تظاهرت بأنني رجل مشرد ودخلت متجر البقالة الذي يحمل اسمي.. وما فعلته طفلة صغيرة غيّر وصيتي بالكامل



تظاهرت بأنني رجل مشرد ودخلت متجر البقالة الذي يحمل اسمي.. وما فعلته طفلة صغيرة غيّر وصيتي بالكامل

لم أتخيل يومًا أن يأتي وقت أقف فيه أمام واحد من أكبر المتاجر التي بنيتها بمالي وعمري، ولا يسمح لي العاملون فيه حتى بالاقتراب من الباب.

الأغرب أن اسمي نفسه كان مكتوبًا فوق رأسي على اللافتة الضخمة، وعلى عربات التسوق، وأكياس المشتريات، وحتى على الزي الذي يرتديه الموظفون أمامي.

لكن لم يعرفني أحد.

بالنسبة إليهم، لم أكن رجل الأعمال الذي أسس هذه السلسلة قبل عشرات السنين، ولم أكن صاحب الشركة التي يعملون بها ويحصلون منها على رواتبهم.

كنت فقط رجلًا عجوزًا، ملابسه ممزقة، شعره منكوش، ورائحته لا تشجع أحدًا على الاقتراب منه.

وربما كان هذا بالضبط ما أحتاج إلى رؤيته قبل أن أموت.

ستة أشهر فقط غيّرت نظرتي إلى كل شيء

اسمي فؤاد، وقد تجاوزت السبعين من عمري. قبل أكثر من ثلاثين عامًا فقدت زوجتي سناء بعد رحلة مرض طويلة، ومنذ رحيلها لم أتزوج مرة أخرى.

لم يرزقنا الله بأطفال، وكانت سناء دائمًا تقول لي إن الإنسان لا يحتاج بالضرورة إلى ولد يحمل اسمه، بل يحتاج إلى شيء طيب يتركه وراءه عندما يرحل.

كنت أضحك وقتها وأقول لها:

“وأنا هاروح فين؟ لسه قدامنا عمر طويل.”

لكن العمر لم يكن طويلًا بالنسبة لها.

رحلت وتركتني وحدي، فهربت من حزني إلى العمل. كنت أعمل منذ الصباح حتى منتصف الليل، وبدأت بمتجر صغير لا تتجاوز مساحته عشرات الأمتار.

بعد سنوات أصبح متجران، ثم عشرة، ثم عشرات الفروع، حتى تحولت الشركة إلى واحدة من أشهر سلاسل متاجر البقالة الاقتصادية في المنطقة.

كان هدفي منذ البداية بسيطًا: أن يجد الإنسان محدود الدخل مكانًا نظيفًا يشتري منه احتياجات بيته بسعر يستطيع تحمله.

ومع الوقت أصبحت أملك من المال ما يكفيني لعشرات الأعمار.

لكنني لم أملك الشيء الوحيد الذي تمنيت وجوده عندما كبرت: أسرة حقيقية تجلس حول سريري عندما أمرض.

ثم جاء اليوم الذي قال فيه الطبيب بهدوء ثقيل:

“للأسف يا أستاذ فؤاد، المرض في مرحلة متقدمة جدًا. نتكلم عن شهور، وليس سنوات.”

سألته:

“قد إيه؟”

تردد قليلًا، ثم أجاب:

“ستة أشهر تقريبًا، وقد تكون أكثر أو أقل.”

خرجت من العيادة وأنا أشعر للمرة الأولى أن كل الأرقام الموجودة في حساباتي البنكية بلا معنى.

الرجل الذي اعتبرته ابني

كان شريف أقرب إنسان إليّ خلال السنوات الأخيرة. دخل الشركة موظفًا صغيرًا في شبابه، وكنت أتابع تقدمه حتى أصبح واحدًا من أهم المديرين.

لم يكن لدي ابن، ولذلك بدأت أتعامل معه بمرور الوقت كما لو كان ابني بالفعل.

كنت أدعوه إلى منزلي في المناسبات، وأستشيره في القرارات المهمة، وسمحت له بالاطلاع على أمور مالية لا يعرفها إلا عدد محدود للغاية من الأشخاص.

حتى إنني فكرت جديًا في منحه مسؤولية إدارة الجزء الأكبر من الشركة بعد وفاتي.

