في لحظة واحدة… بقيت أنا اللي لازم أحمي بنتي من أمي

في لحظة واحدة… بقيت أنا اللي لازم أحمي بنتي من أمي


في لحظة واحدة… بقيت أنا اللي لازم أحمي بنتي من أمي

عمري ما كنت متخيلة إن الإحساس اللي اسمه أمان ممكن يتحول في لحظة واحدة لتهديد، ولا إن الشخص اللي طول عمري كنت بستخبى فيه من الدنيا كلها ممكن يبقى هو نفسه السبب اللي يخليني أرتعش من جوايا، لأننا بنتربى دايمًا على فكرة بسيطة جدًا، إن الأم هي الملجأ، هي الحماية، هي الحضن اللي مفيهوش خوف، وإن مهما الدنيا قست علينا هنرجع لها نلاقي الأمان، لكن اللي حصل في الليلة دي كسر كل المفاهيم دي جوايا مرة واحدة، لأن الحقيقة كانت أقسى من أي حاجة كنت ممكن أتخيلها، الحقيقة إن الخطر ممكن يكون جاي من أقرب حد ليك، من نفس الشخص اللي كنت فاكره آخر حد ممكن يأذيك، وده بالظبط اللي حصل وأنا واقفة جنب حضّانة بنتي الصغيرة “ليلى”، اللي كانت بتحارب عشان تعيش، وأنا كنت بحارب عشان أتمسك بأي أمل، من غير ما أعرف إن المعركة الحقيقية لسه ما بدأتش.

اليوم ده كان طويل بشكل مرهق، كل دقيقة فيه كانت بتعدي ببطء قاتل، المستشفى كان فيها هدوء تقيل، مش هدوء مريح، لكن هدوء مليان توتر، كأن المكان كله مستني حاجة تحصل، صوت الأجهزة حواليا كان ثابت، متكرر، زي دقات قلب صناعي، كل جهاز ليه صوته، وكل صوت بقى بالنسبة لي قصة، بقيت أميز صوت التنفس الصناعي من صوت مراقبة القلب، بقيت أركز في كل تفصيلة، كأني لو فقدت التركيز لحظة واحدة، ممكن أفقد بنتي، ليلى كانت صغيرة جدًا، أصغر من إن حد يتخيل إنها ممكن تقاوم الحياة، بس كانت بتحاول، صدرها الصغير بيطلع وينزل بصعوبة، وكل نفس كانت بتاخده كنت بحسه معجزة، كنت بحسه انتصار صغير على حاجة أكبر منها بكتير، وكنت واقفة جنبها بإيدي على الزجاج، كأني بحاول أوصل لها، كأني بقول لها “أنا هنا… متسيبنيش”.

أمي كانت واقفة ورايا، وجودها كان المفروض يطمني، دي الست اللي ربتني، اللي كنت دايمًا بقول لنفسي إنها مهما حصل مش هتسيبني، لكن في اللحظة دي كان في حاجة غريبة في سكوتها، حاجة تقيلة، حاجة مش مفهومة، فضلت واقفة شوية من غير ما تتكلم، وأنا كنت مركزة في ليلى، لدرجة إني ماخدتش بالي من التوتر اللي بدأ يتسرب في الجو، لحد ما فجأة سمعت صوتها، صوت هادي جدًا، لكن بارد بشكل مخيف، قالت: “العيال الضعيفة دي ما ينفعش تعيش”، الجملة كانت بسيطة، لكنها كانت كفيلة تخليني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي، جسمي كله اتجمد، عقلي رفض يستوعب، حاولت أقنع نفسي إني سمعت غلط، إن أكيد في تفسير تاني، لكن لما بصيت لها، لقيت مفيش أي تردد في وشها، ولا أي إحساس إنها قالت حاجة غلط، كانت واقفة عادي جدًا، وكأنها بتتكلم عن حقيقة مسلّم بيها.

قبل ما أستوعب، وقبل ما أقدر أرد، حصلت اللحظة اللي غيرت كل حاجة في حياتي، إيديها اتحركت بسرعة مفاجئة، وشدت سلك جهاز الأكسجين من مكانه، كل ده حصل في ثانية واحدة، لكن بالنسبة لي كانت كأن الزمن وقف، صوت الجهاز اختفى، والسكوت اللي جه بعده كان مرعب بشكل مايتوصفش، حسيت قلبي وقف معاه، حسيت إن الدنيا كلها اتقفلت في وشي، جريت ناحية الحضّانة من غير تفكير، لكن قبل ما أوصل، إيد شدتني بقوة من دراعي، كانت أختي، مسكتني بإحكام غريب، لدرجة إني حسيت بأظافرها بتغرز في جلدي، همست في ودني بنبرة قاسية: “إوعي”، الكلمة كانت كأنها أمر، مش تحذير، بصيت لها وأنا مش مستوعبة، صرخت فيها: “إنتي مجنونة؟! دي بتموت!” لكنها ما سابتنيش، بالعكس، زودت قبضتها، وكأنها بتمنعني عن قصد، في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت… وفي نفس الوقت حاجة تانية اتولدت، فهمت فجأة إن اللي بيحصل مش لحظة تهور، مش غلطة، ده قرار.

صرخت بكل قوتي، الصوت خرج من جوايا كأنه آخر حاجة فيّ: “الحقوا بنتي!”، في لحظات قليلة الدنيا اتقلبت، الممرضة دخلت جري، بعدها دكاترة، أجهزة اشتغلت، أصوات عالية، وأنا واقفة مش قادرة أتحرك، رجلي مش شيلاني، قلبي بيدق بسرعة جنونية، أختي سابتني فجأة، ورجعت لورا وكأنها مالهاش دعوة، وقالت بسرعة: “هي متوترة بس”، بصتلها بصدمة، مش قادرة أصدق إنها بتكذب كده بسهولة، كأن اللي حصل من شوية ماكانش حقيقي، كأنها بتغطي على جريمة وأنا شايفاها بعيني.

وفي وسط الفوضى دي، شوفته واقف على الباب، ريان، نفسه عالي ووشه شاحب، واضح إنه جري من غير ما يفكر، عينه لفّت على المكان كله وبعدين ثبتت عليّ، قال بصوت مليان خوف: “إميلي… حصل إيه؟”، أمي حاولت تتكلم وقالت: “دي مشكلة عائلية”، لكن ريان قاطعها وقال بنبرة قوية عمره ما استخدمها قبل كده: “لا… دي بنتي”، الكلمة دي غيرت كل حاجة، حسيت بيها كأنها درع حواليا، كأنها أول مرة حد يقول بصراحة إن ليلى مش لوحدها، وإن اللي حصل مش هيعدي.

الدكتور قرب، ووشه كان جدي جدًا، قال: “إحنا محتاجين نعرف… ده كان حادث؟ ولا حد عمل كده؟”، السؤال وقع في المكان زي حكم نهائي، الكل سكت، أمي بصت بعيد، أختي حاولت تبعد نظرها، وأنا… كنت شايفة كل حاجة، الحقيقة كانت واضحة قدامي، ومفيش أي طريقة أهرب منها، قلبي كان بيدق بسرعة، بس لأول مرة، ما خفتش، بالعكس، حسيت بحاجة أقوى… حسيت إني لازم أتكلم، لازم أقول الحقيقة مهما كانت صعبة.

رفعت راسي وبصيت للدكتور، وبصوت مهزوز لكنه واضح قلت: “أنا شفت كل حاجة… ده ماكانش حادث”، الكلمة خرجت، ومعاها خرجت كل المشاعر اللي كنت حابساها، أمي بصت لي بصدمة، كأنها مش متوقعة إني أواجهها، أختي اتجمدت، وريان بص لي بنظرة دعم فهمت منها إنه معايا، وإن المرة دي أنا مش لوحدي، وإن الحقيقة مهما كانت مؤلمة… لازم تتقال.

الأيام اللي بعد كده كانت أصعب من أي حاجة عدت عليّ قبل كده، المستشفى بقت مكان مش بس للعلاج، لكن للمواجهة، للأسئلة، للتحقيق، وأنا كنت في النص، بين بنتي اللي بتحارب عشان تعيش، وبين ناس المفروض يكونوا سندي، لكن بقوا تهديد، كل يوم كنت أقعد جنب ليلى، أكلمها، أوعدها إني هفضل جنبها، إني مش هسيبها، إني هكون درعها مهما حصل، ومع كل نفس كانت بتاخده، كنت بحس إن القرار اللي خدته كان صح، حتى لو كان صعب.

وفي لحظة هدوء نادرة، وأنا واقفة قدام الزجاج، بصيت لانعكاسي، وشفت نفسي بشكل مختلف، مش البنت اللي كانت بتخاف تزعل أمها، ولا اللي كانت بتسكت عشان “العيلة”، شفت أم… أم مستعدة تعمل أي حاجة عشان تحمي بنتها، حتى لو ده معناه إنها تقف ضد أقرب الناس ليها، لأن الحقيقة اللي فهمتها متأخر شوية… إن الأمومة مش بس حب، الأمومة اختيار، واختيار صعب، لكنه واضح.

ساعتها بس أدركت إن حياتي اتغيرت للأبد، وإن المعركة اللي بدأت في اللحظة دي مش مجرد موقف وعدى، دي بداية طريق جديد، طريق فيه مواجهة، فيه قوة، فيه قرارات صعبة، لكن فيه حاجة واحدة أكيدة… إن بنتي مش هتبقى لوحدها، وإن أنا مش هسكت تاني، لأن اللي حصل علّمني درس واحد بس… إن الأم الحقيقية، مش اللي بتولد… الأم الحقيقية هي اللي بتحمي.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان