الكابوس الأسبوعي.. التلاجة اللي بتتمسح!
عمري ما كنت أتخيل إن أكتر حاجة ممكن تخليني أخاف من يوم في الأسبوع، مش تكون مشكلة في الشغل، ولا أزمة فلوس، ولا حتى تعب أو مرض… لكن تكون زيارة عائلية المفروض إنها تبقى مليانة ود وحب. أول سنة جواز كنت فاكرة إن كل حاجة مع الوقت هتستقر، وإن أي خلاف بسيط طبيعي بين أي عيلتين هيعدي، لكن اللي حصل معايا كان مختلف تمامًا. كل أسبوع كنت بحس إني داخلة على امتحان نفسي، وكل مرة كنت أقول لنفسي: “يمكن المرة دي تعدي على خير.” لكن للأسف، الخير كان بقى ضيف نادر جدًا في بيتنا.
أنا وأحمد اتجوزنا بعد قصة ارتباط بسيطة، لا كانت فيها مبالغة ولا أحلام وردية زيادة عن اللزوم. كنا الاتنين موظفين، وكل واحد فينا بيشتغل من الصبح لحد آخر النهار، ورغم إن المرتب مكانش كبير، لكن كنا راضيين. اتفقنا من أول يوم إننا نبني حياتنا واحدة واحدة، ونعيش على قد إمكانياتنا، ونوفر أي جنيه زيادة عشان يبقى لينا سند لو الأيام ضاقت بينا. استأجرنا شقة صغيرة في القاهرة، مش فخمة ولا واسعة، لكنها كانت قريبة من شغلنا، وده وفر علينا ساعات طويلة من المواصلات كل يوم. بالنسبة لينا، الشقة دي كانت بداية حلم جميل، حتى لو كانت بسيطة.
كل شهر كنا بنقعد نحسب الميزانية بالقلم والورقة. الإيجار له حساب، وفواتير الكهربا والمياه والغاز ليها حساب، والمواصلات، والأكل، وكل حاجة كانت محسوبة بالقرش. عمرنا ما كنا بنصرف من غير حساب، لأننا كنا عارفين إن أي قرار غلط ممكن يخلينا نستلف آخر الشهر. يمكن ناس كتير تشوف الحياة دي مرهقة، لكنها كانت بالنسبة لينا طبيعية، لأننا كنا بنحاول نعيش بكرامة ومن غير ما نحتاج لحد.
أنا كنت بحب التنظيم جدًا، وخصوصًا في المطبخ. يمكن لأنه المكان الوحيد اللي كنت بحس فيه إني مسيطرة على كل حاجة. كل يوم سبت، بعد ما أخلص شغلي، أنزل السوق ومعايا قائمة طويلة مكتوبة بخط إيدي. ألف على كذا محل عشان أجيب أحسن سعر، وأرجع البيت وأنا شايلة أكياس كتير تكاد تقطع إيديا، لكن رغم التعب كنت ببقى مبسوطة، لأن إحساس إن البيت مليان خير كان بيريحني نفسيًا.
أول ما أوصل، أبدأ أغسل الخضار وأرتبه، وأقسم اللحمة والفراخ في أكياس صغيرة تكفي كل طبخة، وأكتب عليها التاريخ، وأرص كل حاجة في التلاجة والفريزر بمنتهى الدقة. حتى اللبن والزبادي والعصاير كنت بحطهم في أماكن ثابتة، بحيث أول ما أفتح التلاجة ألاقي كل حاجة قدامي بسهولة. كنت بحس إن الترتيب ده بيوفر وقت ومجهود، وكمان بيخليني أعرف إحنا صرفنا كام ولسه فاضل إيه للأسبوع.
وأثناء ما أنا برتب، كنت بقعد أخطط للأسبوع كله. يوم مكرونة بالبشاميل، يوم صينية فراخ، يوم سمك، ويوم محشي لو لقيت الخضار سعره مناسب. كنت بعمل كل ده وأنا فرحانة، لأن حتى وسط الظروف الصعبة، كنت بحاول أخلي بيتي دافي ومريح.
لكن فرحتي دي كانت بتعيش أقل من أربع وعشرين ساعة.
حماتي كانت عايشة في طنطا، ومن أول الجواز كانت بتيجي تزورنا كل أسبوع تقريبًا. في البداية كنت باعتبر ده شيء طبيعي، بالعكس، كنت بستقبلها بكل ترحاب، وأعملها أكل مخصوص، وأحاول أخليها تحس إنها في بيتها. كنت بقول لنفسي إنها أم جوزي، ولازم أكرمها وأعاملها بكل احترام.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة جدًا. أول ما تدخل الشقة، وقبل حتى ما تسألني عاملة إيه أو تشرب كوباية مية، كانت تمشي بخطوات سريعة ناحية المطبخ، وكأنها عارفة المكان أكتر مني. تفتح باب التلاجة وتقف قدامه دقيقة أو اتنين، تبص على كل حاجة، وبعدها تبتدي تطلع الأكياس والعلب واحدة واحدة.
في الأول افتكرت إنها مجرد بتبص، أو يمكن بتساعدني في ترتيب حاجة، لكن بعدها فوجئت إنها بتفتح شنطة كبيرة كانت جايباها معاها، وتبدأ تنقل الأكل من التلاجة للشنطة بمنتهى الهدوء، وكأن ده أمر طبيعي جدًا.
كنت واقفة أبصلها وأنا مش مستوعبة اللي بيحصل. خدت كيس اللحمة، وبعده الفراخ، وبعدهم اللبن، وبعدها الخضار والفاكهة، وكل شوية تقول وهي بتضحك:
“يا بنتي كله خير. عندكم كل حاجة موجودة هنا، وإحنا في البلد الحاجات دي غالية ومش متوفرة بسهولة. هآخد شوية معايا، وإنتوا ربنا موسعها عليكم.”
كنت بابتسم ابتسامة صغيرة، لكن جوايا كان في إحساس صعب جدًا. لأنها مكانتش بتاخد “شوية”. كانت تقريبًا بتاخد معظم اللي اشتريته، واللي كنت دافعة فيه جزء كبير من مرتبنا.
مرة بعد مرة، الموضوع بقى عادة. كل أسبوع نفس السيناريو بالحرف. أنا أنزل السوق، أتعب، أشتري، أرتب، وهي تيجي تاني يوم، وتخرج وهي شنطتها مليانة.
بعد ما كانت تمشي، كنت أفتح التلاجة ألاقي الرفوف فاضية بشكل يوجع القلب. الخضار اختفى، واللحمة اختفت، وحتى اللبن والجبنة ساعات كانوا بيروحوا. أفضل واقفة أبص للتلاجة الفاضية وأسأل نفسي: أنا تعبت لكل ده ليه؟
والأصعب من كده إن باقي الأسبوع كان بيتحول لمعاناة حقيقية. بدل ما أطبخ اللي كنت مخططاله، ألاقي نفسي مضطرة أغير كل حاجة. ساعات نعيش يومين أو تلاتة على مكرونة بس، أو إندومي، أو أي حاجة سريعة ورخيصة لحد آخر الأسبوع. وكل مرة أحمد يقولي: “معلش، الأسبوع الجاي خير.”
لكن الخير مكانش بيوصل أبدًا، لأن نفس اللي حصل الأسبوع اللي فات، كان بيتكرر الأسبوع اللي بعده.
كنت كل مرة أقول لنفسي: “يمكن هي مش واخدة بالها إنها بتاخد كتير.” وبعدها أقول: “يمكن أحمد لو عرف هيكلمها.” وبعدها أرجع أسكت، وأقول بلاش أعمل مشكلة بينه وبين أمه.
كنت بكتم جوايا كل الضيق، وأحاول أتعامل بهدوء، لأن آخر حاجة كنت أتمنى تحصل هي إن بيتنا يمتلئ بالمشاكل. كنت مؤمنة إن الاحترام والصبر ممكن يحلوا أي خلاف، لكن الصبر ساعات لما يطول، بيتحول لتعب حقيقي.
كل ليلة سبت كنت أرجع من السوق مرهقة، لكن النوم ماكانش بيزورني بسهولة. كنت أفضل أفكر في بكرة، وأتخيل المشهد قبل ما يحصل. باب الشقة هيخبط، حماتي هتدخل، وهتمشي على طول ناحية التلاجة، وبعد ساعة أو أقل هتكون الشنطة اتمليت، وأنا هقف أتفرج في صمت.
ومع تكرار نفس المشهد كل أسبوع، بقيت أحس إن يوم الأحد بقى كابوس ثابت في حياتي، كابوس عارفاه بالتفاصيل، ومش قادرة أهرب منه، ولا حتى ألاقي حد يحس بيا.
اللي أحمد وأمه ماكانوش يعرفوه وقتها، إن كل خطوة كنت بعملها كانت محسوبة من قبلها بوقت كبير. بعد شهور من السكوت ومحاولات الإصلاح اللي كانت بتنتهي كل مرة بنفس النتيجة، قررت إن المواجهة دي لازم تكون مختلفة. قعدت ليلة كاملة وأنا برتب كل حاجة بالورقة والقلم، ومفيش تفصيلة واحدة سبتها للصدفة. كنت عارفة إن حماتي أول ما تدخل المطبخ هتجري على التلاجة كعادتها، وهتفتكر إنها هتخرج منها أكياس الأكل اللي كانت متعودة تاخدها كل أسبوع، لكنها المرة دي كانت هتلاقي حاجة عمرها ما توقعتها.
رتبت العلب البلاستيك جوه التلاجة بمنتهى النظام، لدرجة إن أي حد يبصلها يفتكر إنها مليانة أكل جاهز ومخزون للأسبوع كله. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. كل العلب كانت فاضية، وماكانش فيها ولا لقمة واحدة. وفي قاع كل علبة حطيت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط واضح: “فاتورة الحساب”. كنت جمعت قبلها كل فواتير السوبر ماركت، وإيصالات الديون، ووصولات الأمانة، وكل ورقة كانت شاهدة على السنين اللي كنا بنصرف فيها فوق طاقتنا علشان البيت يمشي، بينما محدش كان حاسس بحجم الحمل اللي شايلينه.
وفوق الأوراق دي كلها، حطيت موبايلي القديم بعد ما شحنته وشغلته على تسجيل فيديو، ووجهته ناحية باب التلاجة بحيث أول ما يتفتح يبتدي يصور كل رد فعل هيحصل قدامه. أما في منتصف العلب، فحطيت ورقة كبيرة كانت أكتر حاجة لافتة للنظر، ومكتوب عليها رسالة واضحة وصريحة، بتقول إن الأكل اللي بيتاخد كل أسبوع تمنه تعبنا وشقانا، وإن الفيديو بيتسجل وهيتشاف من كل أفراد العيلة، علشان يعرفوا الحقيقة كاملة.
ما إن فتحت حماتي باب التلاجة وبدأت تقرأ المكتوب قدامها، لحد ما لون وشها اتغير فجأة. عينيها اتحركوا بين الأوراق والموبايل اللي شغال، وكأنها مش مستوعبة اللي بيحصل. كل ثانية كانت بتعدي كانت ملامحها بتتبدل أكتر، لحد ما بدأت إيديها ترتعش، ورجليها ما بقتش شايلة جسمها. الخوف من انكشاف كل اللي كانت بتعمله كان أكبر من قدرتها على التحمل، وفجأة فقدت توازنها ووقعت على الأرض وسط ذهول أحمد.
أحمد أول ما شاف أمه بالشكل ده، اتبدل حاله في لحظة. جري عليها وهو بيصرخ باسمها، وقعد يهز فيها ويحاول يفوقها، ورش على وشها مية وهو في حالة انهيار كاملة، وعمال يردد وسط دموعه إنه السبب وإنه قصر معاها، وكان فاكر إن الصدمة ممكن تكون أذتها بشكل كبير. المشهد كله كان مليان ارتباك وصوت وصراخ، لكن وسط كل الفوضى دي كنت أنا واقفة في مكاني، ساندة ضهري على الحيطة، وإيديا متشابكة قدامي، وبراقب اللي بيحصل بهدوء شديد. ماكانش جوايا رغبة في الشماتة، لكن كان عندي يقين إن لحظة المواجهة اللي استنيتها طويلًا أخيرًا وصلت.
بعد دقائق بدأت حماتي تستعيد وعيها بالتدريج، وكانت نظراتها كلها غضب وخوف في نفس الوقت. أما أحمد، فبعد ما اطمأن إنها بدأت تفوق، قام من جنبها واتجه ناحيتي وهو في قمة انفعاله. كانت ملامحه متغيرة وصوته عالي، ووقف قدامي وقال بكلمات حاسمة إنه مش قادر يكمل معايا، وإنه قرر يطلقني، واتهمني إني فضحت أهله بسبب الأكل، وطلب مني أجمع حاجتي وأسيب البيت فورًا.
الغريب إن كلامه ما هزنيش ولا لحظة. بالعكس، ابتسمت بهدوء وقلتله إن شنطي أصلًا كانت جاهزة من الليلة اللي قبلها، وإني كنت مستعدة أمشي في أي وقت، لكن الطلاق هيتم بالطريقة القانونية، وكل حقي هيوصلني كامل من غير نقص، وإن أي محاولة للتهرب من المسؤولية هتفتح ملفات الديون ووصولات الأمانة اللي كان بيمضي عليها، وساعتها الموضوع هيخرج من مجرد خلاف عائلي ويبقى قدام الجهات المختصة.
ساعتها ساد صمت غريب في المكان. أحمد وقف يبصلي وكأنه لأول مرة يشوفني بالشخصية دي، وحماتي كانت ساكتة تمامًا، مش قادرة تنطق بكلمة. حسيت إن كل واحد فيهم بدأ يستوعب إن الأيام اللي كنت فيها بسكت على كل حاجة انتهت، وإن القرار اللي أخدته كان نهائي.
من غير ما أقول كلمة زيادة، دخلت الأوضة، شلت شنطي اللي كانت جاهزة بالفعل، وخرجت من البيت بخطوات ثابتة. الطريق لبيت أهلي كان طويل، لكن لأول مرة من سنين حسيت إن الحمل اللي فوق كتافي بدأ يخف، رغم إن الوجع كان لسه موجود. كان إحساس غريب، خليط بين الانتصار والحزن، بين الراحة والخسارة، وكأن نهاية مرحلة كاملة من حياتي حصلت في يوم واحد.
عدى يوم، وبعده يوم تاني، وماكانش في أي تواصل. تليفون أحمد بقى مقفول، وحماتي رجعت بلدها، والكلام بين أفراد العيلة ما وقفش. كل واحد كان عنده رواية مختلفة، لكن أنا كنت قررت ما أدخلش في أي نقاش، وفضلت ساكتة.
وفي الليلة التالتة، بينما كنت قاعدة لوحدي، رن تليفوني برقم غريب. استغربت في البداية، لكن رديت. أول ما فتحت الخط، سمعت صوت ست باين عليه التوتر والبكاء. قدمت نفسها على إنها واحدة من الجيران، وقالت إنها مترددة جدًا تتكلم، لكنها حست إن من حقّي أعرف الحقيقة.
فضلت ساكتة وأنا بسمعها، لحد ما قالت جملة خلت قلبي يدق بعنف. قالتلي إنها آسفة على اللي هتقوله، وإن الحقيقة أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاه، وإن المشكلة ما كانتش في حماتي وحدها، لكن في حاجة تانية أنا ماكنتش أعرفها. وبعد لحظة صمت قصيرة، قالت إن الأكل اللي كان بيتاخد كل أسبوع ماكانش بيوصل أصلًا لطنطا، وإن أحمد كان بياخده منها بعد كده، وبيوديه لشخص تاني…
وساعتها انتهت المكالمة قبل ما تكمل باقي الجملة، وسابتني واقفة مكاني، وأسئلة كتير بتدور في دماغي، من غير أي إجابة.
لما قفلت الست المكالمة، فضلت ماسكة الموبايل بإيد بترتعش، وبصراحة في الأول كنت فاكرة إني خلاص سمعت آخر صدمة ممكن الإنسان يشوفها في حياته. كنت متخيلة إن أقصى حاجة ممكن توجعني هي إني أعرف إن حماتي كانت بتاخد الأكل اللي بجهزه بعرقي ومجهودي وتخبيه أو تديه لحد من قرايبها، لكن اللي سمعته منها في آخر دقيقة قلب كل حاجة كنت مؤمنة بيها رأسًا على عقب. قالتلي بصوت كله خوف وكأنها كانت شايلة السر ده سنين طويلة: “أحمد ماكنش بياخد الأكل عشان نفسه ولا عشان أمه… أحمد كان بياخده كل مرة ويديه لمراته التانية، اللي مأجرلها شقة في الشارع اللي وراكم، ومتجوزها من وراكي بقاله فترة.”الجملة فضلت ترن في ودني كأنها صدى مابيخلصش. حسيت إن الأرض بتسحب نفسها من تحت رجلي، وإن كل يوم تعبت فيه، وكل جنيه حسبته بالألف، وكل مرة استحملت فيها ضيق الحال عشان أساعد جوزي ونبني مستقبلنا، كان في الحقيقة بيتحول لحياة تانية، لبيت تاني، ولست تانية عايشة على حساب شقايا. في اللحظة دي افتكرت كل مرة حماتي كانت تدخل المطبخ من غير ما ألاحظ، وكل مرة كانت تبرر اختفاء الأكل، وكل مرة أحمد كان يدافع عنها ويخليني أحس إني أنا اللي شكاكة ومظلماها. فجأة كل المواقف القديمة ركبت جنب بعض، وبقت الصورة كاملة قدامي من غير أي نقص.
ماقدرتش أقعد دقيقة واحدة في بيت أهلي. خرجت بسرعة من غير ما أفكر، وأنا حاسة إن لازم أشوف الحقيقة بعيني مهما كانت مؤلمة. ما رحتش على بيت أحمد، ولا حتى فكرت أواجهه بالكلام، لأني كنت متأكدة إنه هيكدب زي كل مرة. أخدت العنوان اللي الست وصفتهولي، ومشيت ناحية الشارع اللي عمره ما لفت نظري قبل كده، مع إنه كان قريب جدًا من بيتي. كنت كل خطوة باخدها بحس إنها أتقل من اللي قبلها، وقلبي بيدق بطريقة عمري ما حسيتها، بين خوف من اللي هشوفه، ورغبة إني أكذب كل اللي اتقال.
وقفت قدام العمارة، وبصيت للبلكونات والشبابيك، وفضلت أسأل نفسي إذا كان معقول كل السنين دي وأنا عايشة على بعد كام متر بس من السر اللي دمر حياتي. طلعت السلم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، ولما وصلت قدام الشقة، فضلت واقفة ثواني طويلة، بحاول آخد نفسي قبل ما أخبط على الباب.
أول خبطة محدش رد عليها. خبطت مرة تانية، وبعد لحظات سمعت صوت خطوات جاية ناحية الباب. الباب اتفتح بهدوء، ولأول وهلة حسيت إن عيني مش مصدقة اللي شايفاه. اللي كانت واقفة قدامي ماكنتش واحدة غريبة، ولا حتى ست أول مرة أشوفها. كانت أقرب واحدة ليا في الدنيا… صاحبتي الأنتيم، اللي كانت بتدخل بيتي وتأكل معايا وتقعد تحكيلي عن همومها، واللي كنت بعتبرها أخت عمري. كانت واقفة قدامي لابسة هدوم أنا حافظاها كويس، لأنها أصلًا كانت من لبسي، والبيت اللي وراها متفرش بحاجات أنا تعبت عشان أجيبها.
قبل ما أنطق بحرف، ظهر أحمد من وراها. أول ما عينه جت في عيني، وشه فقد لونه، واتجمد مكانه. كان واضح إنه عمره ما تخيل إني أوصل للمكان ده. حاول يتكلم، لكن الكلمات كانت بتخرج متقطعة، وكأنه بيدور على أي كذبة جديدة ينقذ بيها نفسه. ومن جوه الشقة، لمحت حماتي قاعدة بكل هدوء، ولما شافتني قامت بسرعة، ولمت حاجتها، وجريت ناحية المطبخ كأنها بتحاول تستخبى من الحقيقة اللي بقت واقفة على الباب.
أحمد قرب مني وهو بيرفع إيده يحاول يمسك إيدي، لكني رجعتها قبل ما يلمسها. فضل يقول بصوت مرتبك: “اسمعيني… الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة… أقدر أشرحلك كل حاجة… أمي ملهاش ذنب.”
بصيت له من غير دموع، ومن غير صوت عالي، لأني اكتشفت إن الخيانة بتوصل الإنسان لمرحلة أبرد من الغضب. قلتله بهدوء: “مبقاش في حاجة محتاجة شرح. الحقيقة بنفسها واقفة قدامي.”
طلعت موبايلي، وريته الشاشة، وقلتله إن كل اللي بيحصل متوثق، وإن الأدلة اللي معايا كفاية تخليني آخد حقي بالقانون، وإن زمن السكوت انتهى. وقتها حماتي خرجت من المطبخ وهي بتبكي، وتقرب مني وتحاول تمسك إيدي، وتترجاني من غير ما تبص في عيني، وتقول إن الفضيحة هتضيع ابنها، وإن لازم أسامحه عشان العِشرة. لكني بهدوء زحت إيدها، وقلت لها إن العِشرة اللي بتتكلم عنها انتهت من أول يوم وافقت تخبي الحقيقة، وإن كل لقمة خرجت من بيتي عشان تروح لبيت تاني كانت مشاركة فيها بإرادتها.
بعد دقائق، سبت المكان وأنا حاسة إن الحمل اللي كان فوق قلبي ابتدى يخف، رغم إن الوجع لسه موجود. الإجراءات القانونية خدت مجراها، والطلاق تم بعد فترة قصيرة، وكل واحد اتحمل نتيجة اختياراته. أحمد خسر حاجات كتير ماكانش متخيل إنه ممكن يخسرها، والناس عرفت الحقيقة، والبيت اللي بناه على الكذب انهار بنفس السرعة اللي اتبنى بيها، أما الست اللي اختارها على حسابي، فما استحملتش الظروف الجديدة، وبعد ما اختفت المصلحة، اختفت هي كمان من حياته.
أما أنا، فبدأت صفحة جديدة. اشتغلت أكتر، وركزت في نفسي، وبنيت حياة مافيهاش خوف ولا شك ولا استغلال. بقيت كل مرة أبص لتلاجتي وهي مليانة من خير تعبي، أفتكر قد إيه الإنسان لازم يحافظ على حقه، ومايسمحش لحد ياخد مجهوده على إنه شيء عادي. واتعلمت إن الطيبة جميلة، لكن لازم يبقى ليها حدود، وإن اللي يمد إيده على تعبك مرة، لو سكتله، هيمدها ألف مرة. عشان كده قررت إن عمري ما هسكت على حقي تاني، وإن البداية الجديدة، مهما كانت صعبة، أهون بكتير من حياة مبنية على الكذب والخيانة.