الطلاق اللي قلب الموازين… وخلى شريف يندم بعد فوات الأوان

الطلاق اللي قلب الموازين… وخلى شريف يندم بعد فوات الأوان


اليوم اللي شريف ساب فيه مراته… وخسر كل حاجة كان فاكر إنه كسبها

اليوم اللي شريف خرج فيه من البيت وساب مراته، مكنش عنده أي فكرة إن القدر كان واقف على بعد خطوة واحدة بس من إنه يقلب حياته كلها رأسًا على عقب. وهو بيقفل شنطة السفر الغالية بتاعته ويحط فيها آخر حاجاته، كان متأكد إنه بياخد القرار الصح، ومتأكد كمان إنه أخيرًا بيسيب وراه حياة صغيرة عشان يروح لحياة أكبر، حياة فيها فلوس أكتر، وشهرة أكتر، وناس أهم، ومستقبل شايفه بعنيه واضح زي الشمس. كان مقتنع إنه هو اللي كسبان، وإن رنا هي اللي هتفضل واقفة مكانها، زي ما كانت دايمًا، ست بسيطة وهادية، عايشة في عالم مختلف عن العالم اللي هو بيجري وراه.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، مختلفة للدرجة اللي لو حد قاله عليها في اللحظة دي كان هيضحك ومش هيصدق. لأن الست اللي كان بيبصلها دلوقتي على إنها صفحة قديمة في حياته، كانت بعد أيام قليلة جدًا هتبقى واحدة من أغنى الستات في القاهرة كلها. ثروة ضخمة كانت مستنياها في هدوء، من غير استعراض ومن غير ضجيج، ثروة كفيلة إنها تغير شكل حياة أجيال كاملة، ومكنش ناقصها غير توقيع واحد وإجراءات قانونية بسيطة عشان تبقى رسمياً تحت إيدها.

لكن شريف مكانش يعرف أي حاجة من دي. كل اللي كان شايفه وقتها إن نادين مستنياه، وإن حياته الجديدة جاهزة تبدأ، وإن البيت اللي عاش فيه اتناشر سنة بقى ضيق عليه، وإن الست اللي شاركته عمره مبقتش مناسبة للطريق اللي هو متخيل إنه رايح له. كان شايف نفسه شخص اتطور، واتغير، وكبر، بينما رنا من وجهة نظره فضلت واقفة مكانها.

المطر كان نازل برا بغزارة على شوارع المعادي. قطرات المية كانت بتخبط في الشبابيك بإيقاع ثابت، والجو كله كان فيه برودة غريبة. البيت كان هادي بشكل يخلي أي حد يحس إن فيه حاجة كبيرة على وشك تحصل. في المطبخ كانت رنا واقفة قدام الرخامة، ماسكة فوطة مواعين بإيديها، وعاملة عشا كامل كانت متوقعة إنهم يقعدوا ياكلوه سوا زي أي يوم عادي.

صينية الفراخ بالبطاطس كانت لسه سخنة فوق البوتاجاز. السلطة متجهزة. الأطباق متحطوطة على السفرة. وحتى الشموع الصغيرة اللي كانت بتحب تنورها في الليالي الممطرة كانت مولعة ومستنية حد يقعد حواليها.

بس الليلة دي مكنتش شبه أي ليلة.

شريف وقف في مدخل المطبخ، كح كحة خفيفة وهو بيعدل ياقة البالطو الكحلي الجديد بتاعه. كان متأنق زيادة عن اللزوم، وكأن رايح حفلة مش رايح ينهي جواز استمر أكتر من عقد كامل. يمكن هو نفسه مكنش مدرك قد إيه التفاصيل الصغيرة دي بتوجع أكتر من الكلام نفسه.

قال بصوت حاول يخليه هادي:
“رنا… بلاش تصعبي الأمور علينا.”

رنا رفعت عينها وبصت له. مجرد نظرة واحدة. لا فيها دموع ولا عصبية ولا حتى اندهاش. ودي كانت أول حاجة خلت شريف يحس بعدم ارتياح غريب. لأنه كان متوقع أي رد فعل إلا الهدوء.

فضلت باصة له ثواني طويلة قبل ما تسأله:
“هي مين؟”

السؤال كان بسيط، لكنه كان شايل وراه شهور من الشك والتجاهل ومحاولات الفهم.

شريف بلع ريقه وقال:
“أنتِ عارفاها كويس.”

ردت بهدوء:
“عارفة اسمها نادين… وعارفة إنها بتبعتلك رسائل بعد نص الليل… وعارفة إنها بتتكلم عني بطريقة مستفزة… بس أنا بسألك هي إيه بالنسبة لك؟”

ساعتها أخد نفس طويل. النفس اللي بياخده أي شخص قبل ما يقول حاجة عارف إنها هتوجع اللي قدامه. أو يمكن قبل ما يعمل حاجة عارف إنها غلط لكنه مصمم عليها.

وبعدين قال:
“هي مستقبلي.”

الكلمة وقعت في المكان كله كأنها جسم تقيل وقع على الأرض. حتى صوت المطر برا حس إنه اختفى للحظة.

رنا هزت راسها ببطء.

“وأنا؟”

بص حواليه. على الدواليب البيضا اللي هي اختارتها. على الفازات اللي كانت بتغير وردها كل يومين. على المطبخ اللي قضت فيه سنين بتطبخ وتجهز وتستقبل ضيوفه وأصحابه.

وقال:
“أنتِ ست محترمة وأصيلة… بس الأصل والطيبة مش كل حاجة.”

لأول مرة اتشدت صوابعها على فوطة المواعين.

كانت جملة قصيرة، لكنها اختصرت سنين كاملة من الجحود.

شريف كمل كلامه وهو فاكر إنه بيشرح موقفه:
“نادين فاهمة السوق… فاهمة أنا عايز أوصل لإيه… بنتحرك وسط نفس الناس… عندها طموح كبير… عندها علاقات… تقدر تساعدني أبقى حاجة أكبر.”

سكت لحظة قبل ما يضيف:
“أنا مبقتش حاسس إن الحياة دي شبهي.”

رنا كررت كلامه ببطء:
“الحياة دي؟”

عرف إنه غلط.

فقال بسرعة:
“قصدي… حياتنا.”

لكن التصحيح جه متأخر.

لأن الحقيقة كانت خرجت بالفعل.

الحقيقة إنه بقى شايف كل اللي بنوه مع بعض عبء. وكل الذكريات مجرد محطة قديمة لازم يعديها.

بصت لشنطة السفر وسألته:
“قررت إمتى؟”

قال:
“من شهور.”

الإجابة كانت أقسى من أي كدبة ممكن يقولها.

لأن معناها إنه كان عايش معاها بجسمه فقط، بينما قلبه وقراره كانوا في مكان تاني من زمان.

سألته:
“والنهاردة رايح لها؟”

مردش.

وكان الصمت كافي.

رنا طبقت فوطة المواعين بعناية شديدة وحطتها فوق الرخامة. الحركة البسيطة دي فضلت محفورة في ذاكرة شريف بعدين أكتر من أي حاجة تانية. لأنها كانت دليل إن الست اللي قدامه قررت تحافظ على كرامتها مهما حصل.

قالت:
“يبقى اتفضل.”

شريف رمش بعنيه باستغراب.

“بالبساطة دي؟”

ردت:
“كنت مستني إيه؟”

الحقيقة إنه كان مستني كتير.

كان مستني دموع.

كان مستني انهيار.

كان مستني توسلات.

كان مستني يسمع إنه أهم شخص في حياتها.

كان مستني يخرج وهو حاسس إنه انتصر.

لكن رنا حرمته من الشعور ده كله.

فضلت واقفة مستقيمة، هادية، واثقة بشكل غريب.

وكان الهدوء ده أسوأ عقاب ممكن يتلقاه في اللحظة دي.

لأنه فجأة حس إنه هو اللي بيتطرد من حياتها، مش العكس.

قال:
“المحامي بتاعي هيكلمك.”

ردت:
“تمام.”

ومفيش كلمة زيادة.

مفيش عتاب.

مفيش مشهد درامي.

مفيش محاولة أخيرة.

جر الشنطة وراه في الطرقة الطويلة. خطواته كانت بتعمل صدى خفيف في البيت. ولما وصل عند الباب وقف لحظة. يمكن كان مستني يسمع اسمه. يمكن كان مستنيها تغير رأيها.

لكنها متكلمتش.

ولا حتى بصت ناحيته.

فتح الباب.

وخرج.

المطر استقبله بقوة.

وباب البيت اتقفل وراه بهدوء.

في اللحظة دي بالذات، من غير ما يعرف، كان بيقفل باب أكبر بكتير من باب بيت في المعادي.

كان بيقفل باب مستقبل كامل كان ممكن يكون مختلف.

وكان بيمشي بإرادته ناحية أكبر خسارة في حياته كلها.

أما رنا، ففضلت واقفة مكانها بعد ما اختفى صوت العربية من الشارع. فضلت ساكتة وقت طويل، لدرجة إن عقارب الساعة بقت أوضح صوت في البيت كله.

وبعدها اتحركت بهدوء شديد، كأنها بتخلص يوم عادي جدًا. طفت البوتاجاز. غطت الأكل. لمت السفرة. غسلت الطبقين اللي كانوا مستنيين عشا عمره ما حصل.

ولما خلصت كل حاجة، وقفت قدام الحوض ثواني طويلة.

وبعدين شالت الدبلة من صباعها.

وحطتها جنب الحوض في طبق أزرق صغير.

من غير دموع.

من غير صوت.

من غير كلمة واحدة.

لكن جواها كان فيه فصل كامل من عمرها بيقفل بهدوء.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي