195 جنيه تمن الغدر.. وحلم طفل اتسرق على رصيف المترو

195 جنيه تمن الغدر.. وحلم طفل اتسرق على رصيف المترو


195 جنيه تمن الغدر.. وحلم طفل اتسرق على رصيف المترو

في زحمة الحياة اللي مبتقفش، وسط أصوات الناس اللي رايحة جاية، وهدير المترو اللي بيعدي كل دقايق، كان في مشهد بسيط جدًا… لكنه يحمل وجع أكبر من أي كلام. على رصيف محطة البحوث، واقف طفل صغير، عمره ما يزيدش عن 12 سنة، ماسك في إيده شوية علب مناديل، مش واقف يشحت، ولا بيطلب من حد حاجة، بالعكس… كان بيجري ورا رزقه، بيعرض بضاعته بصوت واطي وخجول، كأنه بيعتذر إنه بيحاول يعيش.

الولد اسمه “يوسف”، ويمكن محدش كان يعرف اسمه، ولا حكايته، ولا حتى سبب وجوده في المكان ده بدل ما يكون في مدرسته. بس اللي واضح لأي حد يبص له، إن عينيه فيها حاجة مختلفة… مفيهاش انكسار، فيها أمل. أمل صغير، بسيط، لكنه حقيقي. أمل إنه يبيع كام علبة مناديل، يرجع بيهم البيت، يساعد أمه، ويكمل حلمه اللي ماسك فيه بإيده… التعليم.

يوسف مكنش زي باقي الأطفال اللي بتلعب وتضحك من غير هم، هو كان شايل مسؤولية أكبر من سنه بكتير. من يوم ما والده تعب ومبقاش قادر يشتغل، بقى هو الراجل الصغير في البيت. بيصحى بدري، يروح المدرسة، وبعدها على طول ينزل المترو، يقف بالساعات، يستحمل نظرات الناس، ومرات تجاهلهم، ومرات رفضهم، بس عمره ما اشتكى.

في اليوم ده، كان الجو حر، والزحمة خانقة، والناس كلها مستعجلة، لكن يوسف كان واقف مكانه، بيحاول يبيع. كل ما حد يعدي، يقوله بصوت هادي: “مناديل يا فندم؟”. ساعات حد يشتري، وساعات كتير محدش بيرد. ومع ذلك، كان بيكمل… لأنه عارف إن مفيش خيار تاني.

عدت ساعات، والتعب بدأ يظهر عليه، بس فجأة… حصلت لحظة غيرت كل حاجة. واحد من الكبار، شكله محترم، هدومه نضيفة، صوته واثق، نادى على يوسف. الولد جري عليه بسرعة، ووشه منور بابتسامة، كأنه أخيرًا لقى فرصة حلوة. الراجل بص له وقال: “هاخد كل اللي معاك بـ200 جنيه”.

الكلمة دي كانت كفيلة تخلي قلب يوسف يدق بسرعة. 200 جنيه؟! ده رقم كبير بالنسبة له، ده ممكن يفرح أمه، ويخليه يحس إنه عمل حاجة كبيرة. بس الراجل كمل كلامه وقال: “بس روح هاتلي كيس بـ5 جنيه من هناك، وأنا مستنيك”.

يوسف مكنش عنده أي شك، ولا حتى لحظة تردد. جري بكل سرعته، قلبه مليان فرحة، وخياله سابقه، شايف نفسه راجع بالفلوس، شايف ابتسامة أمه، شايف نفسه أقرب لحلمه. كان بيجري وهو بيضحك، مش شايف غير الخير.

ثواني… مجرد ثواني.

رجع يوسف، وهو لسه بيجري، لكن لما وصل… وقف فجأة. المكان فاضي. الراجل مش موجود. بص حواليه، يمكن يكون اتحرك شوية، يمكن واقف بعيد، لكن لا… مفيش حد. العلب اللي كانت معاه… مش موجودة. الفلوس… مش موجودة. حتى الأمل اللي كان في عينيه… اختفى.

وقف مكانه، مش فاهم اللي حصل. حاول يستوعب، يمكن في سوء فهم، يمكن الراجل راح مكان تاني، لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تفسير… اتسرق. اتضحك عليه. اتحرم من تعب يوم كامل، ومن حلم كان شايفه قريب.

في اللحظة دي، يوسف مبكاش على طول. يمكن لأنه اتصدم، يمكن لأنه مش مستوعب. بس بعد شوية، عينيه دمعت، مش بس عشان الفلوس، لكن عشان الإحساس. إحساس الغدر. إحساس إن حد استغل براءته، وثقته، وقرر ياخد منه كل حاجة.

الناس اللي حواليه بدأت تلاحظ، حد سأله، حد حاول يفهم، بس يوسف مكنش قادر يتكلم. كل اللي كان جواه أكبر من إنه يتحكي. كان واقف، شايل وجع أكبر من سنه، وبيحاول يجمع نفسه.

في نفس الوقت، الراجل اللي عمل كده… كان ممكن يكون بطل في نظر يوسف. كان ممكن يغير يومه، يمكن حياته، بـ200 جنيه بس. كان ممكن يسيب أثر طيب، لكن اختار العكس. اختار يكون سبب في كسر قلب طفل.

القصة دي مش مجرد موقف عابر، دي صورة من واقع بيتكرر كل يوم. أطفال كتير زي يوسف، بيحاولوا يعيشوا بكرامة، يشتغلوا بدل ما يمدوا إيديهم، لكن للأسف، مش دايمًا بيلاقوا الرحمة اللي يستاهلوها.

يوسف بعد اللي حصل، قعد شوية، وبعدين مسح دموعه بإيده الصغيرة، وبص للأرض، كأنه بيدور على حاجة ضاعت منه. يمكن مش المناديل، ولا الفلوس… يمكن بيدور على إحساس الأمان اللي اتسرق.

لكن رغم كل ده… قام. أيوه، قام. لأن الحياة علمته إنه ميقفش. رجع وقف في نفس المكان، من غير بضاعة، من غير حاجة، لكن واقف. يمكن مستني فرصة جديدة، يمكن مستني حد يعوضه، أو يمكن بس مستني يثبت لنفسه إنه أقوى من اللي حصل.

القصة انتهت على الرصيف… لكن أثرها لسه موجود. لأن كل واحد فينا ممكن يكون مكان الراجل ده… أو مكان يوسف. ممكن نختار نساعد، أو نأذي. ممكن نكون سبب في فرحة، أو في وجع.

195 جنيه… رقم صغير بالنسبة لناس كتير، لكنه بالنسبة لطفل زي يوسف، كان حلم، كان أمل، كان يوم كامل من التعب. واللي اتسرق مش الفلوس بس… اللي اتسرق هو إحساس طفل إن الدنيا ممكن تكون أمان.

يمكن القصة دي تخلينا نفكر شوية… مش بس في يوسف، لكن في كل طفل بيكافح، بيحاول يعيش بشرف، وبيستنى مننا بس شوية إنسانية.

لأن في النهاية… الفرق بين إنك تكسر حد، أو ترفعه… ممكن يكون بسيط جدًا. بس تأثيره… عمره ما بيكون بسيط.

يوسف وهو واقف مكانه بعد اللي حصل، بدأ يسترجع كل لحظة في اليوم من أوله… من أول ما صحي بدري، حضر نفسه للمدرسة، لبس هدومه القديمة اللي بيحاول يخليها دايمًا نضيفة، خرج وهو شايل أمل إنه يبيع ويكسب، لحد اللحظة اللي اتسرق فيها كل حاجة. المشهد كله كان بيلف قدام عينيه كأنه فيلم، بس النهاية كانت مختلفة… نهاية موجعة، نهاية مفيهاش بطل، بس فيها طفل اتعلم درس أكبر من سنه.

الوجع الحقيقي مكنش في الفلوس، لأن الفلوس بتتعوض، لكن اللي مبيتعوضش هو الإحساس اللي اتكسر. يوسف لأول مرة حس إن مش كل الناس أمان، وإن الطيبة ممكن تتقابل بخداع، وإن اللي شكله محترم مش شرط يكون قلبه نظيف. الفكرة دي كانت تقيلة على طفل لسه بيكتشف الدنيا، طفل كان لسه شايف الحياة بسيطة وواضحة.

واحدة من السيدات اللي كانت واقفة على الرصيف، قربت منه بهدوء، وسألته حصل إيه. يوسف حاول يتكلم، لكن صوته خرج متقطع، وعينيه كانت بتتكلم قبله. الست فهمت، وفضلت واقفة جنبه شوية، يمكن مش عارفة تعوضه عن اللي حصل، لكنها حاولت ترجع له إحساس إن لسه في خير، لسه في ناس ممكن تقف جنبك من غير مصلحة.

وفي لحظة صغيرة جدًا، حصل تغيير بسيط… شاب كان واقف بعيد، كان شايف كل حاجة من الأول، قرب وطلع من جيبه مبلغ بسيط، وقال له: “دي مش صدقة… دي حقك”. الكلمة دي كان لها تأثير مختلف، لأنها رجعت ليوسف إحساس الكرامة اللي كان على وشك يضيع.

لكن رغم كل محاولات التعويض، فضل جوا يوسف أثر اللي حصل. لأنه مش سهل على طفل إنه يثق تاني بنفس السرعة. بقى يبص لأي حد بيناديه بنظرة فيها حذر، بقى يفكر مرتين قبل ما يجري، بقى قلبه أهدى… بس مش بنفس البراءة.

اللي حصل مع يوسف هو نموذج صغير لمشكلة أكبر بكتير… إن في أطفال كتير بيواجهوا مواقف قاسية بدري، قبل ما يكونوا مستعدين. بدل ما يتعلموا اللعب، بيتعلموا الحذر، بدل ما يفرحوا، بيتعلموا يتحملوا.

القصة دي بتفكرنا إن المسؤولية مش بس على الشخص اللي غلط، لكن كمان على المجتمع كله. لأن كل مرة بنشوف طفل زي يوسف ونتجاهله، أو نقول “مش شغلنا”، بنسيب مساحة للغلط إنه يكبر.

يوسف في نهاية اليوم، رجع البيت وهو ساكت، أمه سألته عن اليوم، فابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “كان يوم عادي”. الكلمة دي كانت أبسط من الحقيقة بكتير، لكنه قالها عشان ميقلقهاش… عشان يفضل هو سندها، حتى وهو مكسور.

وفي الليلة دي، قبل ما ينام، فضل باصص للسقف، بيفكر… مش في الفلوس اللي راحت، لكن في اللي حصل، في الدرس اللي اتعلمه، في الإحساس اللي جواه. يمكن في اللحظة دي، يوسف كبر سنة كاملة… مش في عمره، لكن في وعيه.

وبرغم كل اللي حصل، تاني يوم… نزل. أيوه، نزل تاني. وقف في نفس المكان تقريبًا، ومعاه علب مناديل جديدة. يمكن المرة دي كان أكثر حذر، لكن لسه عنده أمل. وده الفرق الحقيقي… إن رغم الوجع، لسه بيحاول.

وده اللي يخلينا نسأل نفسنا: إحنا هنكون إيه في حياة حد زي يوسف؟ شخص يعدي وخلاص؟ ولا شخص يسيب أثر كويس؟ لأن أحيانًا، موقف بسيط جدًا ممكن يغير يوم حد… أو حتى حياته كلها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان