فنجان القهوة الأخير.. عندما انقلب السم على صاحبه

فنجان القهوة الأخير.. عندما انقلب السم على صاحبه


فنجان القهوة الأخير.. عندما انقلب السم على صاحبه

في الصباحات الهادية، بيبان كل شيء طبيعي لدرجة تخدعك. شمس الزمالك وهي داخلة من شباك الصالون الكبير، بتلمع على الأرضية الباركيه وتلمس أطراف السجاد العتيق، وريحة القهوة والبخور مالية الجو، كأن البيت ده قطعة من الطمأنينة… بس الحقيقة إن بعض البيوت، مهما كانت شيك ومرتبة، بتخبي جواها حاجات أقذر من أي شارع مهجور. وأنا، للأسف، كنت عايشة جوه واحد من البيوت دي.

من أول يوم دخلت فيه البيت ده كعروسة، وأنا حاسة إن في حاجة غلط. مش حاجة واضحة… لا، حاجة خفية، إحساس تقيل بيقعد على صدرك ويخليك مش مرتاح حتى لو كل حاجة حواليك شكلها مثالي. حماتي، الحاجة ناهد، كانت ست الناس كلها بتحترمها. لبسها شيك، كلامها موزون، وابتسامتها دايمًا حاضرة، بس أنا كنت شايفة حاجة تانية… شايفة نظرات بتتبدل في ثانية، شايفة جمل متغلفة بحنية وهي في الحقيقة سكاكين بتتغرس في القلب من غير دم.

“يا بنتي، الست الشاطرة تصحى بدري وتلحق بيتها”، كانت بتقولها كل يوم بنفس النغمة الهادية، بس وراها معنى تاني: “إنتي مش قد المقام”. كنت بسكت، مش عشان ضعيفة، لكن عشان فاهمة إن الرد مع ناس زيها بيخليك تخسر حتى لو كنت صح. ومع الوقت، بقيت أتعلم إزاي أعيش وسط حرب صامتة، كل كلمة فيها محسوبة، وكل نظرة ليها معنى.

وجوزي، عمر… كان دايمًا لغز. في الأول، كان هو الأمان اللي دخلت بيه البيت ده، ابتسامته كانت كفاية تخليني أعدي عن أي حاجة. بس مع الأيام، الابتسامة دي بقت شبه قناع… حاجة بتحاول تغطي حاجة أعمق، حاجة أبرد، حاجة مش مفهومة. كنت بحس إنه شايف كل حاجة، فاهم كل حاجة، بس سايبها تحصل… وكأنه مستني لحظة معينة.

اليوم ده بدأ عادي جدًا. فطار هادي، صوت المعالق، وكلام حماتي اللي مش بيخلص. عمر دخل شايل صينية القهوة، وابتسم نفس الابتسامة اللي كنت زمان بصدقها. قرب مني، باس راسي، وقال: “دي ليكي مخصوص يا سارة، زيادة سكر عشان عيونك”. لحظة بسيطة، عادية، أي حد يشوفها يقول دي لحظة حب… بس أنا في اللحظة دي، حسيت إن قلبي وقع في رجلي.

ريحة القهوة كانت غريبة. مش أول مرة أشم قهوة، ولا أول مرة أشم حاجة محروقة، بس الريحة دي كانت مختلفة… حلوة، نفاذة، ومخيفة في نفس الوقت. ريحة لوز مر. فجأة، صوت أبويا رجع في ودني، كأنه واقف جنبي: “لو شميتي الريحة دي في يوم… اهربي. دي مش ريحة قهوة، دي ريحة موت”.

إيدي مسكت الفنجان، بس جسمي كله كان بيترعش من جوا. حاولت أقنع نفسي إني بتوهم، إن يمكن البن اتحرق، إن يمكن أنا تعبانة… بس لما رفعت عيني وبصيت لعمر، لقيته هادي جدًا… هدوء مش طبيعي. لا توتر، لا استعجال، لا أي حاجة. بس عينه كانت بتراقبني، حتى وهو بيبص في طبق الجبنة.

“اشربي القهوة قبل ما تبرد”، قالها بهدوء غريب. الكلمة دي بالذات، “قبل ما تبرد”، خلت الرعشة تمشي في ضهري كله. حسيت إنها مش نصيحة… حسيت إنها أمر.

وفي اللحظة دي، قررت. من غير ما أفكر كتير، من غير ما أدي نفسي فرصة أخاف، عملت الحركة اللي غيرت كل حاجة. لما حماتي قامت تجيب حاجة من المطبخ، وعمر لف وشه ثانية، بدلت الفناجين. حركة بسيطة جدًا، بس كانت أخطر حاجة عملتها في حياتي. الفنجان اللي كان قدامي، بقى قدامها… والعكس.

رجعت قعدت، وحاولت أمثل إني بشرب. رشفة ورا التانية، بس من الفنجان التاني. قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعاه في ودني. مستنية أي حاجة تحصل… مستنية عمر يلاحظ، مستنية حماتي توقف، مستنية الدنيا تنفجر.

بس ولا حاجة حصلت. كل شيء كمل طبيعي. الكلام، الأكل، الصوت العادي للحياة. لدرجة إني بدأت أكره نفسي… بدأت أقول إني ظلمتهم، إني وصلت لمرحلة من الشك خلتني أشوف الموت في فنجان قهوة.

عدت نص ساعة… ويمكن كانت أطول نص ساعة في حياتي. حماتي كانت واقفة جنب البلكونة، ماسكة السبحة، وبتتمتم بكلام مش سامعاه. وفجأة… الفنجان وقع من إيدها.

الصوت كان عالي، بس اللي حصل بعدها كان أعلى. وشها اتغير في لحظة، كأن الحياة انسحبت منه. حاولت تتكلم، بس صوتها اختفى. إيديها بدأت تتحرك بعشوائية، واحدة على رقبتها والتانية في الهوا، كأنها بتغرق. وبعدين… وقعت.

وقعة تقيلة… نهائية. السبحة اتفرطت على الأرض، وحباتها اتدحرجت في كل اتجاه، زي أسرار كانت مستخبية وقررت تظهر فجأة.

عمر جري عليها وهو بيصرخ، وأنا واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك. مش من الصدمة… من الفهم. في اللحظة دي، كل حاجة وضحت. كل النظرات، كل الجمل، كل الإحساس اللي كان جوايا… طلع حقيقي.

وهي بتموت، حماتي بصت لعمر نظرة غريبة. مش خوف… عتاب. وإيدها حاولت تشير عليا. بس عمر مسك إيدها… ضغط عليها… وساعتها شفت الحقيقة في عينه.

هو مكنش مصدوم.

هو كان مرعوب… لأن الخطة فشلت.

بصلي، وسأل بصوت واطي: “شربتي القهوة كلها؟” السؤال كان بسيط… بس معناه كان مرعب. رديت “أيوه”، وأنا بحاول أثبت صوتي.

وساعتها، القناع وقع. ملامحه اتغيرت، والهدوء اتحول لبرود مخيف. قال بكل بساطة: “هي اللي جابت السم… كانت عايزة تخلص منك. وأنا… كنت عايز أخلص منكم إنتوا الاتنين”.

الكلمات كانت بتقع تقيلة زي الرصاص. فهمت في ثانية إن حياتي كلها كانت مجرد جزء من خطة… خطة وسخة، متفصلة بدقة، وأنا كنت الهدف.

قرب مني وهو بيطلع سلاح صغير، وقال: “دلوقتي هنغير السيناريو شوية”. بس قبل ما يكمل… سمعنا خبط على الباب.

خبط مش عادي… خبط فيه قوة، فيه قرار. الباب اتفتح، ودخل خالي… لواء في المباحث، ومعاه رجالة.

بصلي وقال: “اتأخرنا عليكي؟”

ساعتها بس، جسمي كله ساب نفسه. لأني كنت مستعدة. من أول لحظة شميت فيها الريحة، عرفت إن في حاجة غلط… وبعت إشارة استغاثة. سجلت، بعتت لوكيشن، واستنيت.

وعمر… وقع. مش من السم… من الصدمة. لأنه أخيرًا فهم إن اللعبة اللي بدأها، انتهت… وإن الكاس اللي كان محضره لغيره، رجع له.

خرجت من البيت، والشمس كانت لسه بتنور. بس المرة دي، كانت منورة الحقيقة. فهمت إن الشر مش دايمًا شكله مخيف… ساعات بيكون لابس شيك، وبيقدم لك فنجان قهوة… بابتسامة.

ومن يومها، بقيت مؤمنة بحاجة واحدة: اللي يحاول يسقي غيره السم… لازم، في يوم، يدوقه بنفسه.

مفيش نهاية حقيقية لأي حكاية فيها موت… النهاية دايمًا بتبقى بداية لحكاية تانية، أعمق، وأقسى. وأنا، وأنا خارجة من بيت الزمالك لأول مرة من غير ما أبص ورايا، كنت حاسة إن اللي حصل مش نهاية… ده أول خيط في شبكة أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاه. الشمس كانت ساطعة، الناس في الشارع ماشية عادي، عربيات، ضحك، حياة… وكأن ولا حاجة حصلت. بس جوايا، كل حاجة كانت بتتغير.

قعدت في عربية خالي، وإيدي لسه بترتعش رغم إني حاولت أتماسك. صوت اللاسلكي كان شغال، وأوامر بتتقال بسرعة، وأسماء بتتردد، بس أنا كنت في عالم تاني. كنت براجع كل لحظة… كل كلمة قالتها ناهد، كل نظرة من عمر، كل تفصيلة عدت عليّ وعديتها على إنها “طبيعية”. الحقيقة كانت مرعبة… لأن كل حاجة كانت محسوبة.

“إنتي كويسة؟” سألني خالي وهو سايق، بصوته اللي فيه حزم، بس وراه قلق. هزيت راسي بالإيجاب، بس الحقيقة إني مكنتش كويسة… كنت ناجية. والفرق بين الاتنين كبير جدًا.

في القسم، الدنيا كانت ماشية بسرعة. أقوال، تقارير، تسجيلات، تحاليل. التسجيل اللي سجلته كان واضح… صوت عمر وهو بيعترف، من غير ضغط، من غير تهديد. برود مرعب، وكأنه بيتكلم عن صفقة، مش عن جريمة. الضابط اللي كان بيكتب المحضر وقف لحظة وبصلي وقال: “لو ماكنتيش عملتي اللي عملتيه… مكنش حد صدقك.”

الكلمة دي فضلت ترن في ودني. “محدش كان هيصدقك”. يمكن ده أكتر حاجة كانت بتوجع… إن الحقيقة، مهما كانت واضحة، ممكن تضيع لو ما كانش في دليل.

بس الصدمة الأكبر، ما كانتش في اعتراف عمر… كانت في اللي ظهر بعد كده.

نتيجة تقرير الطب الشرعي وصلت بسرعة غير متوقعة. السم… مش نوع واحد. كان خليط. نوع سريع المفعول، ونوع تاني بيشتغل ببطء. خليط مش عشوائي… خليط معمول بعناية. الضابط اللي كان ماسك القضية قال وهو بيقلب في الورق: “ده شغل حد فاهم… مش هاوي.”

وهنا… اسم ناهد رجع يظهر من تاني.

بدأوا يفتشوا أوضتها. في الدولاب، ورا علب البخور والمفارش، لقوا صندوق صغير. شكله عادي… بس اللي جواه كان كفيل يقلب القضية كلها. زجاجات صغيرة، مكتوب عليها أسماء مواد كيميائية، بعضها طبي، وبعضها… لا يتباع غير بتصريح. ومعاهم ورق… ملاحظات، تواريخ، كميات.

ناهد ماكنتش بس بتخطط… كانت بتجرب.

لما قالولي الكلام ده، حسيت بقشعريرة في جسمي كله. افتكرت مواقف قديمة… صداع مفاجئ، دوخة، تعب بيجي ويروح. حاجات كنت بقول عليها “إجهاد” أو “توتر”. بس دلوقتي… كل حاجة بقت لها معنى تاني.

“إنتي ممكن تكوني كنتي بتتسممي على مراحل”، قالها الطبيب بهدوء وهو بيبص في تحاليل دمي. الكلمة وقعت عليّ تقيلة… مش بس لأن حياتي كانت في خطر، لكن لأن ده معناه إن اللي حصل ماكنش وليد لحظة… ده كان مخطط طويل.

عمر، لما واجهوه بالأدلة الجديدة، حاول ينكر. حاول يقول إن أمه هي اللي كانت بتخطط لكل حاجة، وإنه مجرد “عرف”. بس التسجيل… وصماته… وتحاليل السم… كلهم كانوا ضده.

وفي أول جلسة تحقيق رسمية، حصلت حاجة ماكنتش متوقعة.

عمر طلب يشوفني.

في الأول رفضت. بس خالي قاللي: “أحيانًا، المواجهة بتقفل دوائر مفتوحة.” وافقت… مش عشان أسامح، ولا عشان أفهم… بس عشان أشوف النهاية بعيني.

دخلت غرفة التحقيق، وكان قاعد قدامي. نفس الشخص… بس مش نفس الإنسان. عينيه كانت مرهقة، وشه شاحب، بس الغريب إنه كان لسه محتفظ بجزء من بروده.

“كنتي أذكى مما توقعت”، قالها وهو بيبصلي. الجملة ماكنتش مدح… كانت اعتراف.

سألته بصوت هادي: “ليه؟”

سكت لحظة… وبعدين ابتسم ابتسامة باهتة وقال: “الفلوس… والراحة. أمي كانت عايزة تتحكم، وأنا كنت عايز أخلص من الكل… وأبدأ من جديد.”

الكلمات كانت بسيطة… بس بشاعتها كانت أكبر من أي صراخ. لأنه ما كانش شايف نفسه مجرم… كان شايف نفسه بيحل مشكلة.

وقفت، وأنا حاسة إن أي كلمة زيادة ملهاش معنى. قبل ما أخرج، قال جملة أخيرة: “لو ماكنتيش بدلتي الفنجان… كنتي دلوقتي في مكان تاني خالص.”

بصيتله، وقلت: “وأنت كمان.”

وخرجت.

الأيام اللي بعد كده كانت تقيلة… بس واضحة. القضية اتقفلت بأدلة قاطعة. الحكم كان حاسم. وكل حاجة انتهت رسميًا… بس جوايا، الحكاية كانت لسه بتترتب.

رجعت بيتي القديم، قعدت لوحدي لأول مرة من غير خوف. الهدوء كان غريب… بس مريح. فتحت الشباك، ودخلت الشمس… نفس الشمس، بس الإحساس مختلف.

وقفت عند المطبخ، بصيت على فنجان قهوة فاضي… وابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع… وفيها قوة.

لأني أخيرًا فهمت… إن أخطر حاجة مش السم اللي بيتحط في الفنجان… أخطر حاجة هي الناس اللي بتقدمهولك بابتسامة.

ومن يومها، بقيت لما أشم ريحة القهوة… ما بفكرش في طعمها… بفكر في الحقيقة اللي وراها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان