الطفل اللي كان ساكت سنتين… فتح باب محدش خرج منه

الطفل اللي كان ساكت سنتين… فتح باب محدش خرج منه


الهروب بدم المربية رقم 18

الساعة كانت قرب الفجر، والقصر كله ساكت سكات تقيل يخوف، لدرجة إن صوت النفس نفسه كان باين وسط الممرات الطويلة اللي متغطية برخام بيلمع كأن حد ماسحه حالًا. فجأة، السكون اتشق صرخة مدوية خرجت من قلب البيت، صرخة واحدة بس كانت كفاية تخلي كل اللي جوه يقف مكانه كأن الزمن وقف. بعدها بثواني، الباب الكبير اتفتح بعنف، وخرجت واحدة من باب القصر وهي بتجري من غير ما تبص وراها، شعرها منكوش، هدومها مقطعة، وجنب رقبتها سايل دم نازل على هدومها. كانت بتتعثر وهي بتجري، كأن رجليها مش شايلينها، وكل شوية تلف تبص وراها وهي بتصرخ بأعلى صوتها.

المربية رقم 18، الست اللي كانت داخلة من أسبوع بس، جريت ناحية البوابة الحديد الضخمة وهي منهارة، ووشها كله شحوب، وعينيها مليانة رعب صافي. الحراس اللي واقفين برا كانوا متعودين على صريخ وخناق وخدم بيمشوا، لكن اللي شافوه الليلة دي كان مختلف. الست دي كانت بتجري كأنها هاربة من موت محقق. وقفت لحظة وهي بتلهث، وبعدين صرخت بصوت مبحوح قدام الحراس: “أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة… الولد ده مش طبيعي… الولد ده ملبوس!”. البوابة اتفتحت بسرعة، ومن غير ما حد يسألها أو يوقفها، خرجت على الشارع وهي بتجري وسط الضلمة، كأن القصر نفسه لفظها ورماها برا.

من فوق، من بلكونة الدور التاني، كان سليم الهواري واقف. رجل طويل، واقف بثبات غريب، إيده في جيبه، وعينه ثابتة عليها وهي بتجري. لا اتكلم، لا اتحرك، ولا حتى رمش. كأنه متوقع المشهد، أو كأنه شافه قبل كده كتير. سليم الهواري في جاردن سيتي كان اسم لو اتقال في أي مكتب حكومة أو شركة أو مينا، الناس تقوم تقف. رجل عنده شركات ومصالح وشغل محدش بيسأل فيه. ناس كتير بتهابه من غير ما يعرفوه، وناس أكتر تعرفه وتسكت. لكن وسط كل ده، كان فيه حد واحد بس في الدنيا كلها واقف قدامه ومش عارف يعمل معاه حاجة… ابنه.

ياسين كان عنده أربع سنين. طفل صغير، ملامحه بريئة، عيون واسعة جدًا وسودة، وشه المفروض يضحك ويلعب ويطلب حلويات، لكن كل اللي فيه كان ساكت. من سنتين، يوم الحادثة، كل حاجة اتغيرت. العربية اتقلبت قدامه، ضرب نار، زعيق، ناس بتموت، وأمه فريدة وقعت قدام عينه. من بعدها، الواد اتقفل. لا بيتكلم، لا بينادي، لا بيعيط حتى زي الأطفال. كل ردوده بقت حاجة واحدة: عنف. يكسر، يعض، يخبط، ويهرب. محدش يلمسه. لو حد قرب، يتحول لكتلة غضب صغيرة.

سليم صرف عليه فلوس محدش يقدر يتخيلها. جاب دكاترة من برة مصر، أخصائيين نفسيين، ناس شهاداتها من أوروبا وأمريكا. مفيش فايدة. مربية بعد مربية، لحد ما بقوا 18 واحدة. اللي تمشي بعد يوم، واللي بعد ساعة، واللي تنهار وتفضل تعيط. لكن الليلة دي كانت أول مرة واحدة تخرج بدمها. وده خلا حتى الخدم يهمسوا لبعض في المطبخ إن الولد فيه حاجة مش مفهومة.

في نفس اليوم، بعد الظهر، دخلت نادية من باب الخدمين. بنت عندها 22 سنة، جسمها رفيع، هدوم بسيطة، ووشها مرهق من السهر والخوف. كانت جاية للشغل مضطرة. أخوها الصغير في المستشفى، محتاج عملية قلب مفتوح، والمبلغ المطلوب كان فوق طاقتهم بكتير. كل يوم الحسابات تتصل بيها، وكل يوم قلبها يقع أكتر. لما سمعت إن في قصر محتاج عاملة نظافة بمرتب كبير، وافقت من غير ما تسأل كتير.

استقبلتها أم سعاد، كبيرة الشغالين. ست كبيرة في السن، ملامحها ناشفة وعينيها فيها حاجة مش مريحة. أخدتها من باب الخدمة، وفضلت ماشية قدامها لحد ما وصلوا الممر الطويل. قالت لها وهي ماشية من غير ما تبصلها: “شغلك تنظفي وبس. عينك في الأرض. متسأليش. ومتطلعيشش فوق ناحية الجناح اللي في آخر الممر. اللي هناك مش ليكي”. نادية هزت راسها وسكتت. كانت متعودة تسمع أوامر وتسكت. هي جاية عشان الفلوس، مش عشان الفضول.

مسكت المساحة وبدأت تمسح الأرضية في الصالة الكبيرة. القصر كان هادي، لكن الهدوء نفسه كان غريب. كأن كل ركن فيه بيبص عليها. وهي بتمسح جنب طقطوقة خشب قديمة، سمعت صوت حاجة بتتسحب بسرعة، وبعدها صرخة قصيرة، وقبل ما تلف، حسّت بحاجة تقيلة جدًا خبطتها في ضلوعها. وقعت على ركبتها فورًا، والنفس اتقطع من صدرها. لما رفعت عينها، لقت تمثال نحاس على الأرض، تمثال حصان تقيل جدًا، والمفروض طفل ميقدرش يشيله.

رفعت عينها أكتر، شافته. ياسين. واقف قدامها، وشه متعصب، صدره بيطلع وينزل بسرعة، وإيده الصغيرة مقفولة جامد. فجأة جري عليها وبدأ يضربها برجله الصغيرة في ساقها بعنف. الحراس جمدوا. كلهم مستنيين نفس السيناريو: صرخة، زعيق، طرد، هروب. لكن نادية عملت حاجة محدش توقعها. وهي بتوجع، نزلت بجسمها لحد بقت في مستوى عينه. بصت له من غير خوف. قالت بصوت هادي: “الخبطة وجعتني أوي يا حبيبي”.

الولد وقف ثانية. ملامحه اتشنجت أكتر، كأنه مستغرب. هي كملت بنفس الهدوء: “ورجلي كمان وجعتني من الضرب… بس شكلك إنت اللي موجوع أكتر”. الجملة نزلت على المكان كله كأن حد رمى حجر في بحر ساكن. ياسين رفع إيده عشان يضربها تاني، لكنها فضلت ثابتة. قالت له: “اضرب لو ده هيخفف عنك… أنا مش ههرب”. إيده فضلت في الهوا. شفايفه اترعشت. عينيه لمعت. وبعدها، من غير أي إنذار، جري ورمى نفسه في حضنها.

العياط اللي خرج منه ساعتها مكانش عياط طفل. كان انفجار. جسمه كله بيتنفض، ماسك فيها كأنه بيغرق. نادية حضنته من غير ما تفكر. الحراس بصوا لبعض. أم سعاد طلعت من الممر وشافت المنظر، وشها اتبدل. اتعصبت فورًا وصاحت: “ابعدوه عنها حالًا!”. أول ما سمِع صوتها، جسم ياسين اتخشب. نادية حست بإيده بتتعلق فيها أكتر. ده مكانش تعلق… ده خوف.

سليم نزل السلم وقتها. شاف نظرة ابنه، شاف رعبه، وبص لأم سعاد، وبعدها قال بصوت محدش قدر يعترض عليه: “محدش يقرب منهم”. الصمت نزل على القصر. وأول مرة من سنتين، ياسين ساب نفسه يعيط قدام حد.

من الليلة دي، كل حاجة اتغيرت. سليم قال إن نادية هتبقى مع ياسين بس. لا تنظيف، لا خدمة. أم سعاد حاولت تعترض، لكن سليم وقفها بكلمة واحدة. نادية وافقت، مش بس عشان الفلوس. من أول لمسة حسّت إن الولد مش شرير، الولد خايف من حاجة محدش شايفها.

ليلتها، دخلت أوضته. كان قاعد على السرير ساكت، عينينه مفتوحة. غطته، لكنه مسك كمها ومسبهاش. قعدت جنبه. من غير تفكير، بدأت تدندن أغنية قديمة كانت أمها بتغنيها زمان لما المطر ينزل على بيتهم في إمبابة. صوتها كان واطي، بسيط. لكن سليم، اللي كان واقف عند الباب، اتجمد. قال بصوت متقطع: “دي… دي فريدة كانت بتغنيها له”.

أول ما اسم أمه اتقال، ياسين فتح عينيه على آخرهم. لف وشه بسرعة ناحية الحيطة، جسمه كله اتشد. نادية بصت له وبعدين بصت لسليم، وقالت بهدوء: “يمكن المشكلة إن الكل هنا بيتصرف كأنها عمرها ما كانت موجودة”. سليم وشه اتغير. غضب طلع في عينه. قال بعصبية: “محدش يجيب سيرتها هنا”.

وفجأة، الغطا اتحرك. جسم ياسين بدأ يترعش. وصوته خرج ضعيف جدًا، كأنه جاي من مكان بعيد: “الباب”. الكلمة وقفت الزمن. أول كلمة من سنتين. لا بابا، لا ماما… الباب. نادية بصت تلقائيًا ناحية آخر الممر. الجناح المهجور. وسليم… لأول مرة، الرعب ظهر في عينه.

استنت نادية لحد الليل. القصر نام، والهدوء بقى أتقل. خرجت من أوضتها على رجلها، ماشية بالراحة ناحية آخر الممر. كانت حاسة إن الكلمة لسه بتتردد في ودنها. وصلت قدام الباب. خشب قديم، عليه قفل وجنزير. مدّت إيدها. فجأة حست بحد وراها. لفت بسرعة، لقت ياسين واقف، ساكت، عينيه واسعة جدًا، وبيشاور على القفل وهو بيعيط من غير صوت.

بصت حواليها، لقت مفتاح قديم فوق برواز جنب الباب. مسكته، قلبها بيدق بعنف. دخلته في القفل. فتح. الباب زقته بصعوبة، وصوت صريره قطع الهدوء. دخلت الأوضة، واستنت تشوف غرفة مهجورة أو ذكريات. لكن اللي شافته خلى جسمها يتجمد. الأوضة كلها شاشات. كاميرات. صور. تسجيلات. زوايا القصر كله. مراقبة كاملة.

وفي نص السرير، ألبوم صور. قربت، فتحته، وجسمها برد. الصور ليها. هي. من أول ما خرجت من بيتها في إمبابة. وهي راكبة ميكروباص. وهي داخلة المستشفى. صور أخوها. روشتاته. حياتها كلها. كانت متراقبة من قبل ما تعرف القصر أصلًا.

وفجأة، النور كله اشتغل. اتعمى بصرها. لفت بسرعة. كان سليم واقف عند الباب. في إيده مسدس كاتم صوت. وورا أم سعاد، ماسكة حبل غسيل تقيل. وشها جامد، خالي من الرحمة. سليم ابتسم ابتسامة باردة، وقال: “كنت مستني اللحظة دي. ياسين مقالش الباب عشان تفتحيه… كان بيحذرك منه. إنتِ مجيتيش صدفة. أخوكي مش عيان صدفة. وأم ياسين… ماتت هنا. في الأوضة دي”.

الكلمات نزلت على نادية زي صدمة كهربا. رجليها ثبتت مكانها. عقلها بيربط كل حاجة في ثانية. العملية. الشغل. الطريق. الصور. كل ده كان مرتب. كانت طُعم. كانت متراقبة. وسليم قرب خطوة. أم سعاد رفعت الحبل في إيدها.

وقبل ما أي حد يتحرك، ياسين صرخ. صرخة رجّت الحيطان كلها. جري بسرعة ناحية الباب، وقف قدام نادية، فتح دراعاته الصغيرة، وسند جسمه في الباب، وبص لها بعيون مليانة خوف وإصرار. كأنه بيقول من غير كلمة واحدة: المرة دي… أنا اللي هحميكي.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي