ضربتني أخت زوجي بالقلم أمام الناس.. ولما حاولت أرد كرامتي كانت صدمة زوجي أقسى من الإهانة

ضربتني أخت زوجي بالقلم أمام الناس.. ولما حاولت أرد كرامتي كانت صدمة زوجي أقسى من الإهانة


ضربتني أخت زوجي بالقلم أمام الناس.. ولما حاولت أرد كرامتي كانت صدمة زوجي أقسى من الإهانة

لم أكن أتخيل أن ليلة فرح عادية، خرجت إليها وأنا أرتدي فستاني البسيط وأحاول أن أكون مثل أي زوجة محترمة وسط عائلة زوجها، ستتحول إلى الليلة التي ينكسر فيها شيء كبير داخلي. لم أكن أتخيل أن الإهانة لا تأتي دائمًا من الغريب، ولا أن الضربة التي تؤلم أكثر ليست بالضرورة الضربة التي تنزل على الوجه، بل التي تأتي من أقرب شخص كنت تظنين أنه سندك وحمايتك. كل شيء بدأ أمام الناس، وسط الزغاريد والضحك وصوت الأغاني وازدحام الفرح، وانتهى بداخلي بصمت طويل لم أعد بعده نفس سمر التي كانت تسامح وتعدي وتقول: “معلش عشان خاطر البيت يمشي”.

أنا اسمي سمر، عندي ستة وعشرين سنة، ومتزوجة من كريم منذ سنتين. زواجنا كان في البداية جواز صالونات، مثل كثير من الزيجات في بلدنا، لكن مع الوقت ارتحنا لبعض، وبدأ بيننا ود وحب، أو على الأقل هذا ما كنت أصدقه. كنت أرى في كريم رجلًا هادئًا، طيب القلب، لا يحب المشاكل، وكنت أقول لنفسي إن الهدوء نعمة، وإن الحياة لا تحتاج أكثر من رجل يستر زوجته ويحافظ عليها. دخلت بيته وأنا بلا طلبات كبيرة، لا أريد غير الاحترام والستر وراحة البال. كنت أمشي بجانب الحائط، أراعي أمه وأقاربه، وأقول دائمًا: “البيت لا يبنى بالعند، البيت يحتاج صبر”. لكنني لم أكن أعرف أن الصبر أحيانًا يتحول إلى باب يدخل منه الآخرون ليدوسوا على كرامتك.

من أول يوم دخلت فيه عائلة كريم، كانت شيماء، أخته الكبرى، هي الغصة التي لا تنزل. لم تعاملني يومًا كزوجة أخيها، بل كأنني امرأة خطفت منها شيئًا يخصها. كانت تنظر إليّ بنظرات مليئة بالغيرة والرفض، وتلتقط كل كلمة وكل تصرف لتصنع منه مشكلة. إن ابتسمت قالت إنني أتصنع الطيبة، وإن سكت قالت إنني متكبرة، وإن ساعدت في البيت قالت إنني أريد أن أثبت أنني أفضل منها. كنت أعرف من الكلام المتناثر أن شيماء كانت تريد تزويج كريم لصديقة لها، وربما رأت فيّ أنا السبب الذي أفسد خطتها، لكنها مهما كانت غاضبة لم يكن ذلك مبررًا لكل ما فعلته بي. كنت أتحمل كثيرًا، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني كنت أحاول حماية بيتي من نار لا تنطفئ.

حماتي كانت امرأة طيبة في الأصل، قلبها أبيض، لكنها ضعيفة أمام ابنتها. كانت شيماء تعرف كيف تقلب الكلام وتصور نفسها مظلومة، وتدخل كل زيارة بابتسامة صفراء، ثم تخرج وقد تركت وراءها نارًا صغيرة بيني وبين أهل البيت. أحيانًا كانت تلمح على لبسي، وأحيانًا على أكلي، وأحيانًا على طريقة كلامي، وأنا أبتلع الإهانة وأقول: “بكرة تهدى، بكرة تفهم إنني لست عدوة لها”. كان كريم عندما أشتكي له يقول: “كبري دماغك يا سمر، هي طبعها كده”، وكأن طبع الناس قدر علينا أن نتحمله بلا نهاية. لم أكن أريد أن أكون الزوجة التي تملأ رأس زوجها بالمشاكل، فصمتُّ كثيرًا، وعدّيت كثيرًا، حتى جاء اليوم الذي علمني أن من يسكت عن حقه مرة، يفتح الباب لمن يهينه ألف مرة.

كان ذلك اليوم يوم فرح بنت عمة كريم. في قريتنا، الأفراح ليست مجرد مناسبة، بل تجمع كبير للعائلة والجيران والمعارف، والكل يرى الكل، والهمس ينتشر أسرع من النار. الفرح كان مقامًا أمام البيت، والكراسي مرصوصة في الشارع الواسع، والأنوار معلقة فوق الرؤوس، والأطفال يجرون في كل اتجاه. عندما وصلت مع كريم، لم أحب أن أقف كضيفة لا تفعل شيئًا، فدخلت وسط نساء العائلة وبدأت أساعد. حملت صينية العصير والشربات، وبدأت أوزع على المعازيم بابتسامة هادئة. كنت أريد أن أظهر بمظهر الزوجة المحترمة التي تقف مع أهل زوجها في مناسباتهم، وكنت أظن أن هذا سيجعلهم يقدرونني أكثر، لكنني لم أكن أعرف أن شيماء كانت تنتظر أي فرصة، ولو صغيرة، لتجعلني مادة للفرجة.

كنت أمشي بالصينية بين الكراسي بحذر، وفجأة وأنا أمر بجانب الطاولة التي تجلس عندها شيماء، جاءت ابنتها الصغيرة تجري وتتنطط، فاصطدمت بظهري من غير قصد. اهتزت الصينية في يدي، وانسكبت بعض أكواب العصير على فستان الطفلة. الأمر كان بسيطًا ويمكن إصلاحه في دقائق، فالأطفال يتحركون كثيرًا، والحوادث الصغيرة تحدث في أي فرح. لكن شيماء لم ترَ الأمر بهذه البساطة. قامت من مكانها كأن نارًا اشتعلت في صدرها، وبدأت تصرخ أمام الجميع: “إنتي غبية؟ مش تفتحي؟”. شعرت حينها بأن وجهي اشتعل من الخجل، ليس لأنني أخطأت، بل لأن العيون كلها اتجهت نحوي في لحظة واحدة.

حاولت أن أهدئ الموقف، فاقتربت منها وقلت بصوت منخفض: “حصل خير يا شيماء، البنت خبطت فيا من غير قصد، هاتيها أدخل معاها الحمام ننضف الفستان ومفيش حاجة تستاهل”. كنت أتكلم برجاء، وأحاول أن أدفن الموقف قبل أن يكبر، لكنها كانت مصممة على الفضيحة. رفعت صوتها أكثر وقالت: “هو إيه اللي حصل خير؟ الفستان ده أغلى من العباية اللي إنتي فرحانة بيها دي. لما إنتي مش قد شيل العصير ومبتعرفيش تتحركي، عاملة نفسك ست واجب وبتساعدي ليه؟”. لم تكن الكلمات مجرد عتاب، كانت إهانة مقصودة، مصوبة بدقة إلى قلبي وكرامتي، أمام نساء العائلة والغرباء وكل من كان يجلس قريبًا.

حاولت أن أبتلع الوجع، ونظرت حولي فوجدت العيون ثابتة علينا. بعض النساء ينظرن بشفقة، وبعضهن بفضول، وبعضهن ينتظرن ماذا سأفعل. اعتذرت مرة أخرى رغم أنني لم أكن مخطئة، فقط لأغلق باب الكلام، لكن شيماء تمادت. نظرت إلى حذائي وقالت بسخرية جارحة: “إنتي لابسة كعب عالي ليه؟ واحدة زيك تلبس شبشب حمام عشان تعرف تمشي بيه”. في تلك اللحظة شعرت أن دمي يغلي. لم تعد المسألة فستانًا أو عصيرًا، بل إهانة متعمدة لامرأة حاولت طوال سنتين أن تحفظ الود. رفعت صوتي لأول مرة وقلت لها: “اتلمي بقى يا شيماء، بنتك هي اللي خبطت فيا، وأنا مغلطتش فيكي”.

لم تمهلني ثانية. رفعت يدها فجأة ونزلت على وجهي بقلم سمع صوته كل من حولنا. توقف كل شيء. كأن الفرح انقطع من المنتصف. شهقت النساء، والتفت الرجال، وسكت الأطفال لحظة. أما أنا، فشعرت أن الدنيا اسودت في عيني. لم يكن الألم في خدي، رغم أن حرارته اشتعلت، لكن الألم الحقيقي كان في أن كرامتي ضُربت أمام الناس. لا أعرف كيف رفعت يدي، ولا كيف تحرك جسدي نحوها، لكنني وجدت نفسي أريد أن أرد القلم، أن أقول للعالم إنني لست بلا قيمة، وإن اليد التي امتدت عليّ يجب أن تعرف أنني لست ضعيفة.

وقبل أن ألمسها، جاء كريم مسرعًا ومسك يدي بكل قوته. قبض على معصمي كأنه يمنعني من جريمة، لا من استرداد حقي. نظرت إليه والدموع تنزل من عيني وقلت: “سيب إيدي، دي ضربتني بالقلم قدام الكل”. كنت أنتظر منه أن يلتفت إلى أخته، أن يصرخ فيها، أن يقول لها إن زوجته ليست مباحة، أن يقف أمام الناس ويعيد لي جزءًا من حقي. لكنه قال بصوت منخفض: “خلاص حصل خير، مينفعش تضربي أختي الكبيرة وأنا واقف”. عندها شعرت أن القلم الثاني نزل على قلبي، لا على وجهي. سألته وأنا أرتجف: “هو ينفع أنا أضرب وأتهان وإنت واقف ومبتعملش حاجة؟”.

قال لي بهدوء بارد: “معلش، أنا مش هسكت، بس نروح البيت وهجبلك حقك”. لم أصدق ما أسمعه. حقي الذي ضاع أمام الناس يريد أن يأتيني في البيت، في السر، بعيدًا عن العيون التي رأت إهانتي. قلت له بصوت أعلى: “لا، حقي يتجاب هنا، زي ما ضربتني قدام الكل، هرد لها قدام الكل”. حاولت أن أفلت يدي، لكنه شد عليها أكثر حتى شعرت أن عروقي ستتقطع. ثم اقترب من أذني، وهمس بالكلمة التي قطمت ظهري: “عليّا الطلاق لو لمستيها لتكوني طالق”. توقفت. لم أعد أسمع صوت الفرح ولا همس الناس. لم أعد أرى إلا وجه كريم، الرجل الذي ظننته سندي، وهو يضع بيتي في كفة، وكرامتي في كفة أخرى، ثم يطلب مني أن أختار وأنا مكسورة أمام الجميع.

كانت شيماء تقف خلفه بابتسامة انتصار لا أنساها. ابتسامة تقول بلا كلام: “شفتي؟ لا قيمة لكِ عنده”. في تلك اللحظة نزلت يدي ببطء. لم أكن خائفة من الطلاق، لكنني كنت مصدومة من السهولة التي استخدم بها كريم الكلمة ضدي، لا لحمايتي. شعرت أنني لو رددت القلم سأخرج من الفرح مطلقة وفضيحتي على كل لسان، ولو سكت سأخرج وأنا أحمل إهانة لن تموت. نظرت إليه وقلت بصوت مخنوق: “ماشي يا كريم، طلاقك غالي عندك أوي، بس كرامتي طلعت أرخص حاجة في حياتك”. ثم سحبت يدي من قبضته، ولففت ظهري للجميع، ومشيت.

مشيت وسط الناس ونظراتهم تلتهمني. بعضهم كان يشفق عليّ، وبعضهم كان يهمس، وبعضهم اكتفى بالصمت الذي يوجع أكثر من الكلام. شعرت أن فستاني تحول إلى كفن، وأن كل خطوة آخذها تحمل فوقها ثقل سنتين من الصبر المهدور. خرجت من الفرح وأنا أبكي، ثم خلعت الكعب العالي الذي عايرتني به شيماء، وحملته في يدي، ومشيت حافية في شوارع البلد. لم أكن أشعر بالحجارة تحت قدمي، لأن الألم في داخلي كان أكبر من أي وجع خارجي. وصلت شقتي وأنا منهارة، أغلقت الباب خلفي، وسقطت على الأرض كأن روحي خرجت مني.

بكيت كما لم أبكِ من قبل. لم أبكِ من القلم، بل من كريم. من الرجل الذي كان يجب أن يكون درعي، فإذا به يصبح السور الذي احتمت خلفه شيماء. جلست على الأرض، أضع يدي على خدي، وأعيد المشهد في رأسي مرة بعد مرة. هل كنت أستحق هذا؟ هل كل صبري وتحملي انتهى بأن أُضرب أمام الناس ثم أُهدد بالطلاق إن دافعت عن نفسي؟ بعد حوالي ساعة، دخل كريم. لم يدخل معتذرًا كما توقعت، بل دخل غاضبًا، وقال: “إيه اللي إنتي عملتيه في الفرح ده؟ فضحتينا كأننا في مأتم. إزاي تمشي وتسيبيني هناك وسط قرايبي؟”.

وقفت أمامه، وكان في داخلي ثبات غريب. قلت له: “أنا اللي فضحتك؟ ولا أختك اللي ضربتني بالقلم قدام الناس؟ وإنت بدل ما تجيب حق مراتك، حميتها وحلفت عليا بالطلاق؟”. رد بعصبية: “دي أختي الكبيرة، ومكنش ينفع تمدي إيدك عليها قدام الناس وتهزي صورتي وصورة عيلتي”. ضحكت ضحكة مكسورة وقلت: “وصورتي أنا؟ كرامتي أنا؟ ولا دول مش محسوبين؟”. حاول بعدها أن يلين كلامه، قال إنه كان يريد تهدئة الموقف، وإنه سيراضيني، وإنه سيأخذ موقفًا من شيماء، لكن كل كلمة كانت تصل متأخرة. هناك أشياء إذا انكسرت لا يلحمها الاعتذار بسهولة.

نمت تلك الليلة في الصالة، لا أريد أن أنام بجانبه، ولا أريد أن أسمع تبريراته. كان قلبي باردًا وخائفًا في الوقت نفسه. أدركت أن المشكلة لم تعد في شيماء وحدها، بل في كريم الذي أثبت لي أنه قد يتركني وحدي في أصعب لحظة. مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة. أصبح الكلام بيننا قليلًا، والضحك الذي كان يملأ البيت اختفى. كنت أؤدي واجباتي كزوجة، لكنه لم يعد يشعرني بالأمان. كلما نظرت إليه تذكرت يده وهي تمسك يدي لتمنعني، وتذكرت همسه بالطلاق، وتذكرت شيماء وهي تبتسم خلفه. أما شيماء، فحين علمت أنني انكسرت، زاد غرورها، وصارت تتحدث بصوت أعلى، كأنها ربحت معركة كانت تنتظرها منذ دخولي البيت.

لكن الدنيا لا تظل على حالها، والظلم مهما طال، له يوم يرجع فيه لصاحبه. بعد ثلاثة أشهر من تلك الواقعة، حدث ما لم يتوقعه أحد. بدأت مشاكل كبيرة بين شيماء وزوجها، وهو في الأصل صديق كريم. انكشفت أمور كثيرة كانت تخفيها، وظهر أنها كانت توقع بينه وبين أهله، وتأخذ من ماله من وراء ظهره، وتدير البيت بعناد وكذب ومكائد. كبرت الخلافات حتى انفجرت في يوم واحد أمام الجيران. طردها زوجها من البيت بملابسها، وطلقها أمام الناس، ورجعت إلى بيت أهلها مكسورة، عينها في الأرض، والبلد كلها تتكلم عنها. لم أفرح في مصيبتها، لكنني شعرت أن الحياة أعطتها درسًا قاسيًا من نفس الكأس الذي سقتني منه.

في ذلك اليوم، دخل كريم عليّ وهو لا يستطيع رفع عينيه. قال بصوت منخفض: “سمر، شيماء اتطلقت واتطردت، الدنيا دارت عليها وجابت حقك”. نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء: “ربنا ما بيسيبش حق حد يا كريم، بس الفرق إن جوزها لما حس إنها غلطت في حقه وحق أهله أخد موقف، أما إنت يوم ما أنا اتضربت قدام الناس، بعتني وكسرتني عشان خاطرها”. لم يجد ردًا. جلس أمامي، ودموعه في عينيه، وقال إنه ندمان، وإنه فهم متأخرًا أن ما فعله كان ظلمًا، وإنه مستعد يعمل أي شيء ليعيد ثقتي فيه. كان يبكي بصدق، لكنني كنت أعرف أن البكاء لا يمحو المشهد من الذاكرة.

قررت أن أكمل حياتي معه، لا لأنني نسيت، ولا لأن الجرح اختفى، بل لأنني رأيت الندم في عينيه، ولأنني أردت أن أعطي بيتي فرصة أخيرة. لكنني لم أعد سمر القديمة التي تسكت خوفًا من زعل أحد. تعلمت أن الكرامة ليست رفاهية، وأن الزوجة التي تدخل بيتًا جديدًا لا تترك كرامتها على الباب. تعلمت أن السكوت الطويل لا يصنع السلام دائمًا، بل أحيانًا يصنع وحشًا يتمادى. أما شيماء، فقد أصبحت تمشي في البلد بعين منكسرة، بعدما كانت ترفع رأسها على الناس. لم أحتج أن أرد لها القلم، لأن الحياة ردته عنها بطريقة أقسى. ومع ذلك، بقي الدرس الأهم في قلبي: الإهانة من الغريب تؤلم، لكن الإهانة حين يسمح بها القريب تترك علامة لا تزول بسهولة، وكلمة “آسف” مهما كانت صاد

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان