الصوان كان لسه متشال من على الترابيزة، بس أثره لسه موجود… لمعة فضي خفيفة على الرخام، كأن العزا مخلصش فعلاً، وكأن البيت نفسه رافض يصدق إن المعلم صبري خلاص مشي. الهدوء اللي مالي المكان ماكانش راحة، كان تقيل… تقيل لدرجة إن صوت النفس بقى واضح، وأي حركة صغيرة كانت بتتسمع كأنها دوشة.
الصالون الكبير اللي كان دايمًا مليان ناس وضحك واتفاقات، بقى فجأة واسع زيادة عن اللزوم… فاضي رغم إن كلهم قاعدين فيه. كل واحد واخد ركن، بس محدش مرتاح. حتى الكنبة اللي عربي قاعد عليها، باين عليها إنها شايلة وزن أكبر من مجرد جسمه.
عربي كان ماسك السبحة في إيده، بس ماكانش بيذكر… كان بيلفها بعصبية، بسرعة، كأنه بيعد حاجة أو مستني إشارة. عينه ماكانتشي ثابتة على حد، لكنها برضه ماكانتشي تايهة… كانت بترجع كل شوية لنفس المكان… الخزنة اللي في ركن المكتب. نظرة فيها جوع، مش للفلوس بس… للسيطرة.
اتنحنح مرة، وبص ناحية المحامي حفني وقال بصوت فيه خشونة مقصودة: “بقولك إيه يا متر… إحنا مش قاعدين نعدي وقت. خلّصنا. قولنا المعلم ساب إيه، عشان كل واحد يبقى عارف هو واقف على أرض إيه.”
حسن، اللي كان قاعد بعيد شوية، متكتف، ظهره مستقيم، وعينيه هادية بشكل غريب، رد من غير ما يبص له: “إهدى يا عربي… لسه الوقت بدري على الكلام ده. في حاجات لازم تتاخد بالراحة.”
عربي لف له وشه ببطء، وضحك نص ضحكة كده مالهاش روح: “إنت لسه عايش في دور الابن المثالي؟ ولا فاكر نفسك وصي علينا؟”
قبل ما التوتر يعلى أكتر، چيهان دخلت بينهم، بصوت مكسور محسوب: “يا ولاد بالله عليكم… مش كده. ده أبوكم لسه متدفنش من شوية… حرام اللي بتعملوه ده.”
لكن كلامها ماكانش موجه لحد بعينه… كان محاولة تمسك العصاية من النص، زي عادتها دايمًا.
المحامي حفني كان ساكت طول الوقت، بيتفرج عليهم بنظرة فيها حسابات أكتر من المشاعر. فتح شنطته الجلد بهدوء، وطلع ورقة قديمة لونها مائل للصفار، كأنها مستنية اللحظة دي من سنين.
عدل نضارته، وبص لهم واحد واحد، وقال: “المعلم صبري ساب وصية… بس بصراحة، وصية مش سهلة على حد فيكم.”
الجو اتشد فجأة… حتى عربي سكت.
حفني كمل: “كل الأملاك… المصانع، المعارض، السيولة… كلها تتحول وقف للغلابة.”
الصمت نزل زي ضربة مفاجئة.
“إلا…”
الكلمة علّقتهم كلهم.
“إلا لو العقد الأخضر ظهر خلال 12 ساعة.”
عربي قام واقف مرة واحدة، الكرسي اتحرك وراه بصوت مزعج، وقال: “عقد إيه؟! هو إحنا في لعبة؟!”
حفني رد بهدوء بارد: “المعلم قال اللي يلاقي العقد… يبقى هو اللي كسب… وهو اللي يستلم كل حاجة.”
ومن هنا… كل حاجة اتغيرت.
البيت اللي كان ساكت، قلب فجأة. خطوات سريعة، أبواب بتتفتح وتتقفل، صوت خبط، ناس بتجري، وكل واحد بيدور بطريقته. عربي دخل المخازن وهو بيقلب كل حاجة بعصبية، كأنه مستعد يهد البيت كله عشان يلاقي الورقة.
چيهان دخلت أوضتها بسرعة، وقفلتها من جوه، وصوتها واطي في التليفون: “إلحقني يا جمال… الموضوع بايظ… العقد مش في الخزنة… إحنا اتضحك علينا.”
في وسط الفوضى دي كلها… كان فيه ركن هادي.
المطبخ.
حسن قاعد قدام كباية شاي، ماسكها بإيده، بيبص للبخار اللي طالع منها كأنه بيقرأ فيه حاجة. قدامه الست توحيدة… اللي عمرها ما كانت مجرد خدامة… كانت شاهد.
قالها بهدوء: “يا دادة… قوليلي الحقيقة. أبويا قالك إيه؟”
إيديها كانت بتترعش، مش خوف… حاجة أقدم من كده. وقالت: “قال… الأمانة في حضن اللي مبيخونش… وكان بيبص على صورتك… وبيعيط.”
حسن سكت… بس السكوت المرة دي كان فيه معنى.
الوقت عدى… والساعة عدت اتنين بعد نص الليل.
رجعوا كلهم المكتب… كل واحد وشه مختلف عن الأول. وفي اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف، وعربي دخل، وشه أحمر، عرقان، وفي إيده شنطة.
“لقيته!”
چيهان بصت له بصدمة: “إزاي؟!”
حفني أخد الورقة، بص فيها، وسكت… وبعدين ابتسم ابتسامة باردة: “مزور.”
الصمت رجع تاني.
وساعتها… حسن قام.
مش بسرعة… بهدوء.
راح عند برواز صورة قديمة، شاله، وطلع ورقة من وراه.
“ده العقد الحقيقي.”
كل العيون عليه.
“بس مش عقد عادي… ده عقد بيع وشرا… باسمي أنا… من عشر سنين.”
المكان كله سكت… كأن الصوت اتسحب منه.
عربي انفجر، وجرى عليه، لكن حسن زقه بعنف المرة دي، وقال: “أنا ما سرقتش… أنا كنت بحمي كل حاجة.”
حفني كان بيتفرج… وبعدين قال: “فيه حاجة لسه.”
طلع جهاز تسجيل… وشغّله.
وصوت المعلم صبري طلع… ضعيف… متقطع: “أنا… ما موتش طبيعي… أنا اتسممت…”
وفجأة…
الضلمة نزلت.
رصاصة.
صرخة مكتومة.
ثواني سودا…
وبعدين النور رجع.
حفني على الأرض… الدم حواليه.
والورقة… اختفت.
وعند الباب… الست توحيدة… شايلة صينية القهوة.
وقالت بهدوء يخوّف: “القهوة بردت… والسر اندفن… واللعبة لسه بتبتدي.”
وفي نفس اللحظة… صوت سرينة.
“يا حسن يا جارحي… سلّم نفسك… الفيلا محاصرة.”
الكل بص له.
وهو… ما اتحركش.
بس عينيه… كانت بتقول حاجة واحدة:
دي مش النهاية… دي البداية.
صوت السرينة كان بيقرب… مش بس صوت، ده إحساس إن الدنيا بتتقفل عليهم من كل ناحية. النور اللي رجع ماكانش كفاية يرجّع السيطرة، بالعكس… كل حاجة بقت أوضح زيادة عن اللزوم. الدم على الأرض، وش حفني الجامد بعد ما سكن، ونظرات متعلقة في الهوا مش عارفة تمسك في حقيقة واحدة.
حسن واقف مكانه، جسمه ثابت، لكن جواه كان فيه دوشة مش طبيعية. صوت الظابط من بره بيكرر اسمه، وكأن كل حاجة بتتزق ناحيته غصب عنه. بص حواليه ببطء… عربي، چيهان، توحيدة… كلهم بقوا مش بس ناس في نفس المكان، بقوا احتمالات.
عربي كان أول واحد اتحرك. قرب خطوة من حسن، صوته واطي بس مليان نار: “عملتها إزاي؟! قتلت الراجل وكنت مستني تمثل علينا؟”
حسن ما ردش فورًا. بص له بس… نظرة طويلة، كأنها بتوزن الكلام قبل ما يتقال. وبعدين قال بهدوء: “لو كنت أنا اللي قتلت… كنت سيبت نفسي واقف كده؟”
چيهان قطعت بينهم، صوتها عالي شوية: “خلاص بقى! البوليس برا… كلنا هنلبس لو فضلنا كده!”
لكن توحيدة… ما اتحركتش. كانت واقفة عند الباب، نفس الوضع، نفس الصينية في إيدها، كأن الزمن وقف عندها لوحدها.
حسن بص لها المرة دي، وقال بهدوء أهدى من الطبيعي: “إنتي كنتي فين لما النور قطع؟”
السؤال نزل تقيل. عربي لف بسرعة ناحيتها، وعيونه ضاقت.
توحيدة رفعت عينيها ببطء، وقالت: “في نفس المكان اللي واقفة فيه دلوقتي.”
“يبقى شفتي حاجة.”
سكتت لحظة… طويلة شوية.
“شفت… اللي كان لازم يتشاف.”
الإجابة ما ريّحتش حد.
خبط قوي على الباب قطع الكلام. صوت الظابط أقرب: “آخر تحذير! افتحوا الباب فورًا!”
عربي همس بسرعة: “إحنا لازم نتصرف دلوقتي.”
حسن ما بصش له. كان مركز في حاجة تانية… المكتب.
راح ناحية الدرج اللي كان فيه جهاز التسجيل، فتحه بسرعة… فاضي.
“الجهاز فين؟”
چيهان قالت بسرعة: “كان على الأرض!”
“والورقة؟”
مفيش رد.
في اللحظة دي… حسن فهم حاجة. مش كاملة، بس كفاية تخليه يتحرك.
بص لتوحيدة تاني: “القهوة دي… كانت لمين؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، غريبة: “لكل واحد فيكم نصيب.”
عربي شد نفس: “إنتي بتقولي إيه؟!”
لكن حسن قرب منها خطوة، وبص للصينية… أربع فناجين.
غمغم: “أربعة… رغم إننا كنا تلاتة بس مع حفني.”
چيهان سكتت فجأة.
والصمت المرة دي… كان بيكشف أكتر ما بيخبي.
وفجأة، حسن لف ناحية المكتب، شد الدرج التاني بقوة… وطلّع ورقة صغيرة مطبقة.
فتحها بسرعة… وعينيه وسعت.
“دي مش وصية… دي لعبة.”
عربي قرب: “إيه؟”
حسن رفع عينه وقال: “أبويا كان عارف إنه هيموت… وعارف إنه هيتقتل.”
چيهان همست: “إنت بتقول إيه؟”
“كان بيختبرنا… يشوف مين هيجري على الفلوس، ومين هيفهم.”
خبط الباب بقى أعنف.
“افتحوا الباب فورًا!”
توحيدة اتحركت أخيرًا… خطوة واحدة بس.
وقالت بهدوء: “اللي بره فاكرين إنهم جايين يقبضوا على قاتل… بس الحقيقة إنهم داخلين على دورهم في اللعبة.”
حسن بص لها، المرة دي بتركيز مختلف.
“إنتي عارفة أكتر.”
ابتسمت: “أنا… شايفة من بدري.”
ثانية سكتت فيها، وبعدين قالت:
“واللي قتل المعلم صبري… مش واحد بس.”
الكلمة وقعت… وكل واحد فيهم حس إنها جاية عليه.
وفي اللحظة دي… الباب اتكسر.
الظباط دخلوا بسرعة، أسلحة مرفوعة، صوت أوامر، حركة سريعة… لكن حسن ما قاومش.
رفع إيده بهدوء.
بس قبل ما يتحرك خطوة… بص لتوحيدة.
وقالت له بهمس خافت، محدش سمعه غيره:
“خلي بالك… العقد الحقيقي لسه ما ظهرش.”
وعينيها لمعت بنفس الهدوء المرعب.
كأنها مش شاهدة…
كأنها…
جزء من اللعبة.