حكاية مروان على سفرة العيلة: لما حاولوا يكسروه فخرج رافع راسه
«الواد ده ملوش مكان وسطنا، وميقعدش على ترابيزة واحدة معانا».. قالتها الحاجة فاطمة وهي مبتسمة ابتسامة باردة، ابتسامة من النوع اللي يخلّي الكلمة تطلع كأنها دعابة خفيفة، لكن طعنتها توصل للقلب من غير ما تعمل صوت. كانت قاعدة على رأس السفرة، وسط صالة واسعة في بيت عيلة الشناوي بمصر الجديدة، حواليها شموع وكاسات كريستال وأطباق غالية ومناديل قماش مطرزة، كأننا داخلين مش عزومة عائلية، لكن امتحان طويل معمول مخصوص عشان يثبتوا فيه إننا أقل منهم. محدش ضحك بعد جملتها، بس كمان محدش اعترض، وده كان أوجع من الإهانة نفسها، لأن السكوت ساعات بيبقى مشاركة، والنظرات اللي اتنقلت بين الموجودين قالت كل حاجة من غير صوت. أنا كنت قاعد جنب ابني مروان، عنده عشر سنين، لابس جاكيت كحلي شيك كنت مختارهوله بنفسي عشان يظهر في أحسن صورة قدام ناس المفروض يكونوا أهل مراتي المستقبلية، لكن من أول دقيقة دخلنا فيها البيت حسيت إن الباب اتفتح لنا بالأدب، إنما القلوب كانت مقفولة بالقفل والمفتاح.
لمياء، خطيبتي، كانت هي اللي مصممة على العزومة دي. قالت لي قبلها بأيام وهي بتترجاني: «عشان خاطري يا حسن، لازم أهلي يتقبلوك ويشوفوا إننا عيلة واحدة». وأنا صدقتها، أو يمكن كنت محتاج أصدقها، لأن الواحد لما بيحب بيحاول يلاقي باب أمل حتى لو الباب مرسوم على حيطة. مروان كان قاعد مؤدب كالعادة، عيل هادي وفي حاله، من النوع اللي يستأذن قبل ما يمد إيده على طبق، ويقول شكراً حتى لو اللي قدامه ما يستاهلش، ويبتسم بخجل لما حد يكلمه. كنت باصص له وأنا حاسس بالفخر والخوف في نفس الوقت؛ فخر إن عندي ابن متربي وحنين، وخوف من قسوة ناس شايفين الأدب ضعف، والهدوء نقص، والاختلاف عيب لازم يتعاقب صاحبه عليه. وعلى الناحية التانية كانت قاعدة فريدة، بنت لمياء، عندها تلاتاشر سنة، وشها قدام الكبار بريء وناعم كأنها ملاك، لكن عينيها وهي تبص لمروان كانت مليانة تعالي وسُم مكتوم.
الحاجة فاطمة طول القعدة ما بطلتش أسئلة. كانت بتسأل مروان بابتسامة صفرا: «أنت في مدرسة إيه يا حبيبي؟» وبعدها: «عمرك عملت مشكلة في المدرسة؟» وبعدين: «بابا بيسيبك لوحدك كتير عشان الشغل؟». كل سؤال كان معمول بحساب، ظاهره اهتمام وجوهره كمين، كأنها بتحاول تطلع من الطفل أي كلمة تستخدمها بعدين ضده أو ضدي. كنت حاسس بجسمي بيتخشب من الضيق، ولمياء قاعدة جنبي تضغط على إيدي من تحت السفرة كل شوية، تهمس لي بصوت واطي: «عديها عشان خاطري يا حسن». بس أنا مكنتش قادر أعدي، مش عشان كرامتي أنا، لكن عشان ابني اللي كان قاعد فاهم نص اللي بيحصل وساكت، والسكوت في السن ده بيعلّم الطفل حاجتين: يا إما يصدق إنه قليل، يا إما يشيل الوجع جواه لحد ما يكبر ويبقى حجر. وأنا ما كنتش عايز مروان يطلع من البيت ده وهو شايف نفسه أقل من حد.
العشاء كان فاخر بطريقة مستفزة؛ بط محمر، محاشي، موزة، أطباق بتبرق، وكلام كتير عن السفر والفلوس والعيلة والأصول، وكأن الأصول عندهم كانت في الفضة والكريستال مش في الرحمة والذوق. خالد، أخو لمياء، كان بيتكلم بصوت عالي طول الوقت، يرمي تلميحات عن إن الجواز مش بس حب، وإن العائلات لازم تبقى شبه بعضها، والحاجة فاطمة تهز راسها كأنها بتوافقه من غير ما تبصلي مباشرة. أما فريدة، فكانت ساكتة أغلب الوقت، لكنها ساكتة سكوت اللي مستني دوره في المسرحية. كل شوية تبص لمروان وتبتسم ابتسامة صغيرة، ومروان يبعد عينه عنها ويرجع يبص في طبقه. كنت شايف ابني بيتقلص قدامي، وكنت ماسك نفسي بالعافية لأن لمياء كانت بالنسبالي آخر أمل إن البيت ده يلين، وإن القعدة تعدي من غير فضيحة. لكن الظاهر إنهم ما كانواش عايزين القعدة تعدي، هم كانوا مجهزينها عشان تحصل فيها حاجة.
بعد الأكل، لما بدأوا يقدموا الحلو، قامت فريدة من مكانها بهدوء. عملت نفسها بتدور على علبة المناديل، ومشت من ورا الكراسي بخفة غريبة على طفلة في سنها. أنا عيني كانت عليها من غير ما أحرك راسي، يمكن لأن قلبي كان حاسس إن في حاجة مش مظبوطة، أو لأن الحركة كلها كانت متدربة زيادة عن اللزوم. قربت من ظهر مروان وهو كان لاهي بيتفرج على خالد وهو بيقطع تورتة الشوكولاتة، وفجأة لمحت إيدها وهي بتمد بسرعة في جيب جاكيت ابني. الحركة كانت خاطفة، دقيقة، محسوبة، كأنها اتعملت قبل كده أو اتعلمت كويس. مروان حس بحاجة والتفت وراه باستغراب، لكنها كانت خلاص رجعت مكانها بوش ثابت، لا ارتباك ولا خوف، مجرد برود يخوف. ساعتها دمي غلي في عروقي، وحسيت كأن حد ولع نار تحت جلدي، لكني خدت نفس طويل وحطيت إيدي على كتف مروان وقلت له بهدوء: «قوم معايا يا بطل، تعالي ندور على بخاخة الحساسية بتاعتك في الشنطة اللي برا عند الباب».
مروان بصلي باستغراب وقال: «بس أنا كويس يا بابا ومش تعبان». شددت على كتفه بحنية وقلت: «اسمع الكلام وقوم معايا بس». خرجنا للطرقة بعيد عن عيونهم، ونزلت على ركبتي قدامه ومديت إيدي جوه جيب الجاكيت. صوابعي لمست حاجة ناشفة ومعدن، ولما طلعتها لقيته خاتم الحاجة فاطمة، الخاتم الألماظ اللي كانت طول السهرة بتتباهى بيه وتوريه لكل اللي قاعدين، وتقول بفخر: «ده ورثاه عن والدتي الله يرحمها، ومتشل لفريدة لما تكبر». وش مروان اتخطف في لحظة، وبقى أبيض من الخوف، عينه اتملت دموع وهو بيهمس: «والله يا بابا ما خدت حاجة.. أنا حرامي؟». الكلمة كسرتني من جوه. حضنته بسرعة وقلت له وأنا بحاول أثبت صوتي: «عارف يا حبيبي، والله عارف. أنا شوفتها بعيني وهي بتحط الخاتم في جيبك». لكنه ما عيطش، وده كان أوجع من العياط، لأن ابني فهم بدري قوي إن قدام الناس دي دموعه مش هتجيب رحمة، هتديهم سلاح جديد يدوسوا عليه بيه.
في اللحظة دي كل حاجة اتجمعت في دماغي. الأسئلة اللي من أول القعدة، النظرات، تعليقات خالد، برود الحاجة فاطمة، حركة فريدة الدقيقة، كل ده ما كانش صدفة. هم ما دعوناش عشان يتعرفوا علينا، ولا عشان يقربوا مني ومن ابني، ولا عشان يثبتوا إننا عيلة واحدة. هم كانوا عاملين العزومة دي عشان يطلعونا منها مكسورين، عشان يثبتوا لبعض إن حسن وابنه مروان مش من مستواهم، وإن الولد الصغير ده ممكن بكل سهولة يتلزق فيه اتهام يفضل عايش معاه العمر كله. لو دخلت الصالة في اللحظة دي وصرخت واتهمت فريدة، كانوا هيقلبوا الترابيزة عليا. كانوا هيقولوا إنها طفلة، وإنها يمكن لقت الخاتم، وإن مروان هو اللي اتلخبط، وإن أنا راجل حساس زيادة وعندي عقدة نقص. عشان كده هديت نفسي، مسحت على شعر مروان، وطلعت البخاخة من الشنطة عشان نرجع بشكل طبيعي، وأنا في دماغي قرار واضح: اللي بدأ اللعبة لازم يخسرها بنفس قواعده.
