أمي جت تعيش معايا عشان تساعدني مع بنتي… وبعد شهور اكتشفت السر اللي كان مخبيه جسمها

أمي جت تعيش معايا عشان تساعدني مع بنتي… وبعد شهور اكتشفت السر اللي كان مخبيه جسمها


أمي جت تعيش معايا في القاهرة عشان تساعدني مع بنتي… لكن بعد شهور قليلة بطنها كبرت بشكل مرعب

عمري ما كنت أتخيل إن اليوم اللي أطلب فيه من أمي تيجي تعيش معايا، يبقى هو نفس اليوم اللي حياتي كلها تبدأ تتقلب بالشكل ده. كنت وقتها تايهة حرفيًا، بنتي مريم لسه مولودة، وياسين طول الوقت في الشغل، وأنا بين شغل البيت وشغلي في الشركة بقيت حاسة إني بغرق ببطء ومحدش حاسس بيا. كنت بصحى من النوم مفزوعة على صوت عياط مريم، وأنام وأنا قاعدة، وآكل لقمتين بالعافية، وأدخل الحمام أعيط خمس دقايق وأطلع أكمل يومي كأن مفيش حاجة.

في عز التعب ده كله، افتكرت أمي. الست اللي عمرها ما اشتكت رغم إن الحياة خدت منها أكتر ما ادتها. من ساعة ما أبويا مات وهي بقت نسخة هادية من نفسها، لا بتضحك من قلبها، ولا بتطلب حاجة، ولا حتى بتتكلم عن وجعها. كنت كل ما أكلمها في التليفون تقول لي بصوتها الهادي: “إنتي عاملة إيه يا بنتي؟ وكلي كويس.” مع إنها هي نفسها كانت عايشة لوحدها في المنصورة.

وفي ليلة كنت منهارة فيها حرفيًا، مسكت التليفون وكلمتها وأنا بعيط. قلت لها: “تعالي يا ماما… أنا مش قادرة.” وساعتها ما سألتش كتير. بعد يومين كانت عند باب شقتي، شايلة شنطتين قدام، وكيس فيه عيش فلاحي، وبرطمان مخلل، وابتسامتها التعبانة اللي دايمًا بتحاول تطمني بيها الناس حتى وهي مكسورة.

ومن أول أسبوع، البيت اتغير بالكامل. ريحة الأكل رجعت للمطبخ. الهدوم بقت نضيفة ومطبقة. مريم بطلت تصرخ طول الليل لأن أمي كانت بتشيلها بالساعات وتهدهدها بصوتها الواطي. حتى ياسين نفسه بقى أهدى. كان يرجع من الشغل يلاقي الأكل جاهز، والشقة نضيفة، والبنت نايمة، وأنا لأول مرة من شهور أقدر أخد دش من غير ما أسمع صريخ.

أمي عمرها ما حسستنا إنها تعبانة. كانت تصحى قبلنا كلنا، تعمل الشاي، وتنزل تجيب خضار، وتلعب مع مريم، وتنضف البيت، وكل ما أقول لها ترتاح تضحك وتقول: “أنا طول عمري متعودة على الشقا يا ليلى.” حتى لما كنت بحاول أديها فلوس كانت تزق إيدي وتقول لي: “إنتي بنتي… آخد منك فلوس على إيه؟”

ولأول مرة من سنين حسيت إن عندي أم فعلًا. مش مجرد ست ربتني وخلاص… لأ، حضن حقيقي. وجودها كان مريح بطريقة غريبة، كأن البيت نفسه بقى أدفى.

عشان كدة، لما بدأت ألاحظ التغيير، حاولت أقنع نفسي إنه وهم.

في الأول كانت حاجة بسيطة. مجرد بطنها بقت طالعة شوية تحت العباية. افتكرت إنها يمكن زادت كام كيلو من الأكل، خصوصًا إن أكل القاهرة كله دسم. مرة حتى هزرت معاها وأنا قاعدة جنبها على الكنبة ومريم بتشد في طرحتها، قلت لها: “إيه يا ست الكل؟ هو المحشي عاجبك أوي كدة؟”

ضحكت بسرعة غريبة، ضحكة متوترة، وقالت وهي بتبعد عينيها عني: “ده سوء هضم يا بنتي.”

بس سوء الهضم ما بيخلّيش الجسم كله يدبل بالشكل ده.

بدأت أخد بالي إن وشها بقى أصفر خفيف. إيديها رفيعة بشكل يخوف. هدومها بقت أوسع عليها من كل ناحية إلا عند بطنها. كانت ساعات تقوم فجأة تمسك ضهرها وتتوجع، ولما أسألها تقول: “شد عضلي.” ومرة شفتها وهي بتستخبى في المطبخ بترمي الأكل في كيس وهي فاكرة إني مش شايفاها.

القلق دخل قلبي، بس كنت بهرب منه. يمكن عشان خايفة من الحقيقة… أو خايفة من نفسي.

لحد ما جه يوم رجعت فيه من الشغل بدري.

دخلت الشقة لقيت الدنيا ساكتة بشكل غريب. مفيش صوت تلفزيون، مفيش صوت مريم بتضحك، حتى ريحة الأكل مكانتش موجودة. قلبي انقبض وأنا بمشي ناحية الصالة، وهناك شفت أمي قاعدة على الكنبة، جسمها متني لقدام، وإيديها الاتنين ماسكين بطنها.

بطنها كانت كبيرة.

كبيرة بشكل مرعب.

مش مجرد زيادة وزن… لأ، شكل واحدة حامل حرفيًا.

وقتها الدم اتجمد في عروقي. أنا لسه من شهور كنت حامل بمريم، وعارفة شكل الجسم وهو شايل سر جواه. عارفة الانتفاخ ده، والانحناءة دي، والطريقة اللي الست بتتحرك بيها وهي شايلة حمل.

بس أمي عدت الخمسين.

وأبويا ميت من سنين.

فضلت واقفة أبص لها وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس. هي أول ما شافتني قامت بسرعة وعدلت عبايتها، لكن الحركة نفسها كانت بطيئة ومتعبة. قربت منها وقلت بخوف: “مالك يا ماما؟”

قالت بسرعة: “مفيش يا حبيبتي، قولون بس.”

بس جسمها كان ساقع بطريقة غريبة. مش سقعة برد… سقعة موت.

بالليل حكيت لياسين. كنت مستنية منه يشاركني خوفي، لكنه اتعصب بشكل مفاجئ. قال لي بحدة: “إنتي بتقولي إيه؟ دي أمك!”

قلت له وأنا متوترة: “طيب ما تلاحظ! شكلها غريب… وبطنها…”

قاطعني بعصبية: “إنتي تعبتي نفسيًا من الشغل والبنت وخلاص.”

بس أنا ما كنتش مجنونة.

كل يوم كان الشك بيكبر جوايا أكتر.

أمي بقت تقفل باب الحمام بالمفتاح. بطلت تغير هدومها قدام أي حد. بقت تنزل البلكونة كل مغرب بالموبايل وتتكلم بصوت واطي وهي بتعيط. ساعات كنت أصحى بالليل ألاقيها قاعدة لوحدها في الضلمة، إيديها على بطنها، وسرحانة بشكل يوجع القلب.

وفي مرة دخلت أوضتي لقيتها واقفة جنب سرير مريم بسرعة غريبة كأنها كانت بتخبي حاجة. أول ما شافتني اتوترت وخرجت بسرعة.

استنيت لما ناموا كلهم، ورفعت المرتبة.

لقيت تحتها خيط أحمر مربوط بعقدة، وصورة قديمة مقصوصة من النص، ووصل مستشفى الاسم اللي عليه ممسوح.

الصورة كان ظاهر فيها طرف إيد راجل.

مش إيد أبويا.

وساعتها، لأول مرة، دخل الشك قلبي بشكل كامل.

بدأت أبص لأمي بنظرة عمري ما تخيلت إني أبصها بيها. بقيت أراقبها وهي ماشية، وهي قاعدة، وهي بتتكلم. بقيت أفسر كل حركة غلط. كل دمعة بقت اعتراف. كل سكوت بقى إدانة.

وكل ده كان بيخليني أكره نفسي أكتر.

بس الشك لما يدخل القلب، بياكل أي رحمة.

لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة.

كنت قاعدة في اجتماع مهم في الشركة، والموبايل بيرن مرة ورا مرة. تجاهلته في الأول، لكن لما لقيت الرسائل بتزيد فتحتها. كانت رسالة من ياسين: “تعالي البيت حالًا.”

بس.

من غير شرح.

قلبي وقع. قفلت اللاب بسرعة ونزلت أجري. الطريق كله كنت حاسة إني مخنوقة. كل السيناريوهات السودا كانت بتلف في دماغي. يمكن أمي تعبت. يمكن مريم حصل لها حاجة. يمكن… يمكن الحقيقة اللي أنا خايفة منها ظهرت.

وصلت البيت وفتحت الباب، لقيت سكون مرعب.

ياسين كان قاعد على الكنبة، وشه أبيض، وإيديه بترتعش.

صرخت فيه: “في إيه؟!”

ما ردش. بس شاور ناحية الحمام.

جريت.

ولما فتحت الباب، شفت أمي راكعة قدام التواليت، بترجع بعنف لدرجة إن جسمها كله كان بيتنفض. عبايتها مرفوعة شوية، وبطنها الكبيرة باينة بشكل واضح.

أول ما شافتني حاولت تغطي نفسها.

بس أنا فقدت أعصابي.

كل الخوف اللي جوايا اتحول لغضب.

صرخت فيها: “إنتي مخبية إيه؟!”

بصت لي بعينين مليانين وجع، بس ما كانش فيهم خوف. وده استفزني أكتر.

قلت لها بصوت حاد: “أبويا مات يا ماما! ولسه رماده ما بردش في قلبي… وتعملي كدة؟! في بيتي؟!”

ياسين حاول يهديني، لكني ما كنتش سامعة حد.

فضلت أتكلم… أجرح… أقول كلام عمري ما تخيلت أقدر أقوله لأمي.

قلت لها إنها جابت لنا العار. قلت لها إنها كانت بتمثل الحزن على أبويا. قلت لها إني بقيت مكسوفة أبص لها.

وهي؟

ولا كلمة دفاع.

بس حطت إيديها على بطنها، كأنها بتحمي حاجة غالية جدًا.

وبعدين قالت الجملة اللي لحد النهارده صوتها بيرن في ودني:

“لو عرفتي اللي جوه بطني يا ليلى… هتركعي تحت رجلي تطلبي السماح.”

الكلمة خلت الصالة كلها تسكت.

أنا وياسين بصينا لبعض، ومحدش فهم حاجة.

كنت متوقعة إنها أخيرًا هتعترف… تقول اسم راجل… تقول أي حاجة.

لكن بدل ده، قامت بالعافية، ومشيت ناحية أوضتها، وقفلت الباب عليها.

ومن اليوم ده، كل حاجة بقت أسوأ.

أمي بقت أضعف كل يوم. كانت تمشي بالعافية. تنهج من أقل مجهود. وفي الليل كنت أسمع صوت بكاها المكتوم وهي فاكرة إننا نايمين.

ورغم كل ده، الكرامة ما فارقتهاش.

ولا مرة حاولت تبرر نفسها.

ولا مرة قالت لي الحقيقة.

وده كان بيقتلني.

في ليلة، صحيت على صوت حركة في الصالة. خرجت بهدوء، لقيت أمي لابسة عبايتها وبتحاول تفتح باب الشقة.

قلت لها بخضة: “رايحة فين؟!”

اتوترت، وقالت بسرعة: “مشوار صغير.”

بصيت للساعة… كانت تلاتة الفجر.

قلت لها بعصبية: “إنتي مش طبيعية؟!”

لكنها خرجت فعلًا.

وساعتها حصل اللي غيّر كل حاجة.

كنت مركبة كاميرا صغيرة في الصالة عشان مريم، عشان وأنا في الشغل أتابعها من الموبايل.

بعد ما أمي خرجت، فتحت التطبيق وأنا قلبي بيرتعش.

استنيت.

بعد حوالي ساعة، باب الشقة اتفتح.

أمي دخلت… وكانت بتتسند على الحيطة من التعب.

لكن اللي دخل وراها هو اللي خلاني الدم يتجمد في عروقي.

كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مرهق. كان ماسك دراعها يساعدها تمشي.

وقتها حسيت إن كل شكوكي كانت صح.

قعدت أبص للشاشة وأنا حرفيًا مش حاسة بنفسي.

الراجل دخل معاها الصالة، وقعدها بهدوء على الكنبة.

وبعدين… ركع قدامها.

وأنا مستنية أي اعتراف أو خيانة أو فضيحة…

سمعته بيعيط.

بيعيط زي الأطفال.

وقال لها بصوت متكسر:

“سامحيني يا أختي… سامحيني إني خليتك تشيلي الحمل ده لوحدك كل السنين دي.”

اتجمدت.

أختي؟

فضلت أبص للشاشة بعدم فهم، وأمي كانت بتبكي هي كمان. وبعدها بدأت تتكلم.

وهنا عرفت الحقيقة اللي كسرتني.

الراجل ده ما كانش حبيبها.

كان أخوها.

أخوها اللي العيلة كلها قالت زمان إنه مات وهو صغير.

لكن الحقيقة إنه ما ماتش.

كان مريض مرض خطير جدًا، والعيلة وقتها خافت من كلام الناس، فخبوه سنين طويلة في مكان بعيد. وأمي هي الوحيدة اللي كانت تعرف إنه عايش، وكانت بتروح له سرًا كل فترة تبعت له فلوس وأكل وتعتني بيه.

أما بطنها؟

ما كانتش حمل.

كانت ورم.

ورم ضخم في الكبد والبطن، وكانت رافضة تروح المستشفى لأنها عارفة إنها في مرحلة متأخرة.

كل الوجع اللي شوفته… كل التعب… كل القيء… كان مرض.

مرض وهي مخبياه عشان “ما تتعبنيش.”

وقتها حسيت إن روحي بتتسحب مني.

افتكرت كل كلمة قولتها لها.

كل نظرة شك.

كل مرة بصيت لبطنها بقرف بدل خوف.

وقعت مني الموبايل، وقعدت على الأرض أعيط بشكل هستيري.

أنا ما كنتش بنتها وقتها… كنت جلادها.

تاني يوم، واجهتها وأنا منهارة.

أول ما شافتني عرفت إني عرفت الحقيقة.

ما سألتش إزاي.

بس بصت لي بنفس النظرة الهادية اللي عمرها ما اتغيرت.

وأنا؟

ركعت فعلًا.

حضنت رجليها وأنا بعيط وأقول لها تسامحني.

لكن أكتر حاجة كسرتني إنها ما زعلتش مني.

كانت بتمسح على شعري وتقول:

“إنتي خفتي يا بنتي… والخوف بيخلينا نظلم.”

ومن بعدها، حياتنا كلها اتغيرت.

دخلناها المستشفى غصب عنها. التحاليل أكدت إن الورم متأخر فعلًا. والدكاترة قالوا إن الوقت محدود.

بس رغم كدة، أمي لأول مرة بطلت تستخبى.

بقت تقعد مع مريم بالساعات وتحكي لها حواديت. بقت تضحك أكتر. حتى ياسين بقى متعلق بيها بشكل غريب.

أما أنا… فكنت بصحى كل يوم على إحساس واحد:

الذنب.

فضلت شهور أحاول أعوضها عن كل لحظة ظلمتها فيها. كنت أطبخ لها، أسرّح شعرها، أنام جنبها لما تتعب، وأمسك إيديها وهي نايمة.

وفي ليلة هادية، وهي نايمة جنبي، قالت لي فجأة:

“أوعى يوم تشكي في اللي بتحبيه بسهولة يا ليلى… الشك وحش.”

الكلمة دخلت قلبي زي السكينة.

لأنها كانت عارفة إن الجرح الحقيقي مش المرض.

الجرح الحقيقي كان نظرتي لها.

بعدها بأسابيع، أمي تعبت جدًا.

وفي آخر يوم، كانت ماسكة إيدي وإيد مريم.

بصت لي بابتسامة ضعيفة وقالت:

“خلي بالك من نفسك… ومن قلبك.”

وبعدين سكتت.

السكون اللي بعدها كان أبشع صوت سمعته في حياتي.

عدى وقت طويل على اللي حصل، لكن لحد النهارده، كل ما أبص للكاميرا اللي كنت مركباها في الصالة أحس بغصة.

الكاميرا دي كشفت الحقيقة فعلًا…

لكن قبل ما تكشف حقيقة أمي، كشفت حقيقة أسوأ بكتير.

كشفت قد إيه الإنسان ممكن يظلم أقرب الناس له لما يسيب الخوف والشك ياكلوا قلبه.

وأصعب حاجة إني مهما اعتذرت، ومهما عيطت، عمري ما هقدر أمسح النظرة اللي بصيتهالها يوم ما افتكرت إنها جابت العار لبيتي… وهي في الحقيقة كانت بتموت في صمت عشان تحميني من الوجع.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي