الظرف اللي رجّع الماضي كله
الحكاية دي ما كانتش مجرد موقف عدى… دي كانت عمر كامل اتبنى واتكسر واتلخبط في لحظة واحدة، لحظة صغيرة ممكن تعدي على أي حد وهو مش واخد باله، لكن بالنسبة لي كانت النهاية والبداية في نفس الوقت. من 15 سنة، اليوم ده لسه محفور جوايا كأنه حصل امبارح، يوم ما أخويا وقف قدام بيتي، وشه باهت ومكسور، وعيونه فيها وجع عمره ما كان فيه قبل كده، وقال لي إن مراته ماتت. ما كملش أربعينها حتى… وبعدها اختفى. اختفى كده، زي ما يكون اتبخر، لا ساب رسالة، ولا قال كلمة، ولا حتى وداع يريح القلب. فجأة لقيت نفسي واقفة قدام باب شقتي، والجارة واقفة جنبي، ومعاها التلات بنات… بناته هو… واقفين ماسكين في بعض كأنهم خايفين الدنيا كلها تقع عليهم. كان معاهم شنطة واحدة بس… شنطة صغيرة لا تشيل عمر ولا وجع ولا حياة كاملة، لكن كانت شايلة كل اللي فاضل لهم من الدنيا.
أصغر واحدة كانت عندها 3 سنين، كانت بتبصلي بعينين مليانين سؤال، سؤال بسيط جدًا في شكله، لكنه كان بيكسر القلب كل مرة يتقال: “ماما هترجع إمتى؟” السؤال ده فضل يرن في وداني شهور، وكل مرة كنت بحاول أرد، كنت بحس إني بكذب، حتى لو كنت بقول “قريب”… لأن الحقيقة إني ما كنتش عارفة، ومكنتش فاهمة ليه أبوهم اختفى كده. الكبيرة، اللي كان عندها 8 سنين، بطلت تعيط بعد أول أسبوع… وده كان أسوأ بكتير من العياط، لأن سكوتها كان تقيل، كان بيقول حاجات أكبر من سنها، كأنها فجأة كبرت غصب عنها. أما الوسطانية، فكانت حالة لوحدها… فضلت شهور ما بترفعش هدومها من الشنطة، كانت نايمة جنبها، كأنها مستنية في أي لحظة حد يقولها “يلا هنمشي”… كانت عايشة على أمل مؤقت، وأنا كنت شايفة الأمل ده بيتهد يوم ورا يوم.
في الأول كنت بقول لنفسي: أكيد هييجي… أكيد حصل له حاجة… مفيش أب يسيب عياله كده، خصوصًا بعد ما مراته تموت في حادثة بالشكل ده. كنت بحاول أدي له عذر حتى وهو مش موجود، يمكن عشان أريح نفسي، أو عشان البنات ما يكرهوهوش. لكن الوقت ما كانش في صالحي، الأيام كانت بتجري، والأسابيع بقت شهور، والشهور بقت سنين… ولا أي خبر. لا تليفون، لا رسالة، لا حتى حد شافه وقال كلمة تطمني. وفي لحظة معينة، من غير ما أخد بالي، بطلت أستناه… مش قرار أخدته، لكن حاجة حصلت جوايا لوحدها. بقيت أنا اللي بصحى الصبح أجهز لهم الفطار، وأنا اللي بجهز لهم شنطة المدرسة، وأنا اللي بحضر الاجتماعات، وأنا اللي بوقع الورق، وأنا اللي أسمع شكاوي المدرسين، وأنا اللي أفرح بنجاحهم وأزعل من دموعهم.
بقيت أنا الأم بكل تفاصيلها، مش بس بالأكل والشرب، لكن بالحنان، بالخوف، بالقلق اللي بيصحيني من النوم لو واحدة فيهم تعبت، بالوجع اللي بحسه لما واحدة ترجع من المدرسة زعلانة من كلمة حد قالها لها. كنت بشوفهم بيكبروا قدامي، أول يوم مدرسة، أول مرة واحدة فيهم تقع وتتجرح، أول مرة واحدة تحكيلي سرها، أول مرة واحدة تحب وتخاف تقول. ومع كل لحظة، كنت بحس إنهم مش “بنات أخويا” خلاص… دول بناتي أنا. الدم مش هو اللي بيصنع العلاقة، العِشرة هي اللي بتعمل ده، والسنين اللي عشتها معاهم كانت كفاية تخليني أنسى إنهم في يوم كانوا تبع حد تاني.
مرت السنين، والبيت اللي كان في الأول مليان حزن، بقى فيه ضحك، بقى فيه صوت حياة. الكبيرة دخلت الجامعة، وكانت أول واحدة تلبس عباية التخرج وأنا واقفة أعيط زي الأم اللي شايفة تعبها بيطلع قدامها في صورة نجاح. الوسطانية بقت أقوى، بقت تضحك، وتفك الشنطة اللي كانت ماسكة فيها سنين، وكأنها أخيرًا صدقت إنها مش هتمشي. والصغيرة… كبرت وهي فاكرة إني أنا أمها، مش بس في المعاملة، لكن في الإحساس كمان. وده كان بيريحني ويوجعني في نفس الوقت، لأني كنت عارفة إن الحقيقة ممكن في يوم تظهر.
ولحد الأسبوع اللي فات… اليوم اللي قلب كل حاجة. كنت قاعدة في البيت، يوم عادي جدًا، مفيهوش أي حاجة مميزة، البنات كل واحدة في حالها، وأنا بجهز الأكل، لحد ما سمعت خبط على الباب. خبط عادي، لكنه كان تقيل بطريقة غريبة، كأن الباب نفسه حاسس إن اللي وراه مش حد عادي. فتحت… وشوفت راجل واقف، كبير، وشه متغير، فيه تجاعيد مش بس من الزمن، لكن من تعب واضح، عينه فيها نظرة غريبة… نظرة حد شاف كتير وسكت. البنات ما عرفوهوش، بالنسبة لهم هو غريب. لكن أنا… عرفته من أول لحظة. أخويا.
وقفت قدامه، قلبي بيدق بطريقة مش مفهومة، مش عارفة أفرح ولا أزعل ولا أصرخ ولا أسأله “كنت فين؟” 15 سنة يا بني آدم! 15 سنة سبت عيالك ومشيت! لكن ولا كلمة خرجت من بُقي. وهو كمان ما اعتذرش… ما قالش آسف… ما شرحش… ما بررش… بس بص لي، بنظرة تقيلة، وكأنه شايل حاجة تقيلة جواه، ومد إيده واداني ظرف مقفول. وقال بهدوء غريب: “ما تفتحيهوش قدامهم.” الجملة كانت بسيطة، لكن فيها سر، فيها خوف، فيها حاجة مش مفهومة. مسكت الظرف، وبصيت له، وقلت في سري: 15 سنة غياب… وده كل اللي راجع بيه؟ ظرف؟!
وقفت لحظة، الزمن كله مر قدامي، كل يوم تعبت فيه، كل دمعة شوفتها في عيون البنات، كل مرة سألت نفسي ليه عمل كده… وبعدين رفعت عيني عليه، وهو واقف ساكت، وكأن اللي في الظرف ده أهم من أي كلام. ومن غير ما أفكر، فتحت الظرف. كان المفروض أستنى، كان المفروض أسمع كلامه، لكن فضولي، ووجعي، وغضبي… كلهم خلوني أفتح.
أول ما عيني وقعت على اللي جواه… الدنيا سكتت. الصوت اختفى، المكان اختفى، حتى نفسي اختفى لحظة. حسيت إني مش واقفة على رجلي، إني بتهز من جوايا، وكأن الأرض اتسحبت من تحتي. الورق كان بسيط في شكله، لكن معناه كان تقيل جدًا. خرجت عن وعيي، حرفيًا، إيدي راحت على وشي، ولطمت نفسي وأنا بصرخ: “يا حبيب قلب أختك… إنت كده يا عوني؟!” الصرخة خرجت من قلبي قبل بُقي، صرخة فيها وجع السنين كلها، فيها خيانة، فيها صدمة، فيها إحساس إن كل اللي عشته كان ناقصه الحقيقة.
البنات جريوا عليا، مش فاهمين في إيه، خايفين عليا، وأنا واقفة مش قادرة أشرح، مش قادرة أقول لهم الحقيقة، لأن الحقيقة كانت أكبر منهم، وأكبر مني أنا كمان. أخويا كان واقف ساكت، ما قربش، ما حاولش يهديني، كأنه عارف إن اللحظة دي لازم تحصل، وإن اللي في الظرف ده هو الحكم الأخير. بصيت له، بعين مليانة دموع وغضب، وسألته بصوت مكسور: “كنت فين؟ عملت كده ليه؟!” لكنه فضل ساكت… وسكوته كان أوجع من أي إجابة.
في اللحظة دي، فهمت إن القصة مش مجرد غياب… دي حكاية أكبر، فيها سر، فيها حاجة كانت مخبية طول السنين دي، حاجة ممكن تهد كل اللي اتبنى، وممكن تغير نظرة البنات لأبوهم… وللدنيا كلها. الظرف اللي كان في إيدي، ما كانش مجرد ورق، كان مفتاح لحقيقة اتدفنت 15 سنة، وأنا فجأة بقيت واقفة قدامها، لوحدي، ومطلوب مني أقرر… أقول ولا أخبي؟ أحمي البنات ولا أواجههم بالحقيقة؟
والسؤال اللي فضل معلق في الهوا، ومش لاقي إجابة… أخويا كان فين طول السنين دي؟ وليه رجع دلوقتي؟ وليه الظرف ده تحديدًا؟ وإيه اللي فيه خلاني أنهار بالشكل ده؟ الحقيقة كانت أصعب بكتير من مجرد غياب… وكانت لسه في أولها.