الوجع الذي كذّبوه
لم تكن مريم يومًا من النساء اللاتي يبالغن في الشكوى، ولم تكن من ذلك النوع الذي يتعامل مع الألم كوسيلة لجذب الانتباه أو انتزاع التعاطف، بل كانت طوال حياتها ترى أن الوجع شيء شخصي جدًا، يشبه سرًا صغيرًا لا يجب أن يخرج إلى العلن إلا إذا أصبح مستحيل الاحتمال. لذلك، حين وضعت طفلتها الأولى “ليلى”، لم يكن أكثر ما يشغلها هو التعب الذي مزّق جسدها خلال ساعات الولادة الطويلة، ولا الدموع التي سالت بلا وعي حين سمعت صرخة الطفلة للمرة الأولى، بل كان كل ما تفكر فيه هو تلك الفكرة البسيطة التي تربّت عليها: أن الألم مهما كان قاسيًا فهو مؤقت، وأنه مثل العاصفة، يأتي فجأة، يضرب بعنف، ثم يهدأ ويترك خلفه حياة تعود لطبيعتها. لم تكن تعرف أن هناك أوجاعًا لا تشبه العواصف، بل تشبه الصدأ، أوجاعًا لا تصرخ، ولا تعلن عن نفسها، ولا تطلب الانتباه، بل تتسلل ببطء إلى الجسد، تجلس في أعمق نقطة ممكنة، ثم تبدأ في العمل بصمت، حتى يصبح الألم جزءًا من الإنسان نفسه دون أن يدرك متى بدأ.
بعد أسبوعين فقط من ولادة ليلى، بدأت مريم تشعر بشيء غريب في ظهرها، إحساس لم يكن يمكن تسميته بسهولة، لم يكن مجرد وجع واضح يمكن تحديد مكانه، بل كان أشبه بثقل بارد يسكن بين الفقرات، كأن أحدهم يضع إصبعه هناك ويضغط دون أن يرفع يده أبدًا. في البداية لم تهتم، أقنعت نفسها أن هذا طبيعي، وأن كل النساء يشعرن بشيء مشابه بعد الولادة، وأن جسدها فقط يحتاج بعض الوقت ليعود كما كان. كانت تقول لنفسها هذه الجملة كل صباح وهي تنهض بصعوبة من الفراش، ثم تمشي ببطء نحو المطبخ، وتبدأ يومها كأن شيئًا لم يحدث، تحاول أن تتصرف كما تتصرف أي أم جديدة: تنظف، تطبخ، تحضّر الرضعات، وتبتسم كلما نظرت إلى طفلتها الصغيرة، تلك الابتسامة التي تحاول أن تكون حقيقية لكنها غالبًا ما كانت تخفي خلفها تعبًا عميقًا لا تملك رفاهية الاعتراف به.
كان إيهاب، زوجها، يراقبها أحيانًا دون اهتمام حقيقي، يلاحظ فقط أنها تتحرك ببطء أكثر من المعتاد، أو أنها تميل بجسدها قليلاً حين تقف، لكنه لم يمنح تلك الملاحظات أي وزن. لم يكن رجلًا قاسيًا بطبيعته، لكنه كان يؤمن بتلك الفكرة الشائعة التي تسكن عقول كثيرين: أن الألم الذي لا يُرى لا يُعتد به، وأن الشكوى غالبًا مبالغة، وأن النساء بطبيعتهن يميلن إلى “التدليل” بعد الولادة. لذلك، عندما كانت مريم تلمّح أحيانًا، بخجل، إلى أن ظهرها يؤلمها، كان يبتسم ابتسامة قصيرة، يربت على كتفها، ويقول بنبرة نصف مازحة ونصف ساخرة إن كل هذا طبيعي، وإنها ستتحسن بمجرد أن تعود لحركتها المعتادة.
كانت تلك الكلمات، رغم بساطتها الظاهرة، تثقل قلبها أكثر مما تثقل ظهرها، لأنها لم تكن مجرد تعليقات عابرة، بل كانت تشككها في إحساسها نفسه. كانت تعود إلى غرفتها ليلًا، تستلقي على جانبها، وتفكر طويلًا في احتمال أن تكون هي المخطئة، أن يكون الألم الذي تشعر به مجرد تضخيم، وأن يكون جسدها فقط أكثر حساسية من اللازم. لكن الألم كان يرفض أن يتلاشى، كان يتمدد ببطء، ينتقل من الظهر إلى الساقين، يدخل في الحوض، يترك خلفه تنميلًا يشبه الحريق الصامت، ثم يهدأ قليلًا قبل أن يعود أكثر قسوة، كأنه يتعلم جسدها ويعرف كيف يهاجمه بفعالية أكبر مع كل يوم يمر.
مع مرور الوقت، بدأت خطواتها تتغير دون أن تدرك، صار مشيها بطيئًا، مترددًا، كأنها تتحرك داخل ماء ثقيل لا يُرى. كانت تقف أمام المرآة أحيانًا وتحاول أن تفرد ظهرها، فتكتشف أن جسدها يقاومها، وأن الفقرات ترفض الاستقامة كأنها أبواب صدئة لا تستجيب إلا بالقوة، وهي لم تعد تملك تلك القوة. ومع ذلك، استمرت في الصمت، ليس لأنها لا تريد أن تتكلم، بل لأنها كانت تخشى أن تسمع نفس الجملة مرة أخرى: “بلاش دراما”.
في إحدى الليالي، بعدما انتهت من إرضاع ليلى، شعرت بوخز حاد يمر في ظهرها مثل شرارة كهربائية. حاولت أن تنهض من مكانها، لكنها لم تستطع. ظلت جالسة لثوانٍ طويلة، تحاول أن تجمع قوتها، ثم وضعت يدها على الأرض وسحبت نفسها ببطء، كأن جسدها لم يعد يستجيب إلا بصعوبة. همست بصوت منخفض، لا تريد أن توقظ الطفلة: “يا إيهاب… ضهري وجعني جدًا.” جاءها صوته من الغرفة الأخرى ببرود معتاد، يقول لها أن ترتاح قليلاً، وأن لا تبالغ. لم يقترب. لم يرَ. ولم يشعر أن تلك اللحظة كانت بداية انهيار حقيقي.
لم يكن الانهيار فجائيًا كما يحدث في القصص، بل كان بطيئًا، مثل جدار يتشقق دون أن يسقط دفعة واحدة. في صباح لاحق، حاولت أن تنهض من الفراش فلم تستطع، ظلت تحاول عدة مرات حتى تمكنت أخيرًا من الوقوف، لكن ظهرها كان منحنيًا رغمًا عنها، وساقاها ترتجفان. حاولت أن تمشي نحو المطبخ، لكن كل خطوة كانت تشبه معركة صغيرة تخوضها وحدها. ومع ذلك، أكملت يومها كما تفعل دائمًا، تحمل طفلتها بحذر، تجلس بسرعة كلما اشتد الألم، وتبتسم كي لا يشعر أحد بشيء.
لكن في تلك الليلة التي ستبقى محفورة في ذاكرتها للأبد، بعد أن انتهت من إرضاع ليلى، حاولت أن تنهض… فسقطت. لم يكن سقوطًا عاديًا، بل انهيارًا كاملًا، شعرت أن الهواء صار أثقل من أن يُتنفس، وأن جسدها لم يعد قادرًا على حملها. نادت زوجها بصوت ضعيف، لكنه حين جاء ونظر إليها، قال تلك الجملة التي ستظل تؤلمها أكثر من أي جرح جسدي: “انتي بتمثلي يا مريم.”
في تلك اللحظة تحديدًا، لم تشعر فقط بالألم في ظهرها، بل شعرت بشيء داخلها ينكسر، شيء لا يمكن إصلاحه بسهولة. لم ترد. لم تبكِ بصوت عالٍ. فقط استلقت على الأرض وبكت بصمت، كأنها تحاول أن تخفي حتى دموعها كي لا تُتهم بالمبالغة.
بعد دقائق، حين جلس إيهاب أمام اللابتوب ليراجع تسجيل كاميرا المراقبة التي وضعها في الصالة، ظن أنه سيثبت لنفسه أنها كانت تبالغ، لكنه رأى شيئًا لم يكن مستعدًا له. رأى زوجته تزحف على الأرض، تجر جسدها بصعوبة، وساقاها لا تتحركان. رأى كيف كانت تعض يدها حتى لا تصرخ، وكيف كان وجهها يتلوى من الألم وهي وحدها تمامًا. في تلك اللحظة، شعر أن قلبه يتوقف، وأن كل كلمة قالها لها من قبل تتحول إلى صفعة تضربه الآن.
ركض نحوها، حملها، وصرخ طالبًا النجدة، لكن الوقت كان قد مر طويلًا. في المستشفى، أخبره الطبيب بلهجة صارمة أن هناك ضغطًا خطيرًا على الحبل الشوكي، وأن التأخير كان يمكن أن يؤدي إلى شلل دائم. جلس إيهاب في الممر، يشعر بأن كل شيء ينهار داخله، وأن خطأه لم يكن مجرد إهمال، بل كان إنكارًا لإنسان كامل كان يحتاج فقط أن يُصدق.
حين فتحت مريم عينيها بعد العملية، لم يكن أول ما شعرت به هو الألم، بل الصمت. نظرت إلى إيهاب الذي كان يبكي، وقالت له بهدوء شديد إن الوجع في ظهرها يمكن أن يخف، لكن الوجع الذي تركته كلماته داخلها لا يوجد طبيب في العالم يستطيع أن يعالجه.
مرت الشهور، وتعافت مريم تدريجيًا، لكنها لم تعد كما كانت. لم تعد تنتظر تصديق أحد لتشعر بأنها موجودة. تعلمت أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس المرض… بل أن يُكذَّب وهو يتألم. وفي يوم هادئ، بينما كانت تحمل ليلى أمام المرآة، ابتسمت وقالت لها جملة ستظل الحقيقة الأصدق في حياتها: إن الوجع لا يحتاج دليلًا، بل يحتاج فقط أن يجد قلبًا يصدقه.