قضية محمد سيد صابر: كيف تحولت حياة مهندس مصري إلى واحدة من أشهر قضايا التجسس في مصر
في بعض اللحظات الهادئة من الحياة يحدث ما لا يتوقعه أحد.
يكون كل شيء عاديًا إلى حد يجعل الإنسان مطمئنًا أن يومه سيمضي كغيره من الأيام،
لكن حدثًا واحدًا قد يغير كل شيء فجأة.
هذا ما حدث في شقة سكنية عادية في منطقة فيصل بالقاهرة.
لم يكن في المكان ما يلفت الانتباه:
مبنى سكني مثل آلاف المباني الأخرى،
وشقة يعيش فيها زوجان يبدوان كأي أسرة مصرية بسيطة.
في ذلك اليوم، دق جرس الباب بطريقة عادية.
فتحت الزوجة الباب دون أي توقع لما ستراه.
لكن المفاجأة كانت وجود عدد من الرجال أمامها،
بعضهم من رجال الأمن ومعهم مسؤولون من النيابة.
دخلوا الشقة وبدأوا إجراءات التفتيش بهدوء شديد.
المشهد كان مربكًا للزوجة التي لم تفهم ما الذي يحدث،
لكن الأكثر غرابة كان رد فعل زوجها.
المهندس محمد سيد صابر وقف صامتًا تقريبًا.
لم يعترض، ولم يسأل، ولم يبدُ عليه الارتباك المعتاد في مثل هذه المواقف.
كانت زوجته تنظر إليه بقلق واضح وتسأله:
ماذا يحدث؟ ولماذا جاء هؤلاء؟
لكنه اكتفى بجملة قصيرة قالها بصوت هادئ:
“هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب.”
لم تكن تعلم في تلك اللحظة أن هذه اللحظات ستكون بداية قصة طويلة،
قصة ستصبح بعد أسابيع موضوعًا تتحدث عنه الصحف والبرامج التلفزيونية،
وستعرف لاحقًا باسم قضية محمد سيد صابر.
لكي نفهم خلفية قضية محمد سيد صابر يجب العودة عدة سنوات إلى الوراء،
إلى حياة شاب مصري كان يسير في طريق علمي طبيعي.
وُلد محمد سيد صابر عام 1972.
نشأ مثل كثير من الشباب الذين حلموا بمستقبل علمي ناجح.
منذ سنوات دراسته الأولى كان واضحًا أنه طالب مجتهد،
وكان يميل إلى المجالات العلمية التي تتطلب تركيزًا وجهدًا كبيرين.
بعد انتهاء المرحلة الثانوية التحق بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية،
إحدى الجامعات العريقة في مصر.
خلال سنوات الدراسة كان معروفًا بين زملائه بالجدية في التعامل مع دراسته.
لم يكن كثير الظهور في الأنشطة الاجتماعية،
لكن اهتمامه الأكبر كان بالجانب العلمي.
في عام 1997 تخرج من كلية الهندسة،
وكانت هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة في حياته المهنية.
بعد التخرج التحق بالعمل في هيئة الطاقة الذرية.
هذا النوع من المؤسسات العلمية يُعد من أكثر المجالات حساسية،
لأن عمله يرتبط بالأبحاث النووية والاستخدامات السلمية للطاقة.
في تلك الفترة بدا أن مستقبله المهني يسير بشكل طبيعي.
مهندس شاب يعمل في مؤسسة علمية مهمة ويحاول تطوير نفسه.
لكن مع مرور الوقت ظهرت بعض الخلافات المهنية داخل بيئة العمل.
بعض من عملوا معه لاحقًا قالوا إنه كان شديد الطموح،
وربما كان يشعر أحيانًا أن قدراته لا يتم تقديرها بالشكل الذي يتوقعه.
هذه المشاعر أدت إلى توترات بسيطة مع بعض زملائه ورؤسائه،
وهي أمور قد تحدث في كثير من بيئات العمل.
لكن هذه التفاصيل أصبحت لاحقًا جزءًا من الخلفية التي ذُكرت عند الحديث عن
قضية محمد سيد صابر.
في إحدى المراحل قام محمد بخطوة أثارت دهشة بعض المسؤولين.
فقد توجه بنفسه إلى سفارة دولة أجنبية وقدم طلبًا للدراسة في مجال الطاقة الذرية هناك.
هذا التصرف اعتُبر غير معتاد بالنسبة لشخص يعمل في مجال علمي حساس،
لذلك تم استدعاؤه للتحقيق الإداري في ذلك الوقت.
بعد التحقيق تم اتخاذ قرار بإبعاده عن بعض المهام،
لكن لم يتم إنهاء عمله بشكل كامل.
في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن هذا الحدث سيظهر لاحقًا ضمن تفاصيل
قضية محمد سيد صابر.
بعد فترة قرر محمد السفر للعمل في المملكة العربية السعودية.
كان السفر للعمل في الخارج خيارًا شائعًا بين المهندسين المصريين في تلك الفترة.
احتفظ بوظيفته في مصر،
لكن عمله الفعلي أصبح في الخارج لفترة من الوقت.
خلال هذه المرحلة بدأ يراسل عددًا من الجامعات والمؤسسات العلمية في الخارج،
عارضًا التعاون أو التقديم للدراسات العليا.
في الظاهر كان الأمر يبدو محاولة لتطوير مستقبله العلمي،
لكن لاحقًا ظهرت تفاصيل أخرى مرتبطة بهذه المراسلات.
بعد فترة تلقى اتصالًا من شخص قدم نفسه على أنه يعمل في شركة أبحاث مقرها هونج كونج.
عرض عليه التعاون في بعض المشروعات العلمية ودعاه لزيارة مقر الشركة.
بالنسبة لمهندس يبحث عن فرص علمية جديدة،
بدت هذه فرصة مهمة، لذلك وافق على السفر.
في هونج كونج التقى بعدة أشخاص قدموا أنفسهم كباحثين.
في البداية دارت الأحاديث حول موضوعات علمية عامة.
لكن مع مرور اللقاءات تغيرت طبيعة الحديث تدريجيًا.
وبحسب ما ورد لاحقًا في التحقيقات،
كشف هؤلاء الأشخاص أنهم يعملون لصالح جهاز استخبارات.
في تلك اللحظة عرضوا عليه التعاون مقابل مبالغ مالية.
في البداية كانت الطلبات بسيطة نسبيًا،
لكنها مع الوقت أصبحت أكثر دقة وتفصيلًا.
بعد انتهاء هذه اللقاءات عاد محمد إلى مصر.
وبحسب التحقيقات لاحقًا،
كان الهدف أن يعود إلى موقع عمل يمكنه من الحصول على معلومات مرتبطة بطبيعة الأبحاث.
خلال تلك الفترة جمع بعض المعلومات المرتبطة بطبيعة العمل في المفاعل البحثي في أنشاص
وبعض التفاصيل الفنية المتعلقة بالأجهزة المستخدمة.
هذه المرحلة أصبحت نقطة مهمة في التحقيقات التي عُرفت لاحقًا باسم
قضية محمد سيد صابر.
مع مرور الوقت بدأت بعض الأمور تثير الانتباه.
كان من بينها سفره المتكرر إلى الخارج،
بالإضافة إلى بعض الأسئلة التي طرحها داخل العمل حول معلومات لا ترتبط مباشرة بتخصصه.
هذه التفاصيل دفعت الجهات المختصة إلى مراقبة تحركاته لفترة من الوقت.
وبعد متابعة استمرت فترة، تم اتخاذ القرار بالقبض عليه.
في 18 فبراير عام 2007 كان محمد سيد صابر عائدًا إلى مصر بعد رحلة خارجية.
عند وصوله إلى مطار القاهرة تم توقيفه بواسطة ضباط الأمن.
تم تفتيش أمتعته،
وتم العثور على جهاز كمبيوتر محمول وعدد من الأقراص والملفات التي قيل إنها تحتوي على بيانات مشفرة.
من تلك اللحظة بدأت التحقيقات الرسمية التي ستتحول لاحقًا إلى قضية معروفة إعلاميًا باسم
قضية محمد سيد صابر.
النيابة وجهت إليه اتهامات بالتخابر مع جهات أجنبية
ونقل معلومات تتعلق بطبيعة العمل في مركز الأبحاث النووية.
ووفقًا للتحقيقات،
قيل إنه حصل على مبالغ مالية مقابل المعلومات التي نقلها،
بلغ مجموعها نحو 17 ألف دولار.
في بداية التحقيقات أنكر محمد هذه الاتهامات،
وقال إن ما حدث كان مجرد تعاون علمي مع شركة أجنبية.
لكن المحكمة نظرت في الأدلة المقدمة،
والتي تضمنت ملفات وأجهزة تم ضبطها معه،
بالإضافة إلى سجلات اتصالات وتحويلات مالية.
في يونيو عام 2007 صدر الحكم بالسجن لمدة 25 عامًا
مع غرامة مالية تعادل المبالغ التي حصل عليها.
بعد دخوله السجن تغيرت حياته بالكامل.
انفصل لاحقًا عن زوجته رغم تمسكها في البداية باستمرار العلاقة.
خلال سنوات سجنه قيل إنه كان يقضي وقتًا طويلًا في القراءة والكتابة،
وأنه كتب أفكارًا تتعلق بالاقتصاد والسياسة ورؤيته لمستقبل مصر.
وفي مرحلة لاحقة تحدث عن إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية إذا خرج من السجن،
وهو تصريح أثار نقاشًا واسعًا في وسائل الإعلام في ذلك الوقت.
وهكذا انتهت فصول واحدة من القضايا التي بقيت لفترة طويلة في ذاكرة الرأي العام المصري،
قضية بدأت بطرق باب شقة هادئة في فيصل،
وأصبحت معروفة لاحقًا باسم قضية محمد سيد صابر.