ممارسات خطيرة باسم الطقوس الروحية.. تحذيرات من تقليد المشي على الجمر

ممارسات خطيرة باسم الطقوس الروحية.. تحذيرات من تقليد المشي على الجمر


ممارسات خطيرة باسم الطقوس الروحية.. تحذيرات من تقليد المشي على الجمر

أثار مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي حالة واسعة من الجدل، بعدما ظهر عدد من الأشخاص خلال ما قيل إنه تدريب رمزي أو طقس جماعي يتضمن المشي فوق الجمر، وسط تجمع كبير من الحاضرين. وتداول المستخدمون المقطع بتعليقات متباينة، بين من اعتبره مشهدًا غريبًا، ومن رأى أنه يعكس انتشار بعض المعتقدات الخاطئة التي قد تدفع الناس إلى تعريض أنفسهم للخطر دون وعي كافٍ بالعواقب.

ويأتي الجدل حول هذا النوع من المقاطع في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على نشر أي مشهد خلال دقائق، حتى وإن كان يحمل سلوكًا غير آمن أو فكرة مضللة. فمجرد انتشار الفيديو لا يعني صحة الفكرة أو سلامة الممارسة، بل قد يكون سببًا في تقليدها من بعض الأشخاص بدافع الفضول أو الرغبة في إثبات القوة أو الانتماء إلى جماعة معينة.

المشي على الجمر ليس دليلًا على القوة الروحية

يرتبط المشي على الجمر في بعض الثقافات بمعتقدات قديمة ترى أن الإنسان يمكنه تجاوز الألم أو الخوف عبر الإيمان بفكرة معينة أو الخضوع لتدريب نفسي وجسدي. لكن الخطير أن هذه الممارسات يتم تقديمها أحيانًا باعتبارها دليلًا على امتلاك قدرات خاصة أو حماية روحية، وهو تصور غير دقيق وقد يفتح الباب أمام تضليل الناس واستغلال مشاعرهم الدينية أو النفسية.

من الناحية الواقعية، المشي فوق سطح ساخن مثل الجمر قد يؤدي إلى حروق متفاوتة الخطورة، خاصة إذا طال زمن التلامس أو كانت درجة الحرارة مرتفعة أو لم تكن القدم جافة تمامًا. وقد ينجو بعض الأشخاص من الإصابة الظاهرة في بعض الحالات بسبب سرعة الحركة أو طبيعة الرماد السطحي، لكن ذلك لا يجعل الفعل آمنًا أو قابلًا للتقليد.

خطر التقليد بسبب المقاطع القصيرة

المشكلة الأكبر في مثل هذه الفيديوهات أن المشاهد يرى لحظات قليلة فقط، ولا يعرف ما حدث قبلها أو بعدها. قد لا يظهر في المقطع الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات، وقد لا تظهر الاستعدادات أو الحيل أو الظروف الخاصة التي جعلت البعض يعبرون دون إصابة واضحة. لذلك فإن الحكم على سلامة الممارسة من خلال فيديو قصير يعد خطأً كبيرًا.

وتحذر جهات طبية وتربوية دائمًا من تقليد التحديات أو الطقوس الخطرة المنتشرة على الإنترنت، لأن الجمهور لا يمتلك نفس الظروف ولا نفس المعرفة، كما أن الأطفال والمراهقين قد يتأثرون بسرعة بالمشاهد المثيرة ويظنون أن الأمر مجرد تجربة ممتعة أو اختبار شجاعة.

المعتقدات الخاطئة قد تتحول إلى خطر حقيقي

عندما تتحول المعتقدات غير المبنية على وعي إلى ممارسات جسدية خطرة، يصبح الأمر أكبر من مجرد اختلاف ثقافي أو طقس رمزي. فالإنسان قد يعرّض نفسه للحرق أو الإصابة أو الصدمة النفسية تحت ضغط الجماعة، أو بدافع الخوف من الظهور بمظهر الضعيف أمام الآخرين.

كما أن بعض هذه الممارسات قد تُستخدم أحيانًا لاستعراض السيطرة على الأتباع، حيث يتم دفع المشاركين إلى فعل أشياء مؤلمة أو مخيفة لإثبات الطاعة أو الإيمان بفكرة معينة. وهنا تصبح التوعية ضرورية، ليس فقط لحماية الجسد، بل لحماية الوعي من الاستغلال.

الدين لا يدعو إلى إيذاء النفس

من المهم التأكيد على أن التدين الحقيقي لا يرتبط بإيذاء النفس أو تعريضها للخطر. فالقيم الدينية السليمة تدعو إلى حفظ النفس والعقل والكرامة، ولا تحتاج إلى استعراضات مؤلمة لإثبات الإيمان أو الصدق. لذلك فإن ربط الطقوس الخطرة بالدين أو الروحانية قد يسيء للفهم الصحيح، ويجعل بعض الناس يخلطون بين العبادة وبين الممارسات المؤذية.

ويجب على الأسر والمعلمين وصناع المحتوى توضيح هذا الفارق، خصوصًا للأطفال والشباب، حتى لا تتحول مشاهد الإنترنت إلى مصدر لتشكيل قناعات خاطئة. فليس كل ما يُعرض تحت عنوان “تجربة روحية” أو “تدريب رمزي” يصلح للتقليد أو الاحترام دون نقد.

كيف نحمي الجمهور من هذه الممارسات؟

تبدأ الحماية من الوعي. فعند مشاهدة أي فيديو يتضمن طقسًا غريبًا أو تحديًا خطيرًا، يجب التوقف قبل المشاركة أو التعليق العاطفي. الأفضل هو طرح أسئلة بسيطة: هل هذا الفعل آمن؟ هل هناك متخصصون يشرفون عليه؟ هل يمكن أن يقلده طفل أو شاب؟ هل يروج لفكرة مضللة؟

كما ينبغي عدم إعادة نشر المقاطع الخطرة بطريقة تشجع على التقليد. وإذا كان لا بد من تناولها إعلاميًا، فيجب أن يكون ذلك بهدف التحذير والتوعية، وليس الإثارة أو الترويج. فالعنوان المبالغ فيه أو التعليق الذي يمجد الفعل قد يدفع البعض إلى تجربته بحثًا عن الشهرة أو إثبات الذات.

دور منصات التواصل

تلعب منصات التواصل دورًا مهمًا في الحد من انتشار المحتوى الخطير، خاصة عندما يتعلق الأمر بممارسات قد تسبب أذى جسديًا مباشرًا. وينبغي للمستخدمين الإبلاغ عن المقاطع التي تشجع على إيذاء النفس أو تقليد التحديات المؤذية، مع دعم المحتوى التوعوي الذي يشرح المخاطر بشكل واضح وهادئ.

وفي المقابل، يتحمل صناع المحتوى مسؤولية كبيرة عند تناول مثل هذه الموضوعات. فبدلًا من تقديم المشهد كأنه أمر خارق أو مثير، يجب توضيح أن ما يظهر في الفيديو لا يصلح للتجربة، وأن السلامة الشخصية أهم من أي طقس أو تحدٍ أو رغبة في لفت الانتباه.

خاتمة

يبقى الجدل حول مقاطع المشي على الجمر مثالًا واضحًا على خطورة انتشار المعتقدات الخاطئة عندما تختلط بالإثارة الرقمية. فالمشكلة ليست في وجود طقس غريب فقط، بل في إمكانية تحوله إلى نموذج يقلده الآخرون دون فهم أو استعداد. لذلك فإن الرسالة الأهم هي: لا تجعل الفضول أو ضغط الجماعة يدفعك إلى إيذاء نفسك، ولا تصدق أن الخطر دليل على الإيمان أو الشجاعة.

الوعي هو الحماية الأولى، والنقد الهادئ هو الطريق الأفضل لمواجهة أي ممارسة قد تهدد سلامة الإنسان باسم الروحانية أو التحدي أو العادات المتوارثة.

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان