أثارت قصة أهل الكهف والرقيم المذكورة في القرآن الكريم جدلا واسعا استمر لقرون طويلة بين الباحثين والمؤرخين حول تحديد الموقع الحقيقي للكهف الذي شهد تلك المعجزة الإلهية العظيمة لفتية آمنوا بربهم وزادهم هدى وناموا مئات السنين لحمايتهم من بطش قومهم الظالمين ورغم انتشار روايات قديمة تنسب موقع الكهف إلى مناطق متعددة في الأردن أو تركيا إلا أن الدراسات الأثرية والأدلة التاريخية والدينية والمنطقية الحديثة بدأت تسلط الضوء على موقع مغاير تماما ينطبق بدقة مذهلة مع الأوصاف القرآنية وهو وادي درح بمحافظة المحويت في اليمن حيث تتداخل الجغرافيا والتاريخ لتكشف أسرار هذا اللغز الغامض.
الخلفية التاريخية والصراع القحطاني العدناني
تعود جذور القصة إلى زمن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عندما حرض يهود يثرب مشركي قريش على اختبار الرسول بأسئلة محددة منها السؤال عن فتية خرجوا في أول الدهر وعن رجل طواف بلغ المشرق والمغرب وكان هدف اليهود من هذه الأسئلة إحداث شرخ قبلي وسياسي بين العرب من خلال استغلال الصراع العدناني القحطاني القديم حيث كانوا يعلمون أن ذا القرنين هو ملك حميري قحطاني موحد وأن الفتية ينتمون أيضا إلى ممالك اليمن الموحدة وكانوا يتوقعون أن تأتي الإجابة بذكر الأقوام والبلدان صراحة مما يثير حفيظة قريش العدنانية ضد الرسول لكن القرآن الكريم ركز على الجانب العقائدي والتوحيدي وأغفل تحديد المكان لتفويت الفرصة على مكائد اليهود.
التطابق الجغرافي والوصف القرآني لحركة الشمس
عند زيارة الكهف الموجود في وادي درح باليمن تظهر أدلة ملموسة تتطابق مع النص القرآني بشكل دقيق جدا فالآية الكريمة تصف حركة الشمس شروقا وغروبا وعلاقتها بوضعية نوم الفتية بحيث تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال وهم في فجوه منه وبناء على شروط اتجاه القبلة قديما وحديثا فإن هذه الوضعية الجغرافية الفلكية لا يمكن أن تتحقق للنائب إلا في هذا الموقع باليمن بينما يختلف الأمر تماما ويعكس في المواقع المقترحة بالأردن أو تركيا كما يتميز الكهف باتساعه الكبير من الداخل ووجود فجوات وممرات سرية عديدة تؤكد المعنى اللغوي والقرآني للفجوة المذكورة في الآيات.
الأدلة الأثرية على باب الكهف وداخله
توجد على مدخل الكهف في وادي درح سبع حفر دائرية منحوتة في الصخر بعناية فائقة وهو ما يرجح بقوة أنه رمز يشير إلى العدد الصحيح للفتية الذين ناموا بالداخل كما ورد في الروايات المعتمدة عن الصحابة بأنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم وفي الجانب الأيمن من المدخل تظهر صخرة منحوتة تشبه مرقد الكلب باسطا ذراعيه بالوصيد إضافة إلى ذلك فإن المساحة العلوية للكهف تحمل بقايا أحجار وجدران لجامع قديم تهدم بفعل العوامل الزمنية وهو الدليل الأثري الحي على الآية الكريمة التي تذكر اتفاق القوم الموحدين على اتخاذ مسجد فوق موقعهم بعد موتهم
سر الرقيم والمدن المجاورة
يرى الكثير من المفسرين والعلماء أن الرقيم هو اسم القرية أو المدينة التي هرب منها الفتية وكانت مركزا للملك الظالم وبإسقاط هذا التفسير على جغرافية المكان نجد أن مدينة الرجم التاريخية العريقة التي تقع في محافظة المحويت تبعد حوالي خمسة وعشرين كيلومترا فقط باتجاه الشرق من موقع الكهف وهي منطقة شهدت قديما صراعات دينية قوية بين الحميريين الموحدين والسبئيين عباد الشمس مما يعزز فرضية أن الرجم هي التحريف اللفظي التاريخي لكلمة الرقيم القرآنية.
محاولات الطمس والعبث بالحقائق التاريخية
عانت المنطقة لسنوات طويلة من إشاعات الرعب والخوف المنتشرة بين الأهالي حول وجود لعنة تصيب من يدخل الكهف مما جعله مهجورا تماما لعقود طويلة ويرجح الباحثون أن هذه الإشاعات كانت مدبرة لإبعاد الناس عن الكهف وإخفاء معالمه وقد أكد سكان المنطقة وصول بعثات ومنظمات مجهولة قبل سنوات طويلة قامت بعمليات حفر ونبش واسعة داخل الكهف وتكسير القبور وطمس بعض المعالم الأثرية تحت غطاء البحث عن الذهب وهو ما يفسر حجم التخريب الحالي واختفاء الكثير من الأدلة التاريخية التي تثبت الهوية الحقيقية للمكان.
▶︎
مشاهدة الفيديو
سيتم تحويلك تلقائيًا بعد العدّاد