بعد تشخيص مرضي، بدأت صحتي تتدهور، وأصبح شريف يكرر أمامي:

“متشغلش بالك بأي حاجة يا حاج فؤاد. الشركة في عيني. أهم حاجة صحتك.”

كنت أصدقه.

وفي إحدى الليالي، كنت متعبًا للغاية أثناء وجودي في مكتبي، فقلت له:

“أنا بموت يا شريف. مش طالب من الدنيا غير إني أقضي الأيام اللي باقية لي من غير مشاكل.”

اقترب مني، وربت على كتفي قائلًا:

“بعد الشر عليك. أنت هتقوم بالسلامة.”

خرج من المكتب، وبعد دقائق احتجت إلى تناول دواء كنت قد تركته في غرفة جانبية.

وأثناء مروري في الممر، سمعت صوته يتحدث في الهاتف.

لم أكن أتجسس عليه، لكن الجملة التي سمعتها جعلت قدمي تتوقفان دون إرادتي.

قال شريف وهو يضحك:

“العجوز خلاص بينهار بسرعة.”

ثم صمت ليستمع إلى الطرف الآخر، قبل أن يكمل:

“الدكاترة قالوا ست شهور تقريبًا. هو دلوقتي حرفيًا كيس فلوس ماشي على رجلين. أول ما يموت، أنا هكون ماسك كل حاجة.”

شعرت وكأن شخصًا ضربني في صدري.

لم يؤلمني حديثه عن المال بقدر ما آلمتني كلمة “العجوز”.

ذلك الرجل الذي عاملته كابن كان ينتظر موتي.

عدت إلى مكتبي من دون أن يشعر بوجودي، وجلست وحدي طويلًا.

وفجأة خطر في بالي سؤال أقسى من الخيانة نفسها:

كم شخصًا حولي يحب فؤاد الإنسان، وليس فؤاد صاحب الملايين؟

فكرة غريبة قبل الموت

في صباح اليوم التالي اتخذت قرارًا ربما يبدو مجنونًا.

أردت أن أعرف كيف يعامل الناس شخصًا لا يملك مالًا ولا نفوذًا ولا ملابس فاخرة.

طلبت من أحد الأشخاص الذين أثق بهم إحضار ملابس قديمة وممزقة، ثم تركت لحيتي دون ترتيب ووضعت بعض التراب على وجهي ويدي.

حتى الرائحة اهتممت بها.

عندما وقفت أمام المرآة بالكاد تعرفت إلى نفسي.

اخترت أكبر فروع شركتي وأكثرها ازدحامًا، وذهبت إليه وحدي من دون سيارة أو حارس شخصي.

منذ اللحظة التي اقتربت فيها من المتجر بدأت أشاهد عالمًا لم أره من نافذة سيارتي الفاخرة.

سيدة كانت خارجة بعربة مشتريات لمحَتني، فشدت حقيبتها تجاه صدرها وابتعدت بسرعة.

رجل نظر إليّ من رأسي حتى قدمي وكأن وجودي يزعجه.

أما ثلاثة شبان وقفوا قرب المدخل، فضحك أحدهم وقال لصديقه بصوت مسموع:

“شكله داخل يشتري الشركة كلها!”

وضحكوا.

واصلت السير.

وعندما اقتربت من الأبواب الزجاجية تحرك اثنان من أفراد الأمن.

قال أحدهما:

“على فين يا حاج؟”

أجبته بهدوء:

“داخل أشتري حاجة آكلها.”

نظر إلى ملابسي وقال:

“معلش، مينفعش تدخل بالشكل ده.”

سألته:

“ليه؟”

رد الآخر ساخرًا:

“عشان الناس جاية تتسوق مش جاية جمعية خيرية.”

كانت كلماته أشد ألمًا من المرض الذي يأكل جسدي.

هذا المكان ملكي.

أنا من وضعت أول قواعده، وكان من بينها أن يُعامل كل عميل باحترام.

لكن يبدو أن القواعد التي تُكتب في المكاتب تختلف عن تلك التي تحدث عند الأبواب.

يد صغيرة أمسكت بيدي

كنت أفكر في الرحيل عندما شعرت فجأة بيد صغيرة تمسك أصابعي.

التفت.

كانت طفلة لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، ترتدي فستانًا بسيطًا وحذاءً قديمًا، لكن ملابسها كانت نظيفة ومرتبة.

كان في يدها الأخرى كيس صغير يحتوي على قطعة خبز وبعض الجبن.

رفعت رأسها إليّ وقالت:

“يا عمو…”

لم أرد.

اقتربت أكثر وسألت:

“أنت جعان؟”

اختنق صوتي وأنا أقول:

“شوية.”

فتحت الكيس وأخرجت قطعة الخبز.

“خد دي.”

سألتها:

“وأنتِ؟ مش هتاكلي؟”

ابتسمت ببساطة وقالت:

“بابا جاب لنا عيش في البيت. دي كنت هاكلها وأنا راجعة، بس أنت محتاجها أكتر مني.”

ثم أضافت الجملة التي لن أنساها ما حييت:

“بابا بيقول لما ربنا يدينا حاجة حتى لو قليلة، نقدر نقسمها مع حد.”

نزلت دمعة من عيني.

قابلت في حياتي وزراء ورجال أعمال وأشخاصًا كانوا يتنافسون على دعوتي إلى موائدهم، لكنني لم أشعر أمام أي منهم بما شعرت به أمام تلك الطفلة.

هي لم تكن تعرف اسمي.

لم تر سيارتي.

ولم تكن تنتظر وظيفة أو عقدًا أو ميراثًا.

رأت رجلًا جائعًا فقط، فأعطته جزءًا من طعامها.

الموقف الذي كشف كل شيء

لكن اللحظة الجميلة لم تستمر طويلًا.

اندفع أحد أفراد الأمن نحونا وهو يقول بعصبية:

“إنتِ بتعملي إيه؟ امشي من هنا!”

قالت الطفلة:

“أنا بس بديه أكل.”

رد الموظف:

“قولت امشي أنتِ وهو. منظر زي ده واقف قدام الماركت بيطرد الزباين.”

ثم مد يده ليبعدها بعنف، فاختل توازن الطفلة وكادت تقع.

في تلك اللحظة تغير كل شيء داخلي.

اختفى الرجل المريض الذي كان ينتظر موته، وعاد الرجل الذي قضى أربعين عامًا يدير آلاف الموظفين.

أمسكت الطفلة قبل أن تسقط، ثم رفعت رأسي ونظرت مباشرة إلى مدير الفرع الذي كان يتابع المشهد من بعيد.

مسحت جزءًا من التراب عن وجهي، وقلت بصوت قوي:

“سامح!”

تجمد مدير الفرع.

نظر إليّ لثوانٍ طويلة.

ثم تغير لون وجهه.

اقترب خطوتين وقال:

“أستاذ… فؤاد؟”

ساد الصمت أمام المدخل.

أكملت:

“افتح مكتب الإدارة.”

حاول رجل الأمن الكلام:

“يا فندم إحنا ماكناش نعرف…”

نظرت إليه وقلت:

“وهنا المشكلة. لو كنت تعرف أنا مين كنت هتعامل معايا باحترام. يعني الاحترام عندك بيتحدد بفلوس الشخص واسمه؟”

لم يجد إجابة.

الطفلة التي غيرت قرارات رجل يملك الملايين

ركعت بصعوبة أمام الطفلة وسألتها عن اسمها.

قالت:

“مريم.”

قلت:

“وأبوكِ فين يا مريم؟”

أشارت إلى رجل يقف بعيدًا وقد ظهرت الصدمة على وجهه.

عرفت لاحقًا أنه عامل يومية فقد عمله منذ أسابيع، وأنه جاء يبحث عن وظيفة بالقرب من المتجر بينما أرسل ابنته لشراء بعض الاحتياجات البسيطة.

دعوت الرجل وابنته إلى مكتب الإدارة.

ثم اتصلت بمحامي الشركة ومدير الموارد البشرية ومسؤول الأمن الرئيسي.

لم أرغب في الانتقام فقط، بل أردت معرفة كيف وصلت شركة أسستها لخدمة الناس إلى مرحلة يمكن فيها إذلال إنسان بسبب مظهره.

أمرت بفتح تحقيق كامل، وتمت محاسبة المسؤولين عن التجاوزات وفقًا للوائح الشركة، كما أصدرت تعليمات بإعادة تدريب موظفي الفروع على التعامل الإنساني مع العملاء مهما كان مظهرهم أو حالتهم الاجتماعية.

وقلت للجميع:

“اللي يدخل أي فرع من فروعنا إنسان قبل ما يكون زبون. واللي مش فاهم المعنى ده، مكانه مش هنا.”

المواجهة الأخيرة مع شريف

بقي أمر واحد.

شريف.

طلبت منه الحضور إلى الفرع دون أن أخبره بما حدث.

دخل المكتب بعد ساعة تقريبًا وهو مبتسم، وقال:

“حاج فؤاد! إيه اللي نزلك من البيت وأنت تعبان؟”

نظرت إليه طويلًا.

كان الرجل نفسه الذي اعتقدت لسنوات أنه الابن الذي لم أنجبه.

قلت:

“أنا تعبان فعلًا يا شريف. بس المرض مش أكتر حاجة وجعتني اليومين اللي فاتوا.”

اختفت ابتسامته قليلًا.

كان محامي الشركة يجلس إلى جواري.

وضعت أمام شريف مستندات القرارات التي كنت قد أعددتها سابقًا لمنحه صلاحيات واسعة بعد وفاتي، ثم أخبرته أنني ألغيتها.

سأل بارتباك:

“ليه؟”

نظرت إليه وقلت:

“لأن كيس الفلوس لسه ما ماتش.”

شحب وجهه فورًا.

عرف أنني سمعته.

بدأ يعتذر ويقول إن كلامه أُخذ خارج سياقه وإنه كان يمزح.

لكن بعض الكلمات لا تحتاج إلى تفسير.

قلت له:

“كنت ممكن أسامحك لو خسرت فلوس، أو أخطأت في قرار. لكنك كنت مستني موتي. والأسوأ إني كنت شايفك ابني.”

خفض رأسه.

أنهيت صلاحياته الإدارية، وطلبت من المحامين مراجعة كل الملفات التي كانت تحت مسؤوليته، وانتهت علاقتي الشخصية به في ذلك اليوم.

الوصية التي كتبتها قبل الرحيل

أما مريم، فلم أجعلها وريثة مفاجئة لكل ثروتي كما يحدث في الحكايات الخيالية.

كنت أريد أن أساعدها دون أن أدمر طفولتها بالمال.

لذلك أنشأت مؤسسة خيرية تحمل اسم زوجتي الراحلة “سناء”، وخصصت لها جزءًا من ممتلكاتي لتمويل تعليم الأطفال المحتاجين، وتقديم الطعام والعلاج للأسر التي تمر بظروف صعبة.

وخصصت صندوقًا تعليميًا لمريم يضمن دراستها حتى الجامعة، كما ساعدت والدها في الحصول على فرصة عمل مستقرة تناسب خبرته.

قلت له يومها:

“أنا مش بكافئ بنتك لأنها ادتني حتة عيش. أنا بشكرك لأنك ربيت إنسانة عرفت الرحمة وهي لسه طفلة.”

بكى الرجل.

أما مريم، فلم تكن تفهم لماذا يبكي الكبار حولها.

كانت منشغلة بشيء آخر تمامًا.

اقتربت مني وسألت:

“طب أنت أكلت العيش؟”

ضحكت للمرة الأولى منذ سماعي خبر مرضي.

قلت لها:

“أيوه يا مريم. وأظن دي أغلى حتة عيش أكلتها في حياتي.”

ما اكتشفته عندما تظاهرت بأنني لا أملك شيئًا

في المساء، خرجت من المتجر ووقفت للحظات أمام اللافتة التي تحمل اسمي.

قضيت معظم حياتي أعتقد أن نجاح الإنسان يُقاس بعدد الفروع التي افتتحها، أو بعدد العاملين لديه، أو بحجم الأموال التي تركها في البنك.

لكن طفلة تحمل قطعة خبز علمتني درسًا لم أتعلمه في عشرات الاجتماعات ومئات الصفقات.

قيمة الإنسان لا تظهر عندما يقف أمام شخص قوي يستطيع أن ينفعه.

قيمته الحقيقية تظهر عندما يقف أمام إنسان ضعيف لا يستطيع أن يعