الغريبة إن الضحك عمره ما بييجي فجأة… دايمًا بيبقى له تمهيد، نظرة صغيرة، ابتسامة مكتومة، همسة بين اتنين فاكرين إنك مش سامع. وأنا كنت سامعة كل حاجة. من أول ما دخلت القاعة، وأنا حاسة إني دخيلة… مش بس عليهم، لأ، على اللحظة كلها. كأني مش المفروض أكون هنا أصلاً.
المطر كان بيخبط على الشباك بإيقاع ثابت، غريب إنه كان أهدى من اللي جوا صدري. العيلة متجمعة، كل واحد لابس وش مناسب للمناسبة: حزن خفيف، اهتمام مصطنع، وترقّب جشع مستخبي ورا كلام مهذب. وأنا؟ كنت في آخر الترابيزة، مش بس في المكان… في الترتيب كله.
لما الأستاذ شاكر بدأ يقرأ، صوته كان متماسك، بس إيده اللي ماسكة الورق فضحت حاجة تانية. أول ما قال اسمي، حصل صمت لحظي… النوع اللي بييجي قبل الانفجار. وبعدين الضحك. مش ضحك عادي، لأ… ضحك فيه شماتة قديمة، كأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي من سنين.
“نور الهدى كامل”… الاسم اللي محدش فيهم عمره قاله من غير ما يقطّع منه حتة. دلوقتي بيتقال كامل، واضح، كأنه بيطالب بحقه فجأة. لما قال إني ورثت الأرض، حسيت إن في حد شد الكرسي من تحتهم كلهم في نفس اللحظة. بس بدل ما يقعوا، ضحكوا أكتر.
منصور كان أول واحد يتكلم، وطبعًا كان أعلى صوت. دايمًا كده… الصوت العالي بيعوض حاجات كتير. خبط بإيده على الترابيزة، وابتسم ابتسامة مش مفهومة وقال إن الأرض دي “ولا حاجة”. الغريبة إني صدقته في اللحظة دي… أو يمكن كنت عايزة أصدق، عشان مافيش حد بيحب يكتشف إنه واخد حاجة محدش عايزها.
بس في طريق رجوعي، الفكرة بدأت تتغير. ليه جدتي تعمل كده؟ ليه تسيبلي أنا تحديدًا أرض محدش طايقها؟ السؤال فضل معايا لحد ما بقى أثقل من إني أتجاهله.
الأرض كانت أبعد مما توقعت… ومقفولة على نفسها بشكل غريب. مفيش زرع، مفيش حياة، حتى الصوت هناك كان مختلف، كأنه بيتكسر قبل ما يكمل. الصخرة اللي بيسموها “راس الديب” كانت أكبر من اللي تخيلته، ومش بس حجمها اللي مقلق… وجودها نفسه كان غلط.
وقفت قدامها كتير قبل ما أبدأ. مكنتش خايفة بالمعنى المباشر، بس كان في إحساس مزعج… إحساس إن المكان فاكر كل حاجة حصلت فيه، ومستني حد يسأله.
الحفر كان أصعب من اللي توقعت. التراب تقيل، والزلط حاد، وكل شوية كنت بقول لنفسي “كفاية”. بس في كل مرة كنت بفتكر الضحك… وأرجع أكمل. يمكن دي كانت أول مرة الغضب ينفعني.
لما الحديد ظهر، قلبي سكت لحظة. باب مدفون، متقفل من زمن مش قريب. المفتاح في إيدي حسّيته تقيل بشكل مش طبيعي، كأنه مش مجرد معدن… كأنه قرار.
وأنا بلفه، كان في لحظة صغيرة جدًا فكرت أسيب كل حاجة وأمشي. أرجع أكون نفس البنت اللي بيضحكوا عليها وخلاص. بس المفتاح لف.
الهوا اللي طلع كان بارد، تقيل، وريحته فيها حاجة قديمة… مش وحشة، بس مش مطمّنة. نزلت السلالم ببطء، مش خوف… تركيز. كل خطوة كانت بتفصلني عن فوق أكتر.
تحت، المكان كان أوسع من المتوقع. مش مخزن… حاجة منظمة زيادة عن اللزوم. ملفات، صور، تسجيلات… كل حاجة مترتبة كأن حد كان عارف إن في يوم حد هييجي يدور.
أول صورة شفتها خلّت إيدي تترعش. أبويا وأمي… مش بالشكل اللي في دماغي. لا تعبانين، ولا مكسورين. واقفين بثبات، لابسين رسمي، باين عليهم ناس فاهمة هي بتعمل إيه.
الكلام المكتوب تحت الصورة ماكنش طويل… بس كان كفاية. “تم الغدر بهم”… الكلمة دي فضلت تتردد جوا دماغي بشكل مزعج. والأزعج؟ الاسم اللي بعدها.
جدّي.
قعدت شوية مش مستوعبة. مش حزينة، مش مصدومة… حاجة تانية. حاجة بين الاتنين، كأن في جزء جوايا كان عارف، بس مستني دليل.
الصوت اللي جه من الشاشة قطع تفكيري. لما بصيت، شفت فوق… عند المدخل. منصور. واقف، بيتكلم، وبيتحرك بعصبية. في إيده سلاح، بس اللي كان مخوفني مش السلاح… نبرته.
الكلام اللي قاله كان واضح جدًا، زيادة عن اللزوم. مافيش تردد، مافيش شك. كل حاجة كانت متخططة. وأنا كنت جزء من الخطة دي… بس مش زي ما هو فاكر.
لما بدأت أشم ريحة الدخان، كان قدامي اختيارين: أطلع وأواجه حاجة أنا مش مستعدة لها، أو أفضل وأفهم كل حاجة. الغريبة إني ما فكرتش كتير.
الصوت اللي طلع من الجهاز اللاسلكي كان أول حاجة في اليوم ده حسيت إنها في صفي. حد بينادي باسمي… مش بس عارفني، فاهم أنا فين.
بصيت حواليّ تاني، للمكان، للملفات، للصورة اللي لسه في إيدي. لأول مرة من زمان، حسيت إني مش تايهة. إن كل حاجة حصلت قبل كده كانت بتزقني للحظة دي.
النار كانت بتقرب… بس المرة دي، أنا ماجريتش.
أنا استنيت.
أنا استنيت… ودي كانت أغرب حاجة عملتها في حياتي. طول عمري بجري، حتى وأنا واقفة كنت ببقى عايزة أهرب. بس المرة دي، وأنا شايفة الدخان بيزحف ببطء ناحية السلم، حسيت إن الجري معناه إني برجع لنقطة الصفر… لنفس البنت اللي بتستخبى من كل حاجة.
إيدي كانت لسه ماسكة الصورة، صورة أبويا وأمي، وكأنهم بيبصوا لي بطريقة غريبة… مش شفقة، ولا حتى حنان، لأ… ثقة. ثقة مزعجة شوية، كأنهم عارفين إني هعمل الصح حتى لو أنا مش متأكدة.
الصوت في الجهاز اللاسلكي رجع تاني، المرة دي أوضح: “ثبتي موقعك… متتحركيش لحد ما نوصل”. نبرة الصوت كانت حازمة، بس فيها حاجة غريبة… مش أوامر بس، فيها توقع. كأنهم عارفين إني مش ههرب.
بصيت حواليا بسرعة، وبدأت أتحرك جوه المكان. المرة دي مش بخوف، لكن بتركيز. الملفات اللي حواليا ماكنتش مجرد ورق، دي كانت خريطة… مش للمكان، للناس. أسماء، تواريخ، تسجيلات، خطوط واصلة بين صور، كل حاجة بتقول إن اللي حصل زمان ماخلصش.
شدني درج معدني صغير في الركن، كان مقفول بقفل أبسط من اللي فوق بكتير. كأنه معمول يتفتح بسهولة… بس في الوقت الصح. فتحته بسرعة، ولقيت جواه جهاز صغير، شكله قديم بس واضح إنه شغال. جنبُه ورقة مكتوب فيها بخط إيد:
“لو وصلتي هنا… يبقى انتي الوحيدة اللي فضلت.”
وقفت لحظة، الجملة دخلت في صدري بشكل تقيل. الوحيدة؟ يعني إيه؟ يعني كل اللي قبلي… فشلوا؟ ولا اتخلص منهم؟
الدخان بدأ يكتر، وحرارة خفيفة بقت محسوسة في الهوا. الوقت بيخلص، وأنا لأول مرة حاسة إنه فعلاً مهم. شغّلت الجهاز، الشاشة نورت بشكل مفاجئ، وظهر تسجيل قديم.
الصورة كانت مشوشة في الأول، وبعدين بدأت توضح… ووشّ ظهر. أنا اتجمدت. جدتي.
بس مش زي ما فاكرة. مافيش الهدوء اللي كنت بشوفه، ولا النظرة اللي فيها تعب. لأ… كانت مركزة، قوية، وبتبص في الكاميرا كأنها شايفاني.
“لو بتشوفي التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أحميك من كل حاجة… بس قدرت أوصّلك للحقيقة.”
قلبي بدأ يدق بسرعة، وأنا مش قادرة أشيح بعيني عن الشاشة.
“أهلك ماكانوش ضحية بس… كانوا جزء من محاولة كبيرة… محاولة لوقف شبكة كانت بتبيع كل حاجة، حتى البلد نفسها. واللي غدر بيهم… ماكنش واحد بس.”
الجملة دي خبطت في دماغي بقوة.
“العيلة… ماكنتش عيلة من البداية. كانت واجهة.”
سكتت لحظة في التسجيل، وكأنها بتديني وقت أستوعب، بس الوقت الحقيقي عندي ماكنش بيسمح.
“نور… انتي مش هنا بالصدفة. انتي اتسيبتي تعيشي عشان محدش يشك. كلهم كانوا فاكرين إنك خرجتي من اللعبة… بس الحقيقة إنك كنتِ الورقة الأخيرة.”
إيدي بدأت تعرق، وأنا مستوعبة إن حياتي كلها كانت معمولة بشكل معين… مش عشوائي زي ما كنت فاكرة.
“لو وصلتي للمرحلة دي… يبقى خلاص مافيش رجوع. يا تكشفيهم… يا تختفي زي اللي قبلك.”
الشاشة طفت فجأة، والدخان بقى أوضح، أقرب. بس أنا ما اتحركتش فورًا. الجملة الأخيرة فضلت معلقة جوايا.
“اللي قبلك.”
يعني في حد تاني كان هنا… وحد تاني قبله… وولا واحد فيهم خرج.
فجأة، صوت خبط جامد جه من فوق. حاجة وقعت، وصوت منصور بقى أعلى، فيه عصبية أكتر. واضح إنه مستعجل… أو قلقان. يمكن لأول مرة.
بصيت للسلم، وبعدين بصيت للمكان حواليّ. كل حاجة هنا كانت بتقول إن النهاية مش فوق… النهاية هنا.
مسكت الجهاز الصغير، وحطيته في جيبي، وبدأت أجري ناحية باب جانبي ماكنتش واخدة بالي منه قبل كده. باب شبه مخفي، نفس لون الحيطة، كأنه معمول يتفوت.
فتحته بسرعة، ولقيت ممر ضيق، مظلم، بس الهوا فيه أنضف. ده مش طريق دخول… ده طريق خروج.
وأنا بجري فيه، سمعت صوت بعيد… عربيات. كتير. بتقرب.
الناس اللي في اللاسلكي وصلوا.
بس السؤال اللي فضل معايا وأنا بطلع من الممر ده، مش كان “هل هنجو؟”…
السؤال كان:
“أنا هكون مين بعد اللي عرفته؟”
لأني ساعتها بس فهمت حاجة واحدة بوضوح…
أنا ماكنتش بهرب من العيلة…
أنا كنت راجعة لها.