كنت رايحة أنقذ جوزي… لكن اللي شوفته قدام محل الدهب غير حياتي

كنت رايحة أنقذ جوزي… لكن اللي شوفته قدام محل الدهب غير حياتي


زمن حاضر ونعم انتهى

في الصباح ده، وأنا بقفل باب الشقة ورايا بهدوء، ماكنتش أعرف إن فيه باب تاني هيتقفل جوايا للأبد. كنت ماسكة شنطة سودة قديمة بإيدي، الشنطة نفسها اللي أمي كانت محتفظة فيها بحاجات غالية عليها، وبعد ما توفت بقت عندي أنا. كل ما كنت ألمس مقبضها، كنت أحس كأن جزء من ذكراها لسه عايش.

نزلت السلم بسرعة وأنا ضامة الشنطة على صدري. الجو كان حر شوية، والشمس لسه طالعة من بدري، والشارع مليان حركة. عربية خضار واقفة عند أول الناصية، وصاحبها بينادي على البضاعة بصوت عالي، وميكروباص عدى جنب الرصيف وهو بيزمر بعصبية. الناس كلها كانت مشغولة في يومها العادي، لكن بالنسبة ليا كان اليوم مختلف.

جوا الشنطة كان فيه دهب أمي، ومعاه مبلغ من الفلوس كنت محتفظة بيه سنين طويلة. عمر ما حد عرف قيمتهم الحقيقية عندي. الدهب ماكانش مجرد ذهب، كان ذكرى. كل قطعة فيه كانت مرتبطة بصورة أو موقف أو كلمة سمعتها من أمي وهي لسه عايشة. كنت كل فترة أفتحه وأبص عليه، مش عشان ألبسه، لكن عشان أحس إنها قريبة.

ورغم ده كله، كنت رايحة أبيعه بإرادتي. ماحسيتش وقتها بأي تردد. كنت مقتنعة إني بعمل الصح، وإن اللي بعمله واجب طبيعي ناحية جوزي.

قبلها بيومين، حماتي زينات طلبت مني أقعد معاها. من ساعة ما اتجوزت مصطفى وأنا متعودة على طريقتها. عمرها ما كانت قاسية بشكل مباشر طول الوقت، لكنها كانت من النوع اللي يخليك تحس إنك دايمًا أقل من المطلوب. مهما تعبت، فيه حاجة ناقصة. مهما عملت، فيه حد تاني كان هيعمل أحسن.

عشان كده استغربت لما دخلت عليها لقيتها بتقولي بهدوء: “تعالي يا أم رؤية، عايزاكي في كلمتين.”

حتى طريقة نطقها لاسمي كانت مختلفة. قعدت قدامها وأنا مستغربة. كانت ماسكة طرف الطرحة بين صوابعها وبتلفه حوالين نفسه، وعينيها فيها لمعة دموع.

سألتها فورًا:
“خير يا حاجة؟ فيه حاجة حصلت؟”

ردت بعد لحظة صمت:
“مصطفى في مشكلة كبيرة يا بنتي.”

الكلمة دي كانت كفاية تخلي قلبي ينقبض. مهما حصل بيني وبين مصطفى طول السنين اللي فاتت، كان جوزي وأبو ولادي. سبعتاشر سنة عشتهم معاه، فيها الحلو وفيها الوحش، لكن في النهاية كان جزء من حياتي اليومية لدرجة إني ماكنتش متخيلة البيت من غيره.

بدأت زينات تحكي. مرة عن قرض، ومرة عن تجارة، ومرة عن بضاعة متعطلة. كل شوية كانت تضيف تفصيلة جديدة تخلي الموضوع أكبر وأخطر. وأنا قاعدة أسمعها من غير ما أقاطعها.

دلوقتي لما أفتكر الموقف، أستغرب من نفسي. إزاي ما سألتش سؤال بسيط؟ إزاي ما طلبتش أكلم مصطفى مباشرة؟ إزاي صدقت كل الكلام ده بسهولة؟

لكن وقتها كنت بفكر بقلب الزوجة، مش بعقل الإنسان اللي لازم يتحقق.