رجعنا السفرة وكأن مفيش حاجة حصلت. مروان كان ماسك إيدي جامد، وأنا كنت حاسس برجفته الصغيرة وهي طالعة من كفه لقلبي. قعدته جنبي وابتسمت ابتسامة هادية، وفضلت أراقبهم. شنطة فريدة الصغيرة كانت معلقة على ضهر كرسيها، السوستة مقفولة نص قفلة، والحاجة فاطمة قامت فجأة تنادي على الشغالة عشان تجيب القهوة. كل العيون اتجهت ناحية المطبخ، ودي كانت اللحظة اللي كنت مستنيها. قمت بهدوء، عملت نفسي بوطي أجيب شوكة وقعت مني، ومريت من ورا كرسي فريدة، وبخفة وسرعة زقيت الخاتم في الجيب الجانبي لشنطتها. رجعت مكاني وأنا قلبي بيدق، مش خوف، لكن غضب ووجع. أنا ما كنتش بسرق، أنا كنت برجع الفخ لصاحبه. كنت بعلمهم إن كرامة طفل مش لعبة، وإن اللي يمد إيده على براءة ابني لازم يشوف نتيجة عمله بعينه.
بعد حوالي نص ساعة، الحاجة فاطمة رفعت إيدها تبص في صوابعها، وفجأة صرخت صرخة خلت الصالة كلها تتجمد: «يا مصيبتي! خاتمي الألماظ مش في إيدي! البيت مقفول ومحدش هيتحرك من مكانه». الدنيا اتقلبت في ثانية. خالد قام وقف عند الباب وقفله بالمفتاح، ووش لمياء جاب ألوان، وفريدة بصت لأمها بسرعة وبعدين بصت للأرض. الحاجة فاطمة بدأت تلف بعينيها على الموجودين، وبعدين قالت بصوت عالي وهي باصة ناحية مروان: «الخاتم كان في إيدي قبل ما أقف، ومحدش غريب دخل البيت النهارده غير…» وسابت الكلمة واقفة في الهوا، لكنها كانت واضحة كفاية. مروان كش في نفسه وضغط على إيدي، وأنا حسيت إن اللحظة اللي كنت مستنيها وصلت. بصيت للحاجة فاطمة بهدوء وقلت: «جرى إيه يا حاجة؟ لمي الدور وبلاش تلميحات. لو شاكة في حاجة فتشينا كلنا، وابدئي بيا وبابني. بس لو ما لقيتيش حاجة، يبقى ليا تصرف تاني خالص».
خالد قرب بغشم من مروان وقال: «وهنفتش طبعاً، وريني كده جيوب الجاكيت يا شاطر». كنت همسك إيده وأكسرها من الغضب، لكني سبت المشهد يكمل للنهاية، لأنهم لازم يشوفوا قبحهم كامل. فتش جاكيت مروان بحقد، قلب الجيوب، بص في البطانة، ملقاش حاجة. فتشني أنا، وفتش لمياء، وفتشوا حوالي السفرة، ولا أثر للخاتم. ملامحهم بدأت تتغير، والثقة اللي كانت مالية وشوشهم اتبدلت بتوتر وارتباك. الحاجة فاطمة بدأت تفرك في إيدها وتقول: «هيكون راح فين؟ ده فص ألماظ حر، ده شقى عمري». هنا ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت بهدوء مستفز: «مش يمكن يا حاجة وقع في شنطة فريدة؟ أصلها كانت قاعدة جنبك وبتتحرك كتير. فتشوا الشنط كده عشان نقطع الشك باليقين». أول ما قلت اسم فريدة، وش البنت اتغير كأن حد صب عليه مية ساقعة، وصرخت بسرعة: «لأ طبعاً! أنا مش حرامية! الخاتم مش معايا!».
رد فعلها كان أسرع من الطبيعي، أسرع من رد فعل شخص بريء. لمياء، من كتر توترها وفضولها، خطفت الشنطة من إيد فريدة قبل ما حد يفكر، فتحت السوستة وقلبت الشنطة على السفرة. في لحظة واحدة نزلت حاجات كتير: توكة شعر، مرآة صغيرة، مناديل، قلم، وبعدهم الخاتم الألماظ وقع بصوت واضح وسط الملاعق والكاسات، ولمع تحت ضوء الشموع كأنه شاهد واقف في المحكمة. الصالة كلها سكتت. سكوت تقيل، مرعب، أكن على رؤوسهم الطير. الحاجة فاطمة فتحت بوقها وبصت لحفيدتها الملاك، وخالد نزل عينه في الأرض لأول مرة من بداية الليلة، أما فريدة فبدأت ترتعش، ودموع الخوف والفضيحة نزلت من عينيها وهي بتقول: «والله.. والله ما أخدته.. أنا حطيته في…» وسكتت فجأة، لأنها لو كملت هتعترف بالحقيقة كلها، هتعترف إنها كانت عايزة تلزقها في مروان، وإن المسرحية انقلبت عليها.
لمياء بصت لي بنظرة مكسورة، كأنها فهمت كل حاجة في نفس اللحظة، أو كأنها كانت عارفة من الأول بس كانت بتراهن إن الموضوع يعدي من غير ما ينكشف. الحاجة فاطمة فقدت صوتها، وكل الكبرياء اللي كانت قاعدة بيه على رأس السفرة وقع منها قدامنا. أنا قمت من مكاني بهدوء، مسكت إيد مروان، ووقفت وراه أحميه بجسمي من نظراتهم. بصيت للحاجة فاطمة وقلت بنبرة طلعت مني أثقل مما توقعت: «فعلاً يا حاجة، الواد ده ملوش مكان وسطكم، لأن ابني نضيف ومتربي في بيت أصول، ميعرفش الغل ولا التدبير ولا كسر نفس الناس. العيب مش في اللي ملوش مكان على سفرتكم، العيب في سفرة عليها أكل غالي وقلوب رخيصة. أنتم كنتوا عايزين تخلوا طفل عمره عشر سنين يطلع من هنا وهو شايل تهمة سرقة، عشان تثبتوا لنفسكم إنكم أعلى مننا. بس ربنا كبير، واللي يحفر حفرة لبراءة طفل يقع فيها قدام أقرب الناس له».
محدش رد. حتى خالد اللي كان صوته مالي البيت من شوية بقى واقف ساكت، والحاجة فاطمة عينيها بين الخاتم وفريدة، مش قادرة تصدق إن السلاح اللي كانت ناوية تضرب بيه ابني اتوجه لصدر بيتها هي. لمياء قربت خطوة وقالت بصوت مخنوق: «حسن، استنى، خلينا نتكلم». بصيت لها وأنا حاسس إن كل حاجة بينا اتكسرت في لحظة واحدة، وقلت: «الكلام كان لازم يتقال قبل ما ابني يتفتش كأنه متهم. الكلام كان لازم يتقال لما أمك قالت الواد ده ملوش مكان وسطنا. الكلام كان لازم يتقال لما كل واحد فيكم سكت وهو شايف طفل بيتكسر قدامه». مروان كان ماسك إيدي وساكت، لكن قبضته بدأت تقوى، كأنه لأول مرة في الليلة دي حاسس إن فيه حد واقف معاه بجد، وإن أبوه مش هيسيبه يتداس عليه مهما كان الثمن.
فتحت باب الشقة وخرجنا من غير ما نبص ورا. سلم العمارة كان هادي، لكن قلبي كان مليان دوشة سنين. مروان نزل جنبي خطوة بخطوة، ولما وصلنا الشارع وقف فجأة وبصلي وقال بصوت صغير: «بابا، هما كانوا هيخلوني حرامي؟». السؤال كان أبشع من أي اتهام، لأنه طالع من طفل كان لسه من ساعة فاكر إن العزومة دي بداية عيلة جديدة. نزلت لمستواه، مسحت دمعة كانت محبوسة على طرف عينه، وقلت له: «لا يا مروان، هما حاولوا يكدبوا، بس الكدب قصير. أنت مش حرامي، أنت ابني، وأنا عارفك، وربنا عارفك، وده كفاية». حضنني جامد، وساعتها بس عيط. عيط بحرقة طفل كتم خوفه طول الليل عشان ما يضعفش قدام ناس قاسية. وأنا سيبته يعيط، لأن في دموع بتغسل الإهانة بدل ما تثبتها.
ركبنا العربية ومشينا، والشارع قدامنا كان فاضي إلا من نور أعمدة باهتة. مروان نام بعد دقائق من التعب، راسه ساندة على الشباك، وأنا كنت سايق وقلبي بيتقطع كل ما أفتكر وشه وهو بيقول: «أنا حرامي؟». في اللحظة دي عرفت إن في علاقات مهما كانت حلوة في بدايتها، لو هتدخل منها على بيت يكسّر ابنك، يبقى الخروج منها نجاة مش خسارة. لمياء فضلت تتصل طول الليل، وأنا ما رديتش. مش عشان ما عنديش كلام، لكن عشان في مواقف الرد عليها بيكون بالرحيل. بيت الشناوي فضل ورايا، بس النار اللي ولعتها الحقيقة جواه ما أظنش إنها هتنطفي بسهولة؛ بين أم اكتشفت إن حفيدتها مش ملاك، وبنت فهمت إن سكوتها كان خيانة، وعيلة كانت فاكرة إن المال والمظاهر يقدروا يغطوا القبح. أما أنا، فطلعت بابني من هناك وراسه مرفوعة، وده كان أهم انتصار في الليلة كلها.
</artic