بروتوكول 7.. الليلة التي سقطت فيها الأقنعة

بروتوكول 7.. الليلة التي سقطت فيها الأقنعة


بروتوكول 7.. الليلة التي سقطت فيها الأقنعة

في اللحظة اللي الجردل اتقلب فوق راسي، حسّيت إن الزمن وقف… مش هزار، حرفيًا كل حاجة جمدت. المية كانت ساقعة بشكل مؤلم، مش مجرد تلج… دي كانت زي صدمة كهربا ماشية في عروقي. جسمي كله اتشنج، وإيدي راحت تلقائيًا على بطني، بحضن ابني اللي لسه مجاش الدنيا، كأني بحاول أقول له: “أنا هنا… متخافش.”

الضحك حواليّ كان أعلى من صوت أنفاسي. ضحك مش طبيعي… ضحك ناس شايفة إن اللي بيحصل قدامهم مش بني آدم بيتكسر، لا… شايفين عرض، مسرحية، أو لعبة مسلية في عزومة عشا. بصيت حواليا ببطء، كل وشوشهم كانت واضحة قدامي، كأني لأول مرة أشوفهم على حقيقتهم من غير أي قناع.

“أوبس!” قالتها ديانا، حماتي، ببرود يخوّف. لا اعتذار، لا حتى تمثيل ندم… مجرد كلمة فارغة، زي شخص كسر كوب مش بني آدم. وبعدها كملت كلامها وهي بتبتسم ابتسامة مريضة: “بصي للجانب الإيجابي… أخيرًا أخدتي دش!”

رامي… جوزي… ضحك. الضحكة دي كانت أقسى من المية نفسها. كانت كأن حد بيطعنني بسكينة ببطء. حتى ما حاولش يداريها. بالعكس، كان مستمتع. أما جيسيكا… وقفت ورا إيده وهي بتضحك، وكأنها شايفة مشهد كوميدي.

في اللحظة دي، كنت قدام اختيارين… يا إما أنهار، أعيط، أجري، وأديهم اللي هم مستنينه… أو أهدى. أهدى جدًا لدرجة تخوفهم. وأنا اخترت التاني.

الوجع اختفى فجأة. مش عارفة إزاي، بس كأنه اتسحب مني. مكانه جه هدوء تقيل… هدوء مش طبيعي. هدوء حد قرر خلاص… إن اللعبة انتهت.

طلعت موبايلي بهدوء، والمية لسه بتنزل من شعري على كتفي. نقطة… نقطة… كل نقطة كانت زي عدّاد بيقرب من لحظة النهاية. محدش فيهم خدني بجدية، بالعكس، كانوا فاكرين إني بهزر أو بهدد تهديد فاضي.

“بتكلمي مين؟” قالتها جيسيكا وهي بترفع حاجبها بسخرية. “مكتب الشؤون الاجتماعية؟ دول قافلين النهارده!”

ما رديتش. طلبت الرقم اللي حافظاه عن ظهر قلب. الرقم الوحيد اللي عمري ما استخدمته… الرقم اللي كنت دايمًا بقول لنفسي إني عمري ما هوصل لمرحلة أحتاجه.

رد عليا آرثر بسرعة، صوته كان قلق: “كاسيدي؟ إنتي كويسة؟”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت بهدوء غريب: “نفذ البروتوكول 7.”

الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل… حتى من خلال التليفون. هو فاهم… فاهم كويس أنا بقول إيه. الجملة دي مش مجرد كلمة… دي قرار بيهد كل حاجة.

سألني وهو مصدوم: “إنتي متأكدة؟”

بصيت لرامي… وشوفت الضحكة بدأت تختفي شوية بشوية، وقلت: “تنفيذ فوري.”

قفلت المكالمة، وحطيت الموبايل قدامي بهدوء، كأني خلصت حاجة بسيطة جدًا… بس الحقيقة إن اللي حصل كان بداية زلزال.

“بروتوكول إيه؟” رامي قالها وهو بيحاول يضحك، بس ضحكته كانت مهزوزة. “إيه ده؟ فيلم؟”

ما رديتش. مسكت فوطة من على السفرة، وبدأت أنشف وشي بهدوء. الحركة كانت بسيطة… بس الرسالة كانت واضحة: أنا مش ماشية. أنا لسه هنا… ولسه في حساب.

قلت بهدوء وأنا ببص لهم: “إحنا لسه مأكلناش الحلو.”

بعدها بدقايق… حصل أول صوت قطع الجو. موبايل رامي رن. كان والده. رد عليه وهو متضايق… لكن ملامحه اتغيرت في ثانية. وشه شحب، عينه وسعت، وإيده بدأت ترجف.

“يعني إيه الحسابات اتجمدت؟!” صوته كان عالي ومليان رعب حقيقي المرة دي. “إزاي؟!”

وقتها… الباب اتفتح.

دخل آرثر… ومعاه رجال قانون وحراسة. المشهد كان رسمي جدًا، تقيل… مش شبه أي حاجة حصلت في البيت ده قبل كده. حط ملفات على الترابيزة، وبص لهم بنظرة واحدة بس كانت كفاية تفهمهم إن كل حاجة انتهت.

بدأ يتكلم بهدوء: “بناءً على تفعيل البروتوكول 7… تم سحب جميع الاستثمارات… وتم تجميد الأصول…”

كل كلمة كانت بتقع عليهم زي حجر.

ديانا قامت من مكانها وهي بتصرخ: “إنت بتقول إيه؟!”

بصيت لها وقلت بهدوء: “الحقيقة اللي عمرك ما حبيتي تسمعيها… كل حاجة هنا… مش بتاعتكم.”

الصمت اللي حصل بعدها كان أقسى من أي صوت.

رامي حاول يقرب مني، صوته اتغير تمامًا: “كاسيدي… إحنا بينا طفل…”

بصيت له نظرة واحدة… نظرة كفاية تمسح أي وهم. “ابني هييجي الدنيا باسمي أنا… مش باسمك.”

الكلام ده كسره. فعلاً. لأول مرة أشوفه ضعيف بالشكل ده.

جيسيكا حاولت تمشي… لكن تم إيقافها. حتى هي… اللعبة انتهت بالنسبة لها.

وقفت من مكاني، هدومي لسه مبلولة… بس عمري ما حسيت بالقوة دي قبل كده. كأن كل نقطة مية كانت بتغسل خوفي القديم.

قلت للحرس بهدوء: “خرّجوهم.”

الصريخ بدأ… بس أنا ما التفتش. ولا حتى مرة.

طلعت السلم خطوة خطوة، وأنا سامعة صوت الانهيار بيحصل ورايا. كل حاجة كانوا فاكرينها ثابتة… كانت بتقع.

وقفت لحظة قبل ما أدخل أوضتي، حطيت إيدي على بطني، وابتسمت لأول مرة بصدق.

همست: “دي البداية بس…”

لأن الحقيقة… إن أقسى لحظة في حياتي… كانت هي اللحظة اللي رجعتلي نفسي.

 

الفصل الثاني: ما بعد السقوط

البيت كان هادي بشكل غريب… هدوء مش مريح، هدوء بعد عاصفة. كأن الجدران نفسها لسه مش مصدقة اللي حصل من ساعات قليلة. نفس المكان اللي كان مليان ضحك وسخرية وإهانة… بقى فاضي، ساكت، كأنه فقد روحه فجأة.

وقفت قدام المراية، شعري لسه مبلول، وآثار المية على هدومي، بس المرة دي ما كانش فيها ذرة ضعف. بالعكس… كل حاجة في شكلي كانت بتقول إني خرجت من حرب… وكسبت.

حطيت إيدي على بطني، حسّيت بحركة خفيفة من ابني… حركة هادية، كأنه بيطمني. ابتسمت رغم كل اللي حصل، وقلت لنفسي بصوت واطي: “إحنا بخير… خلاص.”

لكن الحقيقة… إن اللي حصل كان مجرد بداية. وأنا عارفة ده كويس.

خبط خفيف على الباب قطع أفكاري. “آرثر” دخل بهدوء، ماسك ملف تاني غير اللي كان معاه تحت. شكله كان مختلف… أقل حدة، لكن فيه تركيز واضح.

قال وهو بيبص لي: “تم تنفيذ المرحلة الأولى بالكامل… بس لسه في خطوات تانية لازم تاخدي قرار فيها.”

قعدت على الكرسي قدامه، وقلت بهدوء: “كمل.”

فتح الملف، وبدأ يتكلم: “فيه تحقيقات مالية هتبدأ رسمي خلال 48 ساعة… ولو كملنا، رامي ووالده ممكن يواجهوا مشاكل قانونية كبيرة… مش مجرد خسارة فلوس.”

سكت لحظة، وكأنه مستني رد فعل مني… أو يمكن بيختبرني.

بصيت له من غير تردد وقلت: “كمل الإجراءات.”

رفع حاجبه بدهشة خفيفة: “إنتي متأكدة؟ ده ممكن ينهيهم تمامًا.”

ضحكت ضحكة خفيفة، مش سخرية… ولا شماتة… كانت أقرب لراحة طويلة أخيرًا طلعت. “هما اللي بدأوا… وأنا بس خلّصت.”

في نفس اللحظة، موبايل آرثر رن. رد بسرعة، وملامحه اتشدت. “أيوة… تمام… خليه يدخل.”

بص لي وقال: “في حد برة… بيقول إنه لازم يشوفك حالًا.”

قلبي دق مرة واحدة بس أقوى من الطبيعي. كان عندي إحساس… إحساس مش مريح. قلت بهدوء: “خليه يدخل.”

الباب اتفتح ببطء… ودخل رامي.

بس مش رامي اللي كنت أعرفه. لا البدلة الأنيقة، ولا النظرة الواثقة، ولا الصوت العالي. كان باين عليه التعب… عينيه حمرا، وشه شاحب، وكأنه كبر سنين في ساعات.

وقف قدامي، ساكت شوية، كأنه مش عارف يبدأ منين. وأنا… ما اتحركتش. حتى ما وقفتش.

قال بصوت مكسور: “كاسيدي… أنا غلطت.”

الكلمة كانت بسيطة… بس جت متأخرة أوي.

فضل واقف مستني رد… وأنا سيبته. سيبته يعيش اللحظة، يحس بالفراغ اللي سابه بنفسه.

قرب خطوة، وقال بسرعة كأنه خايف أقطعه: “أنا كنت تحت ضغط… أمي… الشركة… كل حاجة كانت ملخبطة…”

رفعت إيدي بهدوء… ووقف.

قلت له بصوت ثابت: “متكملش.”

بص لي، مستغرب… يمكن أول مرة حد يسكته بالطريقة دي.

كملت وأنا ببص في عينه مباشرة: “الضغط مش بيخلي حد يهين مراته قدام الناس… ولا يضحك.”

سكت… ومقدرش يرد.

كملت بهدوء أقسى من أي صريخ: “إنت اخترت… وأنا كمان اخترت.”

قرب أكتر، صوته بدأ يرجع لهفة: “طيب اديني فرصة… عشان خاطر الطفل…”

ضحكت بس المرة دي بمرارة واضحة: “الطفل ده… هييجي على دنيا نظيفة… مش مليانة ناس بتكسر اللي حواليها.”

الصمت بينا كان تقيل جدًا… تقيل لدرجة إن أي كلمة بعده كانت هتبقى زيادة.

آرثر اتحرك خطوة للأمام، وقال بهدوء رسمي: “من الأفضل إنك تمشي دلوقتي.”

رامي بص لي آخر نظرة… نظرة فيها ندم، خوف، وشيء تاني… يمكن إدراك متأخر إنه خسر كل حاجة.

وبعدين… مشي.

الباب اتقفل وراه… والصوت كان كأنه ختم نهاية فصل كامل من حياتي.

خدت نفس عميق… أول نفس حقيقي من سنين.

قمت وقفت، مشيت ناحية الشباك، وبصيت على المدينة تحت. الدنيا كانت شغالة عادي… عربيات، ناس، حياة… ولا كأن حاجة حصلت.

لكن بالنسبة لي… كل حاجة اتغيرت.

قلت بهدوء: “آرثر…”

رد فورًا: “أوامرك.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس واثقة: “ابدأ إعادة الهيكلة… كل حاجة.”

هز راسه: “تمام.”

رجعت بصيت للشارع، وإيدي على بطني، وقلبي هادي لأول مرة.

لأن الحقيقة… إن النهاية اللي هم شافوها…

كانت بالنسبة لي… مجرد بداية.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان