تانك.. الكلب الذي أعاد لي أبي

تانك.. الكلب الذي أعاد لي أبي


تانك.. الكلب الذي أعاد لي أبي

أول مرة سمعت خبر موت أبويا… ماعيطتش. واللي يضحك إنّي كنت متأكدة قبلها بدقائق إنّي لو جالي الخبر ده، هتفلت مني الروح، هتتهزّ الأرض تحت رجلي، هتحصل الصدمة اللي بيحكوا عنها في الأفلام، هحسّ بالندم لأنّي ما قلتلوش “أنا سامحتك” ولا حتى “أنا فهمتك” ولا أي جملة من الجمل اللي الناس بتقولها متأخر. لكن اللي حصل كان أبرد بكتير من كل توقّعاتي: ارتباك. ارتباك زي واحد فتح باب غرفة كان قافلها من سنين، فدخلته ريحة قديمة مسكونة بالغبار، ومش عارف يتقدّم ولا يرجع. كنت قاعدة في مكتبي في الشركة، مكتب واسع وزجاجه بيبص على شارع دايمًا زحمة، وإضاءة ساطعة بتخلّي كل حاجة تبان مرتّبة حتى لو قلبك من جوه واقع. والمحامي قدامي، مش بيبتسم ولا بيحاول يلطّف. قاعد كأنه بيقرأ قرار رسمي مش خبر موت بني آدم. بصلي بنظرة متحفظة وقال بهدوء: “والدك توفى من أسبوع… وسابلك وصية.”

بلعت ريقي، وحسّيت لساني ناشف، وافتكرت في ثانية واحدة كل مرة قلت فيها “أنا ماليش أب” قدام أي حد، من غير ما أتلعثم، من غير ما أدي مساحة لسؤال أو تعاطف أو فضول. قلتله ببرود متعمّد كأنّي بحط حيطان بينّي وبين الكلام: “أنا ماليش أب.” المحامي ما اتأثرش، ولا سألني ليه، ولا حاول يراجعني. بصلي بثبات وقال: “اسمه فرانك مراد… وموثّق إنك بنته الوحيدة.” الاسم ده كان زي شبح قديم، زي علامة على حيطان بيت اتشقّق. أنا كنت بدفنه سنين: بدفنه في كلامي، في سيرتي الذاتية، في حكاياتي لأي حد قرب مني. لكل الناس كنت بقول إنه مات وأنا صغيرة… ماكنتش بقول إنه دخل السجن وأنا عندي تسع سنين بتهمة اعتداء جسيم. ماكنتش بقول إنّي قضيت عمري خايفة ييجي اليوم اللي حد يقولّي: “إنتِ بنت الراجل اللي اتحكم عليه.”

سألته وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي: “ساب إيه؟” كنت متوقعة يقول ممتلكات، أرض، شقة، حتى لو ديون. متوقعة يقول “سابلك حاجة تعويض”، أو “سابلك ملف”. لكن المحامي قال كلمة واحدة، واستنى يشوف تأثيرها: “كلب.” في لحظة حسّيت إنّي ما سمعتش كويس، وإنه بيختبرني أو بيهزر. رفعت حاجبي من غير ما أقصد، فكمّل بجدية: “كلب إنقاذ… اسمه تانك. موجود في ملجأ في محافظة بعيدة. ومقرر إعدامه بعد ٤٨ ساعة. وفي مبلغ مالي مخفي… هيوصلّك بمجرد استلام الكلب.” الكلمة “إعدامه” طلعت من بُقّه كأنها إجراء إداري، بس هي وقعت على صدري زي حجر. كلب… إعدام… فلوس مخفية… ووصية من أب أنا أصلاً بقول عليه ميت من سنين. كل ده في دقيقتين، في مكتب مكيف، وسط رنين موبايلات وملفات وعقود، وأنا لابسة بدلة رسمية مفروض بتدل على السيطرة والنجاح.

في اللحظة دي الباب اتفتح من غير استئذان، وظهر كريم خطيبي، داخل بابتسامة واسعة وراحة الشخص اللي متعود إن الدنيا بتمشي حسب جدول أعماله. “خلصتي؟” قالها وهو بيبص للساعة. “عندنا عشا مع مجلس الإدارة.” المحامي سكت وبص له وبعدين رجعلي، كأنه بيقول: “قولي له لو عايزة.” أنا لوهلة فكرت أدفن الموضوع زي ما بدفنه دايمًا، أقول “اجتماع طارئ”، وأكمل حياتي. لكن الكلمة اللي كانت خانقاني خرجت لوحدها: “بابا مات.” كريم وقف مكانه، ابتسامته اتكسرت على وشه، وقال باستغراب: “بابا؟” أنا قلت بسرعة، كأني بقطع الطريق على الأسئلة اللي هتتوالد: “كان مسجون.” الصمت نزل زي سقف واقع. كريم قرب خطوة وقال بنبرة مخلوطة بدهشة واستنكار: “وإنتي مخبية عليا ده؟”

“ماكانش سهل.” قلتها بهدوء رغم إن قلبي كان بيخبط كأنه بيجري. كريم ما سابنيش، قلبها تحقيق: “طيب وسابلك إيه؟” بصيت له، ولسه مش مستوعبة، وقلت الكلمة اللي شكلها كوميدي بس كانت الحقيقة: “كلب.” كريم ضحك ضحكة قصيرة باردة، الضحكة اللي بتتقال فيها “يا سلام على الهبل” من غير ما تنطقها. “ده هزار؟” قالها وهو بيرفع إيده كأنه بيبعد الهوا. أنا هزّيت راسي: “لا… كلب. ومقرر يتعدم بعد يومين.” في اللحظة دي تعبير كريم اتغيّر تمامًا، ووشه بقى قاسي أكتر من أي مرة شفته فيها. “إنتي مش ناوية تروحي تجيبيه… صح؟” سألها كأنه بيحاول يثبت إنّي عاقلة.

ما رديتش، لأني كنت عارفة إن أي رد هيفتح باب قرار لازم أخده. كريم قرب أكتر ومسكني من دراعي، مسكة محسوبة مش عنيفة بس فيها ملكية. “سارة… إحنا على وش جواز. شركتي عاملة حفلة مهمة الأسبوع ده. مش ناقصين فضايح. كلب تابع لمجرم؟ ده آخر حاجة إحنا محتاجينها.” الكلمة رجعت تضربني تاني: “مجرم.” أنا عمري ما سألت نفسي ليه أبويا عمل اللي عمله. كنت صغيرة، وفجأة البوليس خدوه، وأمي انهارت، وبقت بتشتغل شغلانتين وتستلف وتسكت. بعد سنة ماتت، وأنا اتشاليت من بيت لبيت لحد ما استقريت عند خالتي. وكل اللي اتزرع في دماغي إن أبويا دمر حياتنا. لكن دلوقتي… فكرة إن كلب هيتقتل لو ما رحتش، كانت بتخنقني كأنّي أنا اللي هيتنفّذ فيا الحكم.

قومت من على الكرسي، وحسّيت المكتب الكبير فجأة ضيق، كأن الحيطان قربت. قلتها بوضوح: “أنا رايحة.” كريم شدّ دراعي أكتر، وصوته نزل لحد طبقة تهديد مغلفة بالنصح: “لو خرجتي عشان الكلب ده… ما ترجعيش.” بصيت في عينه كويس. لأول مرة حسيت إن الخوف اللي جوايا مش منه… بل من نفسي. من القدرة اللي ممكن تظهر في لحظة وتقلّب حياتي، من احتمال إني أختار حاجة ما تنفعش تتشرح، ومن احتمال إنّي أكون طول عمري بعيش نسخة منّي عشان ترضي الناس، وأول ما تيجي لحظة الحقيقة أهرب زي عادتي. سحبت دراعي ببطء، مش بعصبية، ومشيت. سمعت ورايا صوت كريم بيقول اسمي كأنه بيستدعيني، بس أنا ما التفتّش. كنت ماشية وأنا مش عارفة رايحة فين غير إنّي لازم ألاقي تانك قبل ما الوقت يخلص.

الملجأ كان بعيد، والطريق له كان زي طريق لنسخة تانية من حياتي. خرجت من المدينة اللي متعودة على شكلها: العمارات اللامعة، الكافيهات، الاجتماعات، والناس اللي بتتكلم عن المستقبل كأنه صفقة لازم تتقفل. كل ما العربية تبعد، الإعلانات تقل، والطرق تبقى أوسع بس أبرد. كان فيه شتا غريب، والغيوم متراكمة كأنها بتحبس الشمس عمدًا. أول ما وصلت، لقيت مبنى خرساني قديم، بوابته الحديد مصدية، والصوت اللي طالع منه مش مجرد نباح… ده كان صراخ كائنات محبوسة. ريحة رطوبة ومعقم رخيص وقلق. راجل كبير في السن، بشنب أبيض وكتفين نازلين من تعب السنين، فتحلي الباب وبصلي من فوق لتحت كأنه بيقيس مدى قدرتي على الاحتمال. “إنتي بنت فرانك؟” قالها من غير مقدمات. هزّيت راسي.

الراجل ما قالش “الله يرحمه” ولا “البقاء لله” بالطريقة المتوقعة. بصلي بنظرة مختلفة… مش شفقة، ولا اتهام، أقرب للاحترام الحذر. مشينا جوه ممرات ضيقة، أرضيتها مبلولة، وأقفاص على الجانبين، وعيون بتلمع وبتختفي. كل قفص فيه حكاية، وأنا كنت حاسة إن كل خطوة بتسحبني لذكريات أنا كنت بدفنها. لحد ما وصلنا لآخر قفص تقريبًا، بعيد عن الناس، كأنه معزول عن الباقي. وهناك شفته.

تانك كان ضخم. مش ضخم بس… كأنه كتلة عضلات وخوف وخبرة. فراءه رمادي، بس فيه بقع وردية من ندوب قديمة، زي خرائط على جسمه. نص أذنه مش موجود، كأن حد قصّه بعنف زمان. وعلى رقبته طوق جلدي تقيل، باين عليه إنه اتشد واتجر واتحمل. شكله مرعب على الورق، وفي الصور كان ممكن يبقى “كلب خطر” بكل سهولة. لكن لما عينه وقعت في عيني… قام بهدوء وقرب من السلك. لا نبح، لا زمجر، لا حاول يعمل استعراض. بس بص. نظرة طويلة، ثابتة، كأنه بيسأل سؤال محدش غيري هيفهمه. الراجل قال بصوت واطي كأنه بيحكي سر: “أبوكي أنقذه من حلقة قتال كلاب غير قانونية. كان مرمي في الشارع بين الحياة والموت. قال عليه: ده قلبه أنضف من ناس كتير.”

أنا مدّيت إيدي بتردد، وكنت مستنية لحظة انفجار، غرزة سنان، أي علامة إنّي غلطانة. تانك قرّب بأنفه ولمس صوابعي… برفق. اللمسة دي كانت أغرب من أي حاجة. كانت لمس كائن اتجرّح ألف مرة ولسه عارف يلمس من غير ما يأذي. قلبي دق بسرعة، مش خوف، حاجة أقرب لاعتراف صامت. مضيت الأوراق وأنا مش حاسة إنّي بقرأها. الموظفة قالتلي عن مسؤوليات وعن تحذيرات وعن توقيع نهائي. وأنا بس كنت شايفة الساعة. ٤٨ ساعة. أنا وصلت قبل النهاية بشوية. كأن الزمن كان مستنيني على الباب وقال: “إما دلوقتي… يا إما لأبد.”

وأنا راجعة، السماء اتقلبت فجأة. العاصفة ضربت كأنها كانت مخبية نفسها لحد ما أطلع بالطوق والكلب والأوراق. الدنيا اسودت بسرعة، والهواء دخل من جوانب الطريق كأنه سكاكين. الثلج بدأ يكتر، حاجة مش معتادة في دماغي، مشهد ما كنتش حاسّة إنه حقيقي. العربية بدأت تهتز، والإطارات بتزحلق على طريق فاضي، مفيهوش غير لمبات بعيدة تتوه في الضباب. حاولت أهدي نفسي، قلت “هعدّي”، لكن فجأة العربية بطلت… في نص طريق مفيش حد. جرّبت أشغّلها مرة واتنين، صوتها طلع ضعيف وبعدين سكت. الحرارة بتنزل بسرعة، وإيديا بتترعش، وصدري بقى ضيق كأن حد حط حجر جواه. قعدت أعيط، أعيط بصدق المرة دي… مش بس خوف من البرد… خوف من حياتي كلها، من فكرة إنّي خرجت من اللي كنت عرفاه، ووقفت في نص لا شيء، ومعايا كلب الناس بتقول عليه خطر، وبعيد عن كل دعم كنت معتمدة عليه.

فجأة حسيت بحركة جنبي. تانك طلع لقدام من المكان اللي كنت مأمّناه ليه، وبهدوء لف جسمه حواليا في الكرسي كأنه بيحاصرني من البرد مش من الخوف. حط راسه على كتفي. دفا. أمان. حضن… آه حضن، رغم إن الكلمة صعبة، لكن ده اللي حسّيته. كائن مكسور زيي بيقول من غير كلام: “أنا هنا.” همست وأنا ببكي: “إنت بتحميني؟” نفسُه الدافي رد عليا، وهوا طالع داخل سكون العربية كأنه جواب. بعد وقت مش عارفة قد إيه، شفت نور بعيد، عربية سحب عدّت، الراجل اللي سايق وقف لما لمحنا، وفتح باب عربيته وهو بيشتم البرد. ساعدني، وربط العربية، وسحبنا لحد نُزل صغير على الطريق. كنت ماشية وراء تانك وأنا بحس إنّي ناجية… مش عشان اتسحبت من الطريق… لكن عشان لأول مرة حد أو حاجة فضلت معايا في لحظة انهيار.

في النُزل كان فيه مدفأة قديمة وصوت خشب بيطقطق. قعدت وأنا بتهز من الرعشة، والمكان ريحته قهوة رخيصة وشوربة. تانك نام جنبي كأنه متعود يحرس في صمت. وأنا بفك الطوق من رقبته عشان يرتاح، حسيت بحاجة ناشفة جوه الجلد… كأن الطوق مش بس حزام، ده صندوق. قلبت الطوق، لقيت جيب مخيط بخياطة دقيقة، خياطة مش بتتعمل صدفة. قلبي دق بسرعة، فتحت الخياطة بحذر، وطلعت كيس بلاستيك ملفوف كويس، جوه دفتر بنك قديم ورسالة. إيدي كانت بترتعش، مش من البرد بس… من فكرة إن أبويا، اللي أنا كنت بتبرأ منه، كان مخبّي حاجة ليا في طوق كلب.

فتحت الرسالة، ولقيت خط إيد رجالي، خط متعب لكنه واضح، كأنه كان بيكتب وهو عارف إن كل كلمة هي آخر فرصة. “بنتي الجميلة… لو بتقري الكلام ده يبقى أنا مشيت. ومهم تعرفي إنك ماكنتيش السبب أبدًا في دخولي السجن.” وقفت نفسي. حسّيت إن الجملة دي لوحدها كفاية تهدّ الحيطان اللي بنيتها. الرسالة كانت أطول، وكانت بتتكلم عن اللي حصل زمان بطريقة ما حدش قالهالي. قال إن الرجالة اللي ضربهم في اليوم اللي اتقبض عليه فيه ماكانوش ناس عادية، ماكانوش “خناقة شارع” زي ما اتقال، دول كانوا جايين ياخدوني… سدادًا لديون أمي. كان في ناس طالبة فلوس، وعارفة إن أمي ضعيفة، فقرروا ياخدوا أغلى حاجة عندها: بنتها. أبويا ضربهم عشان يحميني. ولما الدنيا كبرت، قبل صفقة اعتراف عشان القضية تخلص بسرعة، وما يتسحبش مني، وما اتشدش اسمي في المحاكم والجرجرة. دخل السجن… عشان يحميني. وما قالش الحقيقة… عشان ما أعيش في رعب. ولما خرج بعد سنين، شاف قد إيه أنا بخجل منه، قد إيه أنا ببص حواليّا قبل ما أقول اسمه، فاختار يبعد… مش عشان ما يحبنيش… عشان ما يهدّش حياتي.

الدموع نزلت من غير صوت. لأول مرة أبكي على أبويا بجد. مش بكاء “اتوفى” وبس… بكاء على سنين ضاعت في سوء فهم، وعلى طفلة كانت محتاجة تعرف إن حد اتكسّر عشانها. فتحت دفتر البنك، لقيت رقم خلّاني أبلع الدموع: خمسين ألف دولار. كل اللي كان معاه. كل اللي خبّاه بعيد عن الناس. كأنه بيقول “مش هسيبك لوحدك.” وأنا، اللي كنت فاكرة إنه سابني، لقيت نفسي واقفة قدام حقيقة تقيلة: يمكن أنا اللي سيبته.

الموبايل رن، والاسم اللي ظهر كان كريم. حسّيت بجسمي يشدّ، زي حد رجعني فجأة للحياة القديمة. فتحت المكالمة من غير ما أقول “ألو” حتى. صوته طلع متوتر وناشف: “خلصتي مسرحية الكلب؟ لازم ترجعي حالًا. عندنا حفلة مهمة.” بصيت لتانك، كان نايم حاطط راسه على رجلي، كأنه واثق إنّي مش هسيبه. بصيت للموبايل، وبصيت للرسالة اللي في حضني، وبعدين لدفتر البنك. كلهم كانوا بيقولوا نفس الجملة: “اختاري.” قلت بهدوء غريب ماكنتش أعرفه في نفسي: “كريم… إحنا انتهينا.” سكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة عصبية: “إنتي مجنونة.” قلت: “يمكن… بس أنا عمري ما كنت حرة قبل كده.” وقفلت الخط قبل ما أسمع رد، قبل ما يرجع يهدد أو يقنع أو يجرح. كنت عارفة إنّي لو فضلت دقيقة كمان في مكالمته، هيفتح فيّا باب التردد.

رجعت بيت أبويا الصغير في الريف، البيت اللي كنت بحاول أنساه كأنه مكان عار. بيت بسيط، فوضوي، بس فيه روح. الحيطان عليها صور كلاب، مش صور بطولات ولا استعراض، صور وجوه بتضحك بعينيها، ووجوه مكسورة رجعت تعيش. في ركن صغير لقيت أدوات إسعاف قديمة، وفي الدولاب كراسات فيها أسماء وأرقام وتواريخ، كأنه كان بيشتغل في صمت لمساعدة اللي ماحدش بيشوفهم. قعدت في نص الصالة وبصيت حواليا، وحسّيت إنّي بدخل حياة رجل ما عرفتش عنه غير الحكم اللي اتحكم عليه. تانك لَفّ البيت كأنه بيستكشفه، وبعدين رجع وقف قدامي، وبصلي. النظرة دي كانت زي عهد، مش تهديد. كأنه بيقول: “الآن… دوري.” وأنا لأول مرة حسّيت إنّي ما ينفعش أرجع لنفس السارة اللي بتخاف من اسم أبوها، واللي بتخاف من كلام الناس، واللي بتقيس كل قرار على صورته قدام مجلس الإدارة.

قررت أستخدم الفلوس في حاجة ما كنتش أتخيلها وأنا في المكتب الزجاجي: أعمل ملجأ. ملجأ حقيقي، مش مكان حجز وخلاص. مكان علاج وتأهيل، ومكان يحمي الكلاب اللي الناس بتسميها “خطيرة” لمجرد إنها اتجرحت. كنت عارفة إن الكلام ده هيفتح عليا أبواب سخرية وهجوم. وفعلاً، أول ما الخبر بدأ ينتشر في البلدة وفي دايرة معارفي، بدأت الهمسات: “هتخسري حياتك عشان كلاب؟” “دي بنت الراجل اللي كان في السجن.” “أكيد عندها فلوس حرام.” “دي بتدور على لفت الانتباه.” وفي وسط الكلام ده، كنت بسمع صوت أبويا من الرسالة: “أنا عملت اللي عملته عشان تحمي… ما تخافيش.” كنت بابتسم وأرد على اللي يستاهل الرد: “أكتر القلوب اللي اتوجعت… هي أكتر قلوب بتعرف تحب.” ماكنتش بجادل كتير. كنت بتشتغل.

الأيام الأولى كانت أصعب من أي اجتماع وأي صفقة. كنت بصحى قبل الفجر، وأشوف العمال وهم بيحفروا، وأجري على البيطري، وأتعلم أميز بين خوف وعدوانية، وبين ألم وغضب. كنت أتعلّم إن الكلب اللي بيعض مش دايمًا شرير… ساعات بيكون بيقول “سيبني” بطريقته لأنه اتلسع قبل كده. تانك كان معي في كل خطوة، مش كحيوان أليف، لكن كشريك. كان بيمشي وسط الكلاب الجديدة، يشم، يقف، يهدّي، كأنه بيبعت رسالة غير مرئية: “المكان ده مش ساحة قتال.” وفي كل مرة كلب جديد يخاف مني في الأول وبعدين يقرب… كنت بفهم حاجة أكتر عن نفسي، وعن أبويا، وعن الحكاية اللي اتحكتلي غلط سنين.

بعد شهور، الملجأ بدأ ياخد اسم. ناس من محافظات تانية بقت تتصل. ناس بقت تجيب كلاب كانت هتترمي، أو تُقتل، أو تتساب على الطريق. وفي كل مرة أسمع جملة “مش نافع… ده خطر” كنت بحسّ إنها بتتقال عني أنا كمان، عن البنت اللي كانت بتخجل من أصلها، واللي كانت بتحاول تتنضف من ماضي مش بإيدها. بدأت أستقبل حالات صعبة: كلب محروق، كلبة متأذية، جرو صغير بيرتعش من أي صوت. وكنت كل مرة أفتكر تانك وهو بيلف جسمه حواليا في العربية المعطلة، وأقول لنفسي: “الحماية ساعات بتبدأ من حضن.” ماكانش الملجأ مجرد مشروع… ده كان اعتذار متأخر لأبويا، وصُلح متأخر مع نفسي.

وفي وسط كل ده، كريم حاول يرجع. رسائل طويلة، مكالمات من أرقام جديدة، ناس مشتركة بتحاول “تصلّح”. كان بيتكلم عن “المستقبل” و“المنطق” و“السمعة”. وأنا كنت بسمع نفس الكلمات اللي كانت بتكمّمني زمان: سمعة، مجلس إدارة، فضيحة. بس كنت دلوقتي شايفة إن السمعة اللي بتتبني على الخوف… قيد، وإن أي مستقبل لازم أدفع ثمن روحي عشانه… مش مستقبل. كنت بردّ مرة واحدة فقط، جملة قصيرة من غير دراما: “أنا اختارت نفسي.” وبعدها سكوت. لأنّي تعبت من التبرير. مش لازم كل قرار يكون مفهوم للناس عشان يكون صحيح.

سنة كاملة عدّت، وفي يوم من أيام الشتاء، وأنا واقفة قدام باب الملجأ، شفت عربية جت، نزل منها طفل صغير ماسك إيد أمه، وراهم رجل باين عليه التعب. كانوا جايين يتبنّوا كلب كانوا سمعوا قصته. الطفل كان خايف، ماسك في هدوم أمه، لكنه أول ما شاف الكلب، مدّ إيده بتردد زي ما عملت أنا أول مرة. الكلب قرّب… وشم… ولمس إيد الطفل بأنفه برفق. الأم دمعت، والأب تنفّس كأنه كان شايل حجر. في اللحظة دي حسّيت إنّي أنا كمان كنت الطفل ده زمان، وخايفة من الاسم ومن الحكاية، ومستنية حاجة واحدة تقولّي “مش لازم تخافي.” وافتكرت أبويا… وافتكرت إن الناس كانت بتقول عليه “مجرم”، بينما الحقيقة إنه كان أب. أب اتكسّر عشان بنته تعيش من غير رعب. يمكن أخطأ في طريقة، يمكن الزمن ظلمه، لكن في قلب الحكاية كان فيه شخص واحد بيحاول يحمي.

تانك كبر في السن شوية، بقى أهدى، بس عينيه فضلت هي هي. ساعات كنت أقعد جنبه بالليل بعد ما المكان يهدى، وأحكي له بصوت واطي عن يومي كأنه بيفهم كل كلمة. كنت أحكي له عن زعلي وعن تعبي وعن لحظات النجاح الصغيرة، وعن كل مرة أحس فيها إنّي اتولدت من جديد. هو كان ينام ورأسه على رجلي، وأنا أفتكر إن كلب كان “مقرر إعدامه” بقى سبب حياة كاملة اتبنت. وبقيت أفهم المعادلة اللي كنت فاكرة إنها مستحيلة: إن اللي اتوجع ممكن يحب… وإن اللي اتكسر ممكن يحمي… وإن اللي الناس بتسميه وحش، ممكن يكون المنقذ الحقيقي.

أبويا ماكانش مجرم… كان أب. وأنا ماكنتش بنت فضيحة… كنت بنت حكاية اتقالت غلط. وتانك… ماكانش وحش… كان إنقاذي أنا. علّمني إن الثقة مش قرار عقلي، دي رحلة طويلة، وإن الحضن ممكن ييجي من مكان ما توقعتوش. وأول مرة في حياتي… حسّيت إني مش بهرب من ماضيّ. أنا ببني بيه مستقبل. مستقبل فيه باب مفتوح بدل باب مقفول، وفيه اسم أبويا على لوحة صغيرة عند مدخل الملجأ، مش كوصمة… كذكرى. وفيه كل يوم صوت نباح أقل خوفًا، وعيون بتلمع أكتر حياة، وأنا وسطهم… أخيرًا… حرة. 🤍

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان