سر الشعر الأحمر.. حين يعود الماضي ليطالب بحقه

سر الشعر الأحمر.. حين يعود الماضي ليطالب بحقه


سر الشعر الأحمر.. حين يعود الماضي ليطالب بحقه

كنتُ دائماً متأكداً أن عائلة زوجتي لم يُولد فيها أطفال بشعرٍ أحمر قط، كانت هذه الفكرة راسخة في ذهني لدرجة أنها لم تكن مجرد معلومة بل يقين مطلق، شيء يشبه القوانين التي لا تتغير، لذلك حين رأيت ابني حديث الولادة لأول مرة، شعرت وكأن الأرض انزلقت من تحت قدمي دون سابق إنذار، كان الطفل بين يدي الممرضة، صغيراً، هادئاً، لكنه يحمل شيئاً لم أستطع تجاهله مهما حاولت، كان شعره أحمر، ليس أشقراً مائلاً للاحمرار، ولا نحاسياً خفيفاً كما يحدث أحياناً عند الأطفال، بل أحمر فاقع، لون صادم، لون لا يمكن أن تخطئه العين، لون يشبه اللهب، وكأن أحدهم صبغه عمداً ليترك رسالة لا يمكن تجاهلها، وقفت أنظر إليه طويلاً، أطول مما ينبغي لأب يرى ابنه لأول مرة، كنت أبحث عن شيء، عن ملامح مألوفة، عن شبه، عن أي دليل يربطني به، لكن كل ما وجدته كان ذلك اللون الذي يصرخ في وجهي بأن هناك خطأ ما.

كانت زوجتي، إيلينا، مستلقية على السرير، وجهها نحو الحائط، بدت متعبة جداً كما قالت، وصوتها كان ضعيفاً لكنه خالٍ من أي ارتباك، أومأت لها بتفهم، فمن الطبيعي أن تكون مرهقة بعد الولادة، لكن في داخلي كان هناك شيء آخر، شيء ينمو بصمت، شك ثقيل يتسلل إلى صدري دون أن أسمح له بالظهور، جلست بجوار السرير للحظات، ثم وقفت مجدداً وكأنني لا أستطيع الثبات في مكان واحد، نظرت إلى الطفل مرة أخرى، كان نائماً بهدوء، يتنفس ببطء، يعبس أحياناً كأن لديه أسراراً صغيرة لا يريد أن يخبرنا بها، حاولت أن أقنع نفسي أن الأمر طبيعي، أن هناك تفسيراً علمياً، أن الوراثة قد تفعل أشياء غريبة، لكن صوتاً داخلياً كان يكرر جملة واحدة فقط: هذا ليس طبيعياً.

في عائلتي، لم يكن هناك أحد بشعر أحمر، لا أبي، ولا جدي، ولا حتى الصور القديمة التي احتفظنا بها منذ أجيال، الجميع كان يحمل نفس السمة، الشعر الداكن، العيون الهادئة، الملامح التي يمكن أن تتبعها عبر الزمن بسهولة، حتى أطفالي، أرتيوم وليزا، كانا انعكاساً واضحاً لهذا الامتداد، أرتيوم يشبهني كثيراً، بشعره الداكن وعينيه الرماديتين، وليزا تحمل ملامح أمها لكنها لم تكن يوماً قريبة من ذلك اللون الناري الذي رأيته اليوم، لذلك لم يكن الأمر مجرد اختلاف بسيط، بل كان شيئاً خارج كل ما أعرفه، خارج كل ما يمكن تفسيره بسهولة.

أخرجت هاتفي بسرعة وأرسلت رسالة إلى أمي، كانت هي دائماً مرجعي في مثل هذه الأمور، كتبت لها: “هل سبق أن كان في عائلتنا أشخاص بشعر أحمر؟” وجاء الرد سريعاً، كأنه كان ينتظر السؤال: “لا، على حد علمي أبداً، ماذا حدث؟” نظرت إلى الشاشة لثوانٍ ثم أغلقتها دون رد، لأنني لم أكن أعرف ماذا أقول، لم أكن مستعداً بعد لمواجهة الحقيقة أو حتى نطقها.

عدت إلى المنزل في تلك الليلة وأنا أحمل داخلي شعوراً ثقيلاً لا يمكن وصفه، كان البيت هادئاً، أرتيوم نائم، لكن ليزا كانت مستيقظة تنتظرني في المطبخ، كانت ترتدي بيجامتها الصغيرة، لكنها لم تبدُ كطفلة في تلك اللحظة، كان هناك شيء في نظرتها، شيء جاد، شيء أكبر من عمرها، ابتسمت لها محاولاً أن أبدو طبيعياً، لكنها سبقتني بالسؤال: “بابا، هل وُلد أخي؟” أومأت برأسي، فابتسمت للحظة، ثم قالت فجأة، وبنبرة لم أفهمها: “شعره أحمر، أليس كذلك؟”

تجمدت في مكاني، شعرت وكأن الزمن توقف للحظة، نظرت إليها غير مصدق، وسألتها بصوت خرج بصعوبة: “كيف عرفتِ؟” لم تجب فوراً، بل صمتت قليلاً، ثم نظرت إليّ بعينين غريبتين، وقالت بهدوء: “لأني رأيتُه قبل كده… مش هو، بس شبهه.” اقتربت منها أكثر، شعرت بأن شيئاً أكبر من مجرد صدفة بدأ يتشكل أمامي، سألتها: “مين اللي شوفتيه؟” فأخرجت ورقة مطوية من جيبها، كانت تحتفظ بها وكأنها سر كبير، ناولتني إياها بيد مرتعشة.

فتحت الورقة ببطء، وكانت تحتوي على صورة قديمة، باهتة، لكن واضحة بما يكفي، كانت إيلينا فيها، أصغر سناً، تبتسم، وبجوارها شاب بشعر أحمر، نفس اللون، نفس الحدة، نفس الإحساس الذي شعرت به حين رأيت الطفل، لكن ما جعل الأمر أسوأ هو المكان في الخلفية، منزل قديم، مهجور، أعرفه جيداً، منزل عائلتها في الريف، المنزل الذي قالت لي إنه احترق منذ سنوات ولم يعد له وجود.

شعرت بأن الهواء أصبح ثقيلاً، وكأنني أتنفس بصعوبة، رفعت رأسي ببطء نحو ليزا، لكنها كانت تنظر إليّ بصمت، كأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستغير كل شيء، قبل أن أستطيع أن أقول أي شيء، رن هاتفي، نظرت إلى الشاشة، كانت رسالة من إيلينا، فتحتها بسرعة، وكانت الكلمات كفيلة بأن تسحبني إلى عالم آخر تماماً: “أنا آسفة… كان لازم أقولك الحقيقة من زمان… نيكولاس الأول ما ماتش… واللي حصل في الحريق ما كانش زي ما اتقال.”

لم أفهم في البداية، لكن شيئاً في داخلي بدأ يربط الخيوط، نيكولاس الأول؟ من هو؟ ولماذا لم تخبرني؟ ولماذا الآن؟ نظرت إلى الصورة مرة أخرى، ثم إلى ليزا، ثم إلى النافذة، وهناك، تحت ضوء عمود الإنارة، رأيته، أو ربما تخيلته، رجل يقف في الظل، شعره يتوهج بلون أحمر خافت، يراقب البيت بصمت، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، لم يكن مجرد شعور بالخوف، بل إحساس بأن شيئاً قديماً عاد، شيء لم ينتهِ كما ظننا.

في اليوم التالي، ذهبت إلى المستشفى وأنا أحمل كل تلك الأسئلة بداخلي، دخلت الغرفة، كانت إيلينا مستيقظة هذه المرة، نظرت إليّ مباشرة، ولم يكن في عينيها أي محاولة للهروب، فقط تعب عميق، وجلست بجوارها دون أن أتكلم، لثوانٍ طويلة، ثم قلت أخيراً: “مين نيكولاس الأول؟” أغمضت عينيها للحظة، ثم بدأت تتكلم، ببطء، وكأن كل كلمة تخرج منها تحمل وزناً كبيراً.

قالت إن ذلك المنزل لم يحترق كما قيل، بل حدث فيه شيء أسوأ، شيء حاولت عائلتها إخفاءه، كان هناك شاب، اسمه نيكولاس، من أقارب بعيدة، عاش معهم لفترة، وكان يحمل ذلك الشعر الأحمر الذي كان دائماً محل سخرية وخوف في نفس الوقت، لأنه كان مختلفاً، غريباً، وكان يقول دائماً إن الدم لا يختفي، بل ينتظر، وإن لكل شيء وقت يعود فيه، لم يأخذوا كلامه بجدية، حتى حدثت تلك الليلة، الليلة التي تغير فيها كل شيء.

لم تكمل التفاصيل، لكنها قالت إن الحريق لم يكن حادثاً، وإن نيكولاس لم يمت، بل اختفى، وأن عائلتها قررت أن تنهي القصة عند هذا الحد، أن تدفن الحقيقة، أن تتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، لكنها كانت تعرف في داخلها أن الأمور لم تنتهِ، وأن الماضي لا يختفي بسهولة، وأن ما حدث سيعود يوماً ما، لكنها لم تتوقع أن يكون ذلك اليوم هو يوم ولادة ابننا.

جلست أستمع إليها وأنا أشعر بأن كل شيء حولي ينهار، لم يكن الأمر مجرد شكوك أو خيانة أو حتى سر بسيط، بل كان شيئاً أكبر، شيء يمتد عبر الزمن، شيء يربط بين الماضي والحاضر بطريقة لم أكن مستعداً لها، نظرت إلى الطفل، إلى شعره الأحمر، وفهمت أن الأمر لم يكن مجرد صدفة، بل علامة، بصمة، دليل على أن ما حاولوا إخفاءه لم يختفِ أبداً.

خرجت من المستشفى وأنا لا أعرف ماذا أفعل، لكنني كنت متأكداً من شيء واحد فقط، أن هذه القصة لم تنتهِ بعد، وأن ما بدأ بلون شعر غريب، تحول إلى حقيقة مرعبة، حقيقة تقول إن بعض الأشياء لا يمكن دفنها، وأن الماضي، مهما حاولنا الهروب منه، يجد دائماً طريقه للعودة، ليس ليذكرنا فقط، بل ليطالب بحقه.

وفي تلك الليلة، حين عدت إلى المنزل، نظرت إلى النافذة مرة أخرى، ولم يكن هناك أحد هذه المرة، لكن الشعور لم يختفِ، كان أقوى من أي دليل، أقوى من أي تفسير، شعور بأننا لم نعد وحدنا، وأن هناك من يراقب، ينتظر، يبتسم في الظل، منتظراً اللحظة المناسبة ليظهر، لأن بعض القصص لا تنتهي أبداً، بل تبدأ من جديد… بشكل أكثر ظلاماً.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان