبايله، غالبًا بيحكي لها أو لصحابه إنه عرف “يحطني في حجمي”، لكن الحقيقة؟ أنا في اللحظة دي كنت بدأت أخرج… مش من الشقة… من العلاقة كلها.

طلعت موبايلي وبعت رسالة قصيرة جدًا: “يا آفا، الأوضة لسه فاضية؟”، الرد جه بسرعة: “طبعًا… في إيه؟”، كتبت: “هحكي لك السبت… محتاجة مكان أقعد فيه”، ساعتها أنا كنت خلاص قررت، من غير ما أقول لنفسي بصوت عالي، من غير ما أعمل دراما، من غير حتى ما أعيط، القرار كان واضح زي الشمس: أنا همشي… بس مش بأي شكل، مش وأنا مكسورة، مش وأنا مهزومة… أنا همشي وأنا واقفة على رجلي، وهو مش فاهم إيه اللي حصل.

تاني يوم، هو كان في عالم تاني، بيتكلم بحماس، بيبعت رسايل عن الأكل والمزيكا والزينة، وأنا كنت بكتب قائمتي أنا، مش قائمة حفلة… قائمة خروج، كل حاجة تخصني، هدومي، فلوسي، أوراقي، اللابتوب، ساعة جدي اللي عمري ما كنت بسيبها، التفاصيل الصغيرة اللي بتمثلني، كل حاجة كانت بتدخل الشنطة بهدوء، من غير صوت، من غير ما حد يحس، حتى أنا كنت مستغربة هدوئي، كأنني شخص تاني… شخص خلاص قرر ومش راجع.

رجعت البيت لقيته متحول، زينة في كل حتة، ألوان، أنوار، صوت ضحك، قال لي: “ممكن تساعديني؟”، قلت له: “أكيد”، وبدأنا نعلق الزينة سوا، هو بيتكلم عن “مستقبلنا” وأنا بفكر في “نهايتي معاه”، سألني: “مش شايفة إن اليوم ده مميز؟”، بصيت له وقلت: “جداً… نقطة تحول”، وأنا كنت عارفة بالظبط أنا أقصد إيه… بس هو لأ.

يوم الحفلة، الساعة 4 العصر، الشقة زحمة، ناس بتضحك، صوت عالي، حركة في كل حتة، وأنا وسطهم هادية بشكل يخوف، الناس بتبص لي وتسأل: “بجد عادي إنها تيجي؟”، كنت برد بابتسامة: “أنا بحافظ على السلام”، لكن الحقيقة؟ أنا كنت بحافظ على نفسي.

الساعة قربت 5… وهو بدأ يتوتر، يبص في الموبايل، يعدل هدومه، مستني اللحظة، وفجأة الجرس رن، اتحرك ناحية الباب، لكن أنا سبقته، وقفت قدامه وقلت: “أنا اللي هفتح”، فتحته… وشوفتها، لبسها أنيق، واثقة، ماسكة هدية، وأنا… ابتسمت، وقلت بصوت عالي: “أهلاً يا نيكول… نورتي بيتك!”، الصمت نزل، العيون اتوسعت، وهو واقف ورايا مش فاهم، كملت بهدوء: “بما إنكم أصحاب قريبين… وأنا لازم أكون عاقلة… قررت أسيبلك المكان كله”.

مسكت شنطتي، وقلت: “كل حاجة هنا ليك… أنا دفعت نصي لحد آخر الشهر… وحاجتي كلها بره”، وبصيت له وقلت الجملة اللي خلصت كل حاجة: “طالما الباب يفوت جمل… أنا قررت أخرج منه”، ومشيت… من غير ما أبص ورايا، من غير ما أستنى رد، من غير ما أدي فرصة لأي حد يرجعني.

وأنا سايقة، حسيت لأول مرة إن الحمل اللي على صدري بيخف، إن الصوت اللي جوايا سكت، إن الماسورة اللي كنت بحاول أصلحها طول الوقت… كانت أنا، وأنا أخيرًا وقفت التسريب، وصلت عند آفا، حضنتني من غير كلام، دخلت، حطيت شنطتي، قعدت، وبصيت لنفسي… لأول مرة من شهور، حسيت إني رجعت.

لما بعت لي رسالة: “أنتي دمرتي أهم يوم في حياتي”، ابتسمت، ورديت بجملة واحدة: “أنا أنقذت حياتي أنا”، وعملت له بلوك… ومن ساعتها فهمت حاجة واحدة بس… الباب اللي يفوت جمل، ممكن كمان يخرج منه إنسان… قرر أخيرًا إنه يستحق حياة أفضل.

 

الفصل الجديد: ما بعد الباب

أول ليلة بعد ما خرجت من البيت، كنت متخيلة إني هنام وأرتاح فورًا، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، لأن الهدوء اللي كنت بدور عليه طول الوقت طلع صوته عالي جدًا… عالي لدرجة إني لأول مرة أسمع نفسي بوضوح، قعدت على طرف السرير في أوضة آفا، الإضاءة خافتة، المكان غريب، وكل حاجة حواليا مش بتاعتي، بس الغريب إني كنت حاسة بانتماء أكتر من أي وقت فات، يمكن لأن المرة دي أنا اللي اخترت أمشي، مش اتدفعت، أنا اللي فتحت الباب ومشيت برجلي، مش اتسحبت من كرامتي وأنا واقفة، مسكت ساعة جدي في إيدي، وفضلت أبص لها شوية، عقاربها بتتحرك بثبات، كأنها بتقول لي إن الوقت عمره ما بيقف على حد، وإن اللي بيمشي… لازم يكمل.

الموبايل كان مولع، رسايل ومكالمات من كل اتجاه، أرقام أعرفها وأرقام أول مرة أشوفها، صوت الإشعارات كان متواصل كأنه مطر بينزل على دماغي، لكن أنا قررت إني مش هرد، مش عشان ضعيفة أو خايفة، بالعكس، عشان المرة دي أنا اللي بحدد مين يدخل حياتي ومين يفضل بره، آفا قعدت جنبي وسابت لي مساحة، مش بتسأل كتير، مش بتضغط، بس وجودها لوحده كان كفاية، قالت لي بهدوء: “إنتي عملتي الصح”، وأنا لأول مرة ما احتجتش حد يقنعني بده… أنا كنت عارفة.

تاني يوم الصبح، صحيت بدري بشكل غريب، رغم إني منمتش كويس، لكن كان فيه نشاط جوايا مش فاهمة مصدره، كأن جسمي كله قرر يبدأ من أول وجديد، قومت، غسلت وشي، بصيت في المراية، وقفت شوية قدام نفسي، ملامحي كانت هادية، بس مختلفة، مفيش نفس التعب اللي كان في عيني قبل كده، مفيش نفس الانكسار، كان فيه حاجة جديدة… حاجة شبه القوة، أو يمكن راحة إنك أخيرًا بطلت تحاول تصلح حاجة مكسورة من الأساس.

قعدت على اللابتوب وبدأت أراجع شغلي، إيميلي، حساباتي، كل حاجة كنت مأجلاها بقالها شهور، كل مرة كنت بقول “مش وقته”، أو “لما الأمور تهدى”، لكن الحقيقة إن الأمور عمرها ما بتهدى لو إنت مستنيها، لازم إنت اللي تتحرك، إنت اللي تقرر، وبالفعل، بدأت أقدم على شغل جديد، أظبط ملفي، أرتب حياتي المهنية اللي كانت متوقفة بسبب علاقة كانت بتسحب مني كل طاقتي من غير ما تديني حاجة في المقابل.

في نفس الوقت، كنت عارفة إن المواجهة جاية، عاجلًا أو آجلًا، لأنه مش من النوع اللي بيسيب بسهولة، وفعلاً، بعد يومين، وصلني إيميل طويل جدًا منه، مش رسالة قصيرة ولا اعتذار بسيط، لا، كان مليان كلام، تبريرات، اتهامات مغلفة بكلمات هادية، بيقول إني “كبرت الموضوع”، وإني “فهمت غلط”، وإنه كان “بيختبر ثقتي”، ضحكت… بجد ضحكت، لأن لأول مرة أشوف الكلام ده من بره، من غير ما أكون جواه، من غير ما أصدق، من غير ما أبرر له.

قعدت شوية أفكر أرد ولا لأ، لكن الحقيقة إن الرد كان واضح… الصمت، مش لأن معنديش كلام، لكن لأن الكلام مع حد مش شايفك أصلًا ملوش معنى، مسحت الإيميل، وقمت عملت لنفسي قهوة، وقعدت جنب الشباك، الشمس داخلة بهدوء، الشارع تحت مليان حركة، والناس ماشية كل واحد في طريقه، وساعتها بس فهمت… الدنيا مش واقفة على حد، وأنا كمان مش لازم أوقفها على حد.

في الأيام اللي بعد كده، بدأت أرجع لنفسي واحدة واحدة، مش بشكل درامي ولا مفاجئ، لكن بهدوء، خطوات صغيرة، كل يوم حاجة بسيطة، نزهة لوحدي، مكالمة مع صديقة قديمة، ضحكة من غير سبب، حاجات كنت فاكرة إنها عادية، طلعت في الحقيقة رفاهية كنت محرومة منها، لأنك لما تعيش مع حد بيستهلكك، بتنسى يعني إيه تعيش لنفسك.

وفي يوم، وأنا قاعدة مع آفا، قالت لي جملة بسيطة، بس فضلت معايا: “إنتي مش بس خرجتي من بيت… إنتي خرجتي من نسخة قديمة من نفسك”، سكت شوية، واستوعبت، فعلاً… أنا مكنتش بس بغير مكان، أنا كنت بغير حياة، بغير طريقة تفكير، بغير حدود، بغير نظرتي لنفسي، والأهم… بغير اللي أسمح بيه واللي أرفضه.

بعد أسبوعين، وقفت قدام شقة جديدة، صغيرة، بسيطة، بس أول ما دخلتها حسيت بحاجة غريبة… إحساس إن المكان ده بتاعي، مش لأن شكله أحسن، لكن لأن أنا اللي اخترته، أنا اللي قررت أبدأ فيه من جديد، حطيت شنطتي، وقفت في نص الأوضة، ولفيت حوالين نفسي ببطء، وابتسمت… ابتسامة صادقة، خفيفة، من غير أي حمل.

وساعتها بس، افتكرت جملته… “الباب يفوت جمل”، وضحكت، لأن الحقيقة كانت أكبر من كده بكتير… الباب ده مش بس فات جمل، الباب ده خرج منه إنسانة… قررت أخيرًا إنها متستناش حد يديها قيمة، لأنها ببساطة… قيمتها كانت معاها طول الوقت.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان