اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. كانت نادية واقفة في طرقة بيتها كأنها اتسمرت في الأرض، إيدها على مقبض الباب البارد، والبرد ده مش من معدن الباب قد ما هو من اللي سمعته وهو بيتقال جوا الأوضة بضحكة مرتاحة. الساعة كانت داخلة على منتصف الليل، 11:45 بالتمام، وهي أصلاً ما كانتش حاسة بالوقت من كتر ما اليوم بيتاكل منها لقمة لقمة. قامت من الساعة أربعة الفجر، غسلت وشها بميّة سريعة، لبست، وطلعت قبل ما الضوء يبان في السما. من ستة لاتنين كانت في المستشفى، واقفة على رجلها، بين نداءات المرضى، وطلبات الأطباء، وملفات وأجهزة وصوت سنابك الوقت اللي بيجري. من تلاتة لسبعة كانت في الكول سنتر، سماعة على ودنها، وشاشة قدامها، وناس بتزعق وناس بتشتم وناس بتطلب المستحيل، وهي بتبلع الكلام وتبتسم في صوتها زي ما اتعلمت عشان الراتب ما يطيرش. خطفت بسكويتة وهي سايقة العربية المتهالكة، لحد ما وصلت المطعم شفت من سبعة ونص لعشرة، ريحة زيت وسخونة ومشاهد زحمة ومواعيد تتكسر. وبعدها ما راحتش البيت، راحت لتنضيف مكاتب لحد الساعة حداشر إلا شوية، تمسح مكاتب ناس نايمة ومرتاحه، وتلم كوبايات قهوة مكلفتش أصحابها تعب خمس دقايق. رجليها كانت بتوجعها لدرجة إنها كانت حاسة إن كل خطوة بتطلع شرارة صغيرة في ركبتها، ضهرها مولع كأنه حاطين عليه حجر سخن، وعينيها بتحرقها من قلة النوم ومن الهواء الجاف اللي بتتنفسه طول اليوم. ومع ذلك، كانت بتقول لنفسها: “خلاص… أوصل البيت… أدخل أستحمى… أربع ساعات نوم… وبكرة نكمل”، كأنها بتقايض عمرها بساعات نوم، وكأن الأربع ساعات دي هي المكافأة الوحيدة اللي الدنيا بتديها. كانت داخلة البيت على قد ما تقدر من غير صوت، مش عشان كريم نايم، لا، عشان ما تتخانقش مع نفسها؛ هي كانت مخنوقة من صوت أي حاجة، حتى صوت مفاتيحها وهي بتترعش.
وقبل ما تفتح باب أوضتها، سمعت صوته. صوت كريم… نفس الضحكة اللي كانت بتقول زمان إنها بتحبها، الضحكة اللي كانت بتفتكرها رجولة وأمان وطموح، دلوقتي وهي واقفة ورا الباب حسّت إنها ضحكة مختلفة، ضحكة فيها استهتار، فيها قسوة رقيقة، فيها استمتاع غريب بوجع حد تاني. كان حاطط التليفون على السبيكر، والتليفزيون عالي، وفيه رجالة تضحك معاه كأنهم قاعدين في قهوة مش في بيتها هي. سمعته بيقول وهو بيرشف حاجة واضحة من صوت الكوباية: “بقولك إيه يا عم… أنا عايش ملك!” وطلع ضحك تاني من جوه، واحد قال له وهو بيضحك: “وهي بتشتغل كل ده وإنت قاعد؟” فرد كريم من غير تردد، كأن الكلام ده مفهوش عيب: “تقريبًا كده.” نادية حسّت قلبها بيمشي ببطء، مش بيقف، بس بيتأخر… كأنه بيستوعب على مهله الجملة اللي جاية. كريم كمل وهو مستمتع: “فاكرة نفسها بتساعدنا نسدد الديون سوا. فاكرة إننا فريق. فاكرة لو تعبت شوية زيادة الدنيا هتظبط.” واحد من الرجالة قال: “ده قاسي يا عم…” بس قالها وهو بيضحك برضه، ضحكة ناس بتحب الفرجة أكتر من الحقيقة. كريم رد: “قاسي إيه؟ ده ذكاء… آه لعبت شوية قمار وخسرت، غرقت في كريديت كارد… بس ليه أنا اللي أتعب؟ عندي عبدة شخصية فاكرة نفسها زوجة مثالية.” الكلمة نزلت على ودان نادية زي حجر في ميّة راكدة، “عبدة”… مش “مراتي”، مش “شريكتي”، مش “ست البيت”… “عبدة”. إيدها وقعت من على المقبض من غير ما تحس، شنطتها نزلت على الأرض بصوت خافت، ولا حد جوه لاحظ، لأن الضحك كان أعلى من أي صوت صغير، ولأن وجودها نفسه بقى صغير في عينهم. واحد تاني سأل: “طب والبنت اللي اسمها سارة؟ لسه معاك؟” كريم قالها بصوت مليان ابتسامة تقدر تشوفها حتى من غير ما تشوف وشه: “آه طبعًا… سارة متعرفش حاجة عن الديون، فاكراني ناجح. بخرجها أماكن حلوة، بجيب لها هدايا… مش زي نادية… دايمًا تعبانة وبتشتكي.” نادية كانت واقفة كأنها بتتفرج على نفسها من بعيد: هي اللي بتشرب ميّة من الحنفية عشان توفر، وهو بيرشف ويسكي غالي عشان يثبت لنفسه إنه “ملك”. واحد من الرجالة قال: “إنت بتصرف فلوس مراتك عليها؟” كريم ضحك وقال: “أجيب منين غير كده؟ نادية مبقتش حتى تراجع الحسابات… بتحط مرتبها وتمشي تشتغل تاني. باخد من فوق لتحت شوية لمصاريفي… فاكرة كل قرش رايح على الفواتير. هي تعبانة قوي لدرجة مبقتش تفكر.” لحظة واحدة بس، نادية حسّت إن جسمها بقى خفيف زيادة عن اللزوم، مش خفة راحة، خفة انقطاع، كأن روحها بتقول: “أنا تعبت من التفسير.” تلات سنين كاملين اتضغطوا في ثانية: يوم ما وقف قدامها يبكي ويقسم إنه غلط، وإنه اتورط في ديون قمار، وإنه محتاجها “بس الفترة دي”، وإنه مش هيكرر، وهي صدقته… حبته… ووقفت جنبه. اشتغلت شغلانة تانية، وبعدين تالتة، وبعدين رابعة. لبست نفس التلات هدوم سنة ورا سنة، قصت شعرها قدام مراية الحمام عشان توفر تمن الكوافير، لغت الجيم وبطلت تشوف صحابها، مبقتش تزور أمها عشان البنزين غالي، أكلت نودلز بزبدة فول سوداني عشان تمشي اليوم، وهو كان بيطلب أكل دليفري بفلوسها ويقول “المرة الجاية هعوضك”. وكل ده كان بيتحط في خانة “بيت بيتبني”… وطلع البيت ده سجن بيتقفل عليها كل يوم بمفتاح اسمه “الاستغلال”.
رجعت خطوة ورا، رجليها بقت زي الهلام، دخلت المطبخ من غير ما تفتح نور قوي، عينها وقعت على الحوض المليان أطباق: أطباق كريم اللي هتغسلها قبل ما تنام، واللي هتتوسخ بكرة تاني عشان هو يفطر ويسيبها. إيديها بدأت تترعش، مسكت الرخامة تثبت نفسها، الرخامة الفحمية اللي اختارتها بنفسها يوم ما اشتروا البيت من خمس سنين، وكانت يومها فرحانة كأنها بتختار شكل “الحياة”. دلوقتي وهي ماسكاها حسّت إن نفس الرخامة دي بقت شاهد على حاجة تانية: “أنا كنت بدفع تمن السجن اللي بيحبسني.” بصت حوالين المطبخ… كل حاجة هنا هي اللي دفعت تمنها: القسط، الكهربا، العفش، الأكل. وحتى لما كانت بتحاسب نفسها على كل جنيه كانت بتقول: “معلش… ديون… وبعدين هنرتاح.” فجأة تليفونها رن، إشعار من المستشفى: “ممكن تيجي بدري بكرة؟ في نقص في الطاقم.” نادية بصت للرسالة، وبصت بعدها للحوض، وبصت بعدها للباب المقفول اللي وراه كريم لسه بيضحك، وفجأة خرجت منها ابتسامة صغيرة. مش ابتسامة تعب ولا استسلام… ابتسامة لحظة “الفهم” اللي بتفصل حياة عن حياة. ردت على المستشفى من غير ما تفكر كتير: “أنا جاية حالًا… بس محتاجة سلفة عاجلة من المرتب، وبكره هخلص إجراءات النقل لفرع المحافظة التانية.” كانت بتكتب كأنها بتكتب لنفسها، كأنها بتسجل تاريخ جديد. دخلت أوضتها بهدوء كأنها خيال، كريم كان لسه بيضحك والتليفزيون عالي، وما بصتش له، ولأول مرة ما حسّتش بوجع ضهرها بنفس الطريقة؛ الألم ما اختفاش، لكنه ما بقاش سيد الموقف. فتحت الدولاب، سحبت شنطة سفر صغيرة، وحطت فيها أوراقها الرسمية، شهاداتها، شوية ملابس، اللاب توب، ومظروف صغير كانت مخبيه فيه نسخ من الإيصالات وعقود كانت دايمًا بتقول “هحتاجها لو الدنيا اتشقلبت”… وهي ما كانتش تعرف إن “لو” دي قربت.
وهي خارجة، كريم لمحها من باب الأوضة المفتوح، كان ممدد، وشعره مبعثر، وعينيه نص مفتوحة، ولما شاف الشنطة اتكلم بنبرة استنكار وهو لسه فاكر نفسه صاحب القرار: “إيه يا نادية؟ رايحة فين في وقت زي ده؟ والمواعين اللي في الحوض دي مين هيغسلها؟” نادية وقفت، بصت له بنظرة غريبة، نظرة مش غضب ولا بكاء ولا رجاء… نظرة نضافة، كأنها شالت عن وشها كل المشاعر اللي كانت بتغطي الحقيقة زمان. قالت بهدوء مرعب: “العبدة خدت إجازة يا كريم… إجازة أبدية.” كريم اتعدل فجأة، كأن الكلمة قرصته، حاول يضحك يطلع الموضوع هزار: “إنتِ بتقولي إيه؟ طب والديون؟ والبيت؟” وبعدين اتلخبط، لأن في دماغه كانت سارة، فطلع الاسم من بقّه قبل ما يلحق يخبّيه، فسكت مرة واحدة لما أدرك إنها سمعت. وشه اتغير، لونه راح وجِه، قام يحاول يمسك إيدها: “نادية… أنا كنت بهزر… ده كلام رجالة… إنتِ عارفة إني بحبك.” نادية زقت إيده بقوة ما كانتش تعرف إنها لسه عندها، وقالت وهي بتجمع أنفاسها كأنها بتسترجع صوتها: “أنا فعلاً ما بقيتش أراجع الحسابات… عشان كنت براجع نفسي. بس اللي إنت ما تعرفوش إن الشقة دي باسمي أنا، والقرض اللي باسمي سددته الصبح بآخر قرش كان معايا… أما ديونك اللي باسمك إنت، والكمبيالات اللي مضيت عليها لصحابك… دي بقى مش دوري. واللي اسمها سارة… خليها تسمع الحقيقة منك، مش منّي.” فتحت باب الشقة، وقبل ما تقفله، رمت له مريلة المطبخ تحت رجليه، المريلة اللي كانت بتلبسها وهي بتنهج: “اغسل أطباقك يا ملك… عشان بكرة المحضر هيخبط على الباب.” نزلت السلم وهي حاسة إن جسمها خفيف بشكل مخيف وجميل في نفس الوقت، لأول مرة من سنين تحس إن الهوا له طعم، وإن الشارع مش بس طريق بين شغل وشغل، ده طريق ممكن يودي لحياة تانية. ركبت عربيتها، وطلعت على المستشفى، مش عشان شفت إضافي زي كل مرة، لكن عشان تستلم السلفة وتثبت نقلها وتفتح باب جديد… وهي في دماغها فكرة واحدة بتلم كل الكلام: “أنا هتعب لنفسي، مش لحد بياكلني.”
الساعة دقت تسعة الصبح، وكريم صحي على صوت خبط رزِين على الباب، خبط ناس مش جاية تتكلم، ناس جاية تنفذ. قام وهو دايخ، آثار سهر وويسكي، بينادي بصوت متعود إن حد يرد: “نادية! افتحي الباب ده… شوفي مين الرخم… نادية!” مفيش رد. البيت كان هادي هدوء مرعب، هدوء ما اتعودش عليه، لأن نادية كانت دايمًا هي صوت البيت: صوت المواعين، صوت المكنسة، صوت نفسها وهي بتنهج من التعب. فتح الباب وهو بيفرك عينيه، لقى اتنين رجالة ببدل رسمية ومعاهم عسكري. واحد فيهم قال بنبرة موظف حافظ الكلام: “أستاذ كريم؟ إحنا من تنفيذ الأحكام. معانا أمر بحجز على المنقولات لسداد ديون البنك المتأخرة، وكمان إخطار بإخلاء الشقة لأن ملكيتها انتقلت لجهة تانية بناءً على تسوية قانونية عملتها المدام نادية.” كريم اتجمد، لسانه اتقل، حاول يضحك ضحكة دفاع: “مدام نادية مين؟ دي مراتي… والشقة دي شقتي.” الموظف بص له بشفقة فيها سخرية، الشفقة اللي بتوجع أكتر من الإهانة: “الشقة مسجلة باسمها يا أستاذ، وهي باعتها الصبح لشركة عقارات وسددت مديونيتها الشخصية، والشركة بعتة إنذار بإخلاء خلال 24 ساعة… أما القروض اللي باسمك إنت… فالبنك حاجز على كل حاجة جوه.” دخلوا البيت، وبدأوا يشيلوا التليفزيون اللي كان بيقعد قدامه وهي بتكرفس في المطبخ، شالوا الكنبة اللي كان بيتمدّد عليها، شالوا حتى التلاجة اللي كانت نادية بتملاها بفلوس شفتات الكول سنتر. كريم كان بيجري وراهم بكلام متقطع: “استنوا… طب… مينفعش… ده… ده بيتنا.” محدش سمعه، لأن الورق أقوى من صوته، ولأن الحق لما يتوثق ما بيحتاجش صراخ.
جرى على تليفونه واتصل بسارة، كأنها طوق نجاة وهو غرقان في نفس الميّة اللي غرّق فيها نادية سنين. أول ما ردت، قال بسرعة: “سارة… إلحقيني… أنا في مصيبة!” ردت ببرود ما كانش متخيله منها: “مين معايا؟ كريم؟ آه… سمعت.” سكت لحظة، كأنها بتبلع قرفها وبعدين قالت: “نادية بعتت لي تسجيل بصوتك… وإنت بتقول إني فاكرة نفسي مع واحد ناجح، وبتهديني بهدايا مدفوعة من عرقها… بصراحة… أنا اتقفلت منك. متكلمنيش تاني.” وقفلت السكة في وشه. كريم فضل ماسك الموبايل كأنه اتكسر، وبص حواليه… البيت بقى فاضي، بلاط بارد، حيطان من غير روح، والمطبخ اللي كان بالنسباله محطة أكل وخلاص، بقى دلوقتي مكان بيصرخ بالحقيقة. لقى ورقة صغيرة ملزوقة على الرخامة الفحمية اللي نادية اختارتها، مكتوب فيها بخط إيد ثابت ومستريح: “العبدة اعتقت نفسها يا كريم. الديون اللي سبتها لك مش بس فلوس، دي ديون سنين من عمري وصحتي… القمار اللي كنت بتلعبه كان بمشاعري، والمرة دي إنت اللي خسرت. الأطباق اللي في الحوض؟ سيبتها لك وسخة… زي حياتك بالظبط.” قرأها مرة… واتنين… وتلاتة… وكل مرة كانت الكلمة بتوجعه في مكان مختلف، لأنه لأول مرة شايف نفسه من بره من غير ما يقدر يهرب لنكتة أو ضحكة.
في الوقت اللي كان كريم بيشوف حياته بتتسحب من تحت إيده زي سجادة، كانت نادية راكبة القطر، ساندة راسها على الشباك، والشمس طالعة على وشها كأنها بتغسل ملامحها من تعب سنين. ما كانتش خايفة من بكرة، لأول مرة “بكرة” ما كانش فخ، بقى مساحة. نامت ساعتين في استراحة المستشفى قبل القطر، ساعتين كانوا أكرم عندها من خمس سنين نوم على سرير فيه خيانة واستهتار. وفي المحافظة التانية، الدنيا ما كانتش وردية فجأة، ولا المعجزات نزلت من السما، لكنها كانت على الأقل مفهومة: شغل واحد بدل أربعة، خطوات ثابتة بدل جري، وناس مش عارفاها مش عشان تهرب، لكن عشان تبدأ من غير سلاسل. بالسلفة اللي خَدتها وبمكافأة نهاية الخدمة اللي قدرت تستلمها لما رتبت أوراقها صح، دخلت دبلومة إدارة مستشفيات، وكانت بتذاكر في الليالي اللي كانت زمان بتغسل فيها أطباق مش بتخلص. كانت تتعب، آه، بس كان تعب فيه معنى، تعب لما تبكي بعده تبكي على مجهودها مش على إذلالها. صحتها رجعت واحدة واحدة، عينها اللي كانت دايمًا محمرة من قلة النوم بقت أهدى، ووشها اللي كان باهت بقى فيه لون بسيط، لون حد بيستعيد نفسه. اتدرجت في شغلها، لحد ما بقت رئيسة طاقم تمريض في مستشفى استثماري كبير، ووقفت قدام مراية مكتبها وهي بتظبط بالطوها الأبيض، وقالت لنفسها بصوت واطي: “أنا مش لازم أثبت لأي حد… يكفي إني ما خنتش نفسي.” اشترت عربية صغيرة بتاعتها، مش عشان تركض من شغل للتاني، لكن عشان يوم الجمعة تروح البحر وتشرب قهوة من غير ما تحسبها على ديون حد. بدأت تزور أمها تاني، وتدخل عليها وهي شايلة شنطة فاكهة وتضحك ضحكة خفيفة، الضحكة اللي كانت مدفونة تحت صوت الإرهاق.
أما كريم… فكان بيقف في طوابير طويلة قدام مكاتب وتأمينات ودكاترة نفسية ما كانش مؤمن بيهم، يلبس هدوم باهتة بعدما كانت “براندات” بفلوس نادية، ويكتشف فجأة إنه ما بيعرفش يعمل حاجة غير إنه يمثل. حاول يشتغل مندوب مبيعات، اتأخر واتكاسل واتطرد. اشتغل كاشير، غلط في الحسابات واتحمل العجز. حاول يرجع لنفس القعدة ونفس الضحك ونفس الرجالة، لكن الرجالة اللي بتضحك على تعب غيرها بتختفي أول ما الفلوس تختفي، فلقى نفسه لوحده، من غير ضهر، من غير بيت، من غير “عبدة” تسدد عنه. وفي يوم وهو ماشي في الشارع، شاف مجلة على كشك، صورة كبيرة لست لابسة بالطو أبيض وبتستلم تكريم كنموذج نجاح في الإدارة الصحية… كانت نادية. ملامحها كانت ثابتة، ضحكتها حقيقية، فيها نور ماكانش يتخيله لأنها طول عمرها في نظره كانت مجرد ماكينة فلوس وتعب. مسك المجلة بإيد بتترعش، حاول يتصل بالرقم القديم… “خارج الخدمة”. دخل على حسابها… لقى الدنيا مقفولة، خصوصية، ولا صورة قديمة، ولا ذكرى، ولا باب. ما كانتش بتهرب منه، هي كانت بتقفل كل طريق يرجعها للخلف. نادية كانت بتنضف حياتها منه تمامًا، لدرجة إنه ما بقاش حتى عدو؛ بقى مجرد اسم قديم في ورقة مرمية.
وفي آخر يوم شغل قبل الإجازة، نادية قفلت مكتبها، خرجت، ركبت عربيتها، فتحت الموبايل لقت رسالة من أمها: “يا بنتي وحشتيني… مش هتيجي تقضي الويك إيند معايا؟” نادية ردت وهي بتضحك ضحكة فيها دفء: “جاية يا أمي… وجايبة لك معايا هدية… حجزت لك عمرة عشان نفرح سوا.” ما قالتش “عشان كريم”، ما قالتش “عشان أثبت”، ما قالتش “عشان أنتقم”، لأنها كانت عارفة إن أجمل انتقام هو إنها تعيش من غير ما تكون سجينة لقصة حد تاني. وفي مكان تاني، كان كريم واقف في مطعم شعبي بيغسل أطباق بإيده، الأطباق اللي كان بيستكثر يغسلها لنادية… بقت وسيلته الوحيدة عشان يعيش. العدالة مش دايمًا محاكم وصوت عالي، ساعات العدالة بتكون إن حد كان فاكر نفسه ملك، يكتشف إنه كان عايش على تعب غيره… ولما التعب ده يمشي، يفضل هو لوحده قدام مراية الحقيقة. نادية ما كانتش بطلة خارقة، كانت إنسانة اتكسرت وبعدين لمّت نفسها، خطوة ورا خطوة، لحد ما بقت واقفة على رجليها من غير ما تستند على حد، وبقت عارفة إن الحب اللي يطلب منك تموتي عشان يعيش… ده مش حب، ده استغلال متغلف بكلمة “جواز”. ومع كل نفس جديد كانت بتاخده وهي سايقة على طريق مفتوح، كانت بتردد جواها كلمة واحدة كأنها عهد: “لن أرجع.”