ولما قالتلي إنها عرضت تبيع دهبها ودهب بناتها عشان تساعده وهو رفض عشان كرامته، حسيت بغصة في قلبي. تخيلت مصطفى شايل هم الدنيا لوحده، ومش عايز يمد إيده لحد.

قبل ما تطلب مني أي حاجة، كنت أنا اللي بادرتها بالكلام.

قولتلها:
“أنا عندي دهب أمي. وعندي شوية فلوس. لو الموضوع هيحل أزمته، أنا مستعدة أبيع كل حاجة.”

في اللحظة دي، لمحت حاجة غريبة جدًا في عينيها. لمعة سريعة اختفت بسرعة. وقتها اعتبرتها ارتياح أم خايفة على ابنها. لكن بعدين فهمت إنها كانت حاجة تانية خالص.

خرجت من عندها وأنا مقتنعة إن ربنا اختارني أكون سبب في فك كرب مصطفى. ماكنتش أعرف إن الحقيقة كانت ماشية ناحيتي من طريق تاني تمامًا.

وصلت لمنطقة الصاغة اللي جنبنا قبل الضهر بشوية. كنت ماشية بسرعة وكأني داخلة سباق مع الوقت. كل دقيقة كانت بتعدي كنت بحس إنها بتأخر مساعدتي لمصطفى. أول ما وصلت، لقيت أغلب المحلات مقفولة. وقفت في نص الرصيف أبص يمين وشمال وأنا مستغربة. سألت واحد واقف قدام محل، فقال إن أغلب التجار قافلين النهارده بسبب ظروف خاصة عندهم وإن الحركة ضعيفة.

وقفت محتارة كام دقيقة. فكرت أرجع البيت وأأجل الموضوع لبكرة، لكن صورة مصطفى وهو غرقان في المشاكل كانت بتطاردني. طلعت الموبايل، دورت على منطقة تانية فيها محلات أكتر، وبعد تفكير قصير ركبت مواصلة وقررت أكمل.

طول الطريق كنت سرحانة. مرة أفتكر أمي، ومرة أفتكر مصطفى. افتكرت أول سنة جواز بينا، لما كنا بنفرح بأبسط الحاجات. افتكرت أول مرة اشترالي هدية من مرتبه، رغم إنها كانت بسيطة جدًا. يمكن عشان كده كنت متمسكة بالصورة القديمة ليه، الصورة اللي فضلت محتفظة بيها جوايا حتى بعد ما الواقع اتغير.

لما نزلت في المنطقة التانية، كانت الحركة أكتر بكتير. محلات مفتوحة، وناس داخلة طالعة، وأصوات باعة ومارة من كل ناحية. بدأت أمشي ناحية صف محلات الذهب وأنا ضامة الشنطة بإيدي.

لكن قبل ما أوصل بخطوات قليلة، حصل شيء ما كنتش مستعدة له أبدًا.

رجلي وقفت فجأة.

مش بمعنى إني قررت أقف… لأ، حرفيًا حسيت إن جسمي كله اتجمد.

في البداية افتكرت إني متوهمة. يمكن شبهه. يمكن واحد يشبه مصطفى من بعيد.

لكن لا.

كان مصطفى.

واقف قدام محل كبير، لابس قميص جديد ما شفتوش قبل كده، وساعته اللي ماكانش بيطلعها غير في المناسبات المهمة. واقف مستقيم، ووشه عليه ابتسامة واسعة لدرجة إني للحظة حسيت إني معرفوش.

آخر مرة شفت الابتسامة دي كانت من سنين طويلة.

وقفت ورا عربية مركونة على جنب الشارع، من غير ما أحس بنفسي. عقلي كان بيرفض اللي عيني شايفاه.

قلت لنفسي يمكن بيشتري حاجة لأخته.

يمكن مع عميل.

يمكن فيه تفسير.

لكن التفسير بدأ ينهار قدام عيني واحدة واحدة.

قدامه كانت واقفة بنت في أواخر العشرينات تقريبًا. لابسة لبس شيك، وشعرها مرتب، وملامحها كلها فرحة وتوتر في نفس الوقت. التوتر اللي بيبقى على وش أي بنت في مناسبة مهمة.

شفت صاحب المحل وهو بيطلع طقم دهب من الفاترينة.

وشفت مصطفى وهو ياخده بإيده.

وبعدين شفته بنفسه يقرب من البنت ويلبسها السلسلة.

في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع لمكان بعيد جوايا.

الناس اللي حواليهم بدأت تضحك وتبارك. واحدة زغردت. واحدة تانية قالت ربنا يتمم بخير.

وصاحب المحل ابتسم وهو بيجمع باقي القطع.

غوايش.

خاتم.

وطقم كامل.

كل قطعة كانت بتتحط قدامها، وكل ثانية كانت بتمر كانت بتكسر حاجة جوايا.

فجأة كل كلام زينات رجع يتردد في وداني.

القرض.

البنك.

الجمارك.

الأزمة.

كلها اختفت في ثانية واحدة.

الحقيقة كانت أوضح من أي كلام.

مصطفى ماكانش بيجري ورا حل لمشكلة.

مصطفى كان بيجهز نفسه لجوازة جديدة.

وقفت مكاني مش عارفة أتحرك. كنت سامعة الأصوات حواليّ، لكن كأنها جاية من آخر الدنيا. الزغاريد، ضحكات الناس، صوت الشارع… كله بقى بعيد ومشوش.

أكتر حاجة وجعتني ماكانتش البنت.

ولا الشبكة.

ولا حتى فكرة الجواز.

اللي وجعني بجد إني كنت جاية أبيع آخر حاجة من أمي عشان الراجل ده.

مديت إيدي على الشنطة بإحكام وكأني بتأكد إنها لسه معايا.

ساعتها لأول مرة سألت نفسي سؤال عمره ما خطر ببالي بالشكل ده:

وأنا… مين هيفكر فيا؟

سبعتاشر سنة كاملة كنت بفكر في مصطفى قبل نفسي.

في الأولاد قبل نفسي.

في البيت قبل نفسي.

في راحة الكل قبل راحتي.

لكن وأنا واقفة قدام المحل، حسيت إن الست اللي اسمها إيمان اختفت وسط كل الناس اللي كانت بتحاول ترضيهم.

افتكرت يوم جوازي.

افتكرت أمي وهي بتسرحلي شعري قبل الفرح وتوصيني بالصبر.

افتكرت نفسي وأنا داخلة البيت لأول مرة، بخوف بنت صغيرة لسه مش عارفة الحياة مخبية لها إيه.

وافتكرت سنين طويلة من التنازلات الصغيرة.

تنازل ورا تنازل.

مرة عشان البيت.

ومرة عشان الأولاد.

ومرة عشان “ما تكبريش الموضوع”.

لحد ما لقيت نفسي واقفة في الشارع، وبكتشف إن كل اللي صدقته كان مجرد قصة متفصلة عشان أوصل شنطتي دي بإيدي لحدهم.

دموعي بدأت تنزل، لكن الغريب إنها وقفت بسرعة.

مش لأني بقيت قوية فجأة.

لكن لأن حاجة تانية بدأت تحل مكان الحزن.

حاجة باردة.

هادية.

وخايفة منها شوية.

لأنها كانت أول مرة في حياتي أفكر في نفسي قبل أي حد تاني.

لفيت ضهري للمحل ومشيت.

المرة دي ماكنتش ماشية بسرعة عشان ألحق مصطفى.

المرة دي كنت ماشية عشان ألحق نفسي.

طول الطريق للبيت كنت قاعدة جنب شباك الميكروباص، وباصّة للناس من غير ما أشوف حد فيهم فعلًا. البيوت كانت بتعدي، والمحلات، والإشارات، وكل حاجة حواليّ كانت ماشية بشكل طبيعي، كأن الدنيا كلها متفقة إنها تكمل يومها عادي جدًا، بينما أنا حاسة إن حياتي وقفت عند لحظة معينة قدام فاترينة دهب.

كل شوية كنت أرجع بذاكرتي للمشهد. مصطفى وهو بيبتسم. البنت وهي مكسوفة وفرحانة. الزغاريد. صاحب المحل. وكل مرة كنت أحاول أقنع نفسي إن فيه تفصيلة ناقصة، إن يمكن يكون فيه تفسير ما عرفتهوش. لكن الحقيقة كانت واضحة زيادة عن اللزوم.

لما وصلت البيت، أخدت نفس طويل قبل ما أطلع السلم. كنت محتاجة أسيطر على وشي. ماكنتش عايزة حد يعرف إني عرفت حاجة. خصوصًا زينات.

فتحت الباب ودخلت.

وكأنها كانت مستنياني من ساعة ما خرجت.

كانت قاعدة في الصالة، وأول ما شافتني قامت بسرعة لدرجة خلت الكرسي يتحرك وراها.

قالت وهي بتحاول تخبي لهفتها:
“خير يا أم رؤية؟ عملتي إيه؟”

بصيت لها ثواني قليلة.

يمكن لأول مرة من يوم ما عرفتها كنت بشوفها من غير الستارة اللي كنت حطاها على عيني طول السنين.

وشها كان قلقان فعلًا.

لكن مش على مصطفى.

كانت قلقانة من نتيجة الخطة.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
“للأسف المحلات كانت مقفولة، والموضوع اتأجل.”

لاحظت التغيير السريع اللي حصل في ملامحها.

ثانية واحدة بس.

ثانية ظهر فيها الانزعاج الحقيقي قبل ما ترجع تلبس وش الحزن من تاني.

قالت:
“يا ساتر يا رب… طب والحل دلوقتي؟”

قلت بهدوء:
“أكيد ربنا هيجيب حل.”

وسبتها ودخلت أوضتي.

أول ما قفلت الباب ورايا، حسيت إني مش قادرة أقف أكتر.

قعدت على طرف السرير، وحطيت الشنطة جنبي.

فضلت أبص عليها فترة طويلة.

الشنطة نفسها اللي خرجت بيها الصبح وأنا مستعدة أضحي بكل حاجة.

رجعت بيها زي ما هي.

لكن أنا ما رجعتش زي ما كنت.

لأول مرة من سنين طويلة، ما بكيتش.

الغريب إن الدموع كانت خلصت قبل ما أوصل البيت.

يمكن لأن الصدمة كانت أكبر من البكا نفسه.

أو يمكن لأن جوايا كان فيه شيء تاني بيتكوّن بهدوء.

قعدت أفكر في كل الاحتمالات.

أواجهه؟

أطلب الطلاق؟

أعمل مشكلة؟

أقول لأولادي؟

كل فكرة كانت بتظهر قدامي، وبعدها تختفي.

ومع الوقت بدأت ألاحظ حاجة.

طول عمري كنت برد فعل.

حد يزعق، أسكت.

حد يطلب، أوافق.

حد يضغط عليّ، أتنازل.

لكن عمري ما كنت صاحبة القرار.

لأول مرة حسيت إني محتاجة أتصرف بعقل بارد.

مش عشان أنتقم.

ولا عشان أكسب معركة.

لكن عشان ما أخرجش من كل اللي حصل مكسورة.

في الليلة دي تقريبًا ما نمتش.

كل ما أبص للساعة ألاقي الوقت بيعدي ببطء.

وكل ما أفتكر منظر مصطفى قدام محل الدهب، أرجع أفكر من جديد.

لحد ما بدأت صورة كاملة تتجمع في دماغي.

صورة مبنية على حاجة واحدة كنت أعرفها كويس جدًا.

مصطفى.

بعد سبعتاشر سنة جواز، كنت أعرف فيه حاجات كتير.

أعرف إمتى بيكون صادق.

وأعرف إمتى بيكدب.

وأعرف إن نقطة ضعفه عمرها ما كانت الغضب أو العناد.

نقطة ضعفه كانت الطمع.

في الصبح، لما رجع البيت، كان عامل نفسه مرهق ومشغول.

دخل وهو بيحاول يرسم على وشه ملامح راجل شايل هم الدنيا.

لكن بعد اللي شفته، بقيت أشوف التفاصيل اللي كانت بتفوتني زمان.

هدوم جديدة.

ريحة برفان مختلفة.

وحماس مستخبي ورا التمثيل.

استنيت لحد ما قعد يشرب الشاي.

وروحت قعدت قدامه.

قلت بهدوء:
“عامل إيه يا مصطفى؟”

رفع عينيه وبص لي.

وقال:
“الحمد لله.”

سألته:
“وموضوع البنك؟”

ثانية واحدة بس.

ثانية ظهر فيها الارتباك قبل ما يرد.

وقال:
“لسه… ربنا يسهل.”

وقتها اتأكدت أكتر.

الكدب بيحتاج ذاكرة قوية.

ومصطفى بدأ يتلخبط.

فضلت أسمع كلامه وأنا هادية بشكل غريب.

لدرجة إني لاحظت إنه بدأ يرتاح.

يمكن لأنه افتكر إني لسه مصدقة كل حاجة.

ويمكن لأنه ما كانش متخيل أصلًا إني شفت الحقيقة بعيني.

وفي اللحظة دي بالذات، بدأت أول خطوة حقيقية في الخطة اللي هتغير كل حاجة.

في الأيام اللي بعد كده، ما عملتش أي حاجة تلفت الانتباه. بالعكس، كنت طبيعية زيادة عن اللزوم. بصحى الصبح في مواعيدي المعتادة، أجهز الفطار، أتابع البيت، وأتكلم مع مصطفى بنفس الهدوء اللي متعود عليه مني. لو كان بيراقبني بحثًا عن أي إشارة، فهو أكيد ما شافش حاجة تقلقه.

يمكن لأول مرة في حياتي فهمت معنى إن الإنسان يخبي اللي جواه فعلًا. طول عمري كنت كتاب مفتوح. زعلي يبان، وفرحتي تبان، وحتى دموعي كانت تسبق كلامي. لكن بعد اللي شفته، بقيت محتفظة بكل حاجة جوايا.

كنت أراقب أكتر ما أتكلم.

وأسمع أكتر ما أجادل.

وفي كل مرة كان مصطفى يحاول يمثل دور الرجل المضغوط اللي شايل هموم الدنيا، كنت أحس إن المسافة بين الصورة اللي قدامي والصورة اللي شفتها عند محل الدهب بتكبر أكتر.

في إحدى الليالي، كان قاعد قدام التلفزيون يتابع برنامجًا لا يبدو أنه مركز فيه أصلًا. كان ماسك الموبايل في إيده أغلب الوقت، وكل شوية يبتسم لنفسه أو يرد بسرعة على رسالة ويرجع يخفي الشاشة بشكل تلقائي.

زمان كنت هتجاهل.

كنت هقول لنفسي إن دي خصوصيات.

أو إني مكبرة الموضوع.

لكن دلوقتي بقيت أشوف حاجات كتير كنت باختار أتغاضى عنها.

الغريب إن كل ما كنت أكتشف أكتر، ماكنتش بحس بالغضب زي الأول. كنت بحس بحاجة مختلفة. كأن المشاعر اللي استنزفتها سنين طويلة بدأت تفقد قوتها بالتدريج.

في الوقت نفسه، بدأت أفكر في مستقبلي أنا.

أول مرة أسأل نفسي سؤال بسيط:

لو مصطفى خرج من حياتي فعلًا… أنا هعمل إيه؟

السؤال كان مخيف.

مش عشان إجابته صعبة.

لكن عشان عمري ما سمحت لنفسي أسأله.

كل خططي القديمة كانت مرتبطة بوجوده. حتى الأحلام الصغيرة كانت مبنية على فكرة إننا أسرة واحدة مهما حصل.

لكن الواقع أحيانًا بيجبر الإنسان يعيد ترتيب كل حاجة من جديد.

مرت أيام قليلة، وبدأت ألاحظ استعدادات غريبة.

مكالمات كتير.

خروج متكرر.

اهتمام غير معتاد بالملابس.

وتوتر واضح عند زينات كل ما الموبايل يرن.

كل ده كان بيأكد حاجة واحدة:

إن فيه موعد مهم بيقرب.

وإني كنت على حق.

في صباح أحد الأيام، استيقظت بدري جدًا. البيت كان هادي، لكن كان فيه إحساس غريب في الجو. الإحساس اللي بييجي قبل حدث كبير.

خرجت من أوضتي بهدوء.

ولقيت زينات في الصالة.

كانت لابسة أحسن لبس عندها تقريبًا. ومتزينة أكتر من أي مناسبة عادية.

أول ما شافتني، ارتبكت للحظة صغيرة.

لكنها تماسكت بسرعة.

وقتها تأكدت إن اليوم ده هو اليوم اللي مستنياه.

بعد ساعات قليلة، خرج مصطفى من أوضته.

كان لابس بدلة جديدة.

مرتب شعره بعناية.

وحاطط نفس البرفان اللي شميته قبل كده.

وقف قدام المراية يعدل رابطة العنق أكتر من مرة، وكأنه رايح لمناسبة عمره.

وأعتقد فعلًا إنه كان شايفها كده.

أنا وقتها كنت قاعدة في الصالة.

هادية جدًا.

لدرجة إن الهدوء نفسه كان غريب.

لما قرب من الباب، قال من غير ما يبص لي:

“عندي شغل مهم بره البلد يومين.”

سمعت الجملة.

نفس الكذبة.

لكن المرة دي ما سبتهاش تعدي.

قمت من مكاني ببطء.

وبصيت له مباشرة.

لأول مرة من سنين طويلة، ما نزلتش بعيني للأرض.

ولا حاولت أتجنب المواجهة.

قلت بصوت هادي:

“مش رايح شغل يا مصطفى.”

سكت.

بص لي باستغراب.

فكملت:

“أنت رايح للبنت اللي كنت بتلبسها الشبكة عند محل الدهب.”

في اللحظة دي، الزمن فعلًا وقف.

ملامحه اتغيرت بالكامل.

وكأن حد سحب الأرض من تحته فجأة.

أما زينات، ففضلت تبص بيني وبينه من غير ما تنطق.

أول مرة أشوف الاتنين مش لاقيين كلام يقولوه.

وأول مرة أشوف مصطفى خايف من رد فعلي بدل ما أكون أنا اللي خايفة من رد فعله.

الحقيقة إن انتصاري الحقيقي ماكانش في اللحظة دي.

ولا في انكشاف الكدب.

ولا حتى في الصدمة اللي ظهرت على وشهم.

انتصاري الحقيقي كان قبلها بوقت طويل.

في اللحظة اللي وقفت فيها قدام محل الدهب.

وفي اللحظة اللي قررت فيها إن حياتي ما ينفعش تفضل متعلقة بقرارات ناس تانية.

لأول مرة، كنت واقفة ثابتة.

مش مستنية موافقة.

ومش مستنية رحمة.

ومش مستنية حد يقرر قيمتي.

كنت عارفة كويس إن اللي جاي بعد كده مش هيكون سهل.

لكن كنت عارفة حاجة أهم.

إن الست اللي خرجت الصبح وهي مستعدة تبيع آخر ذكرى من أمها عشان تنقذ غيرها…

مش هي نفسها الست اللي واقفة دلوقتي.

وإن زمن “حاضر ونعم” اللي عاشت فيه سنين طويلة…

انتهى فعلًا.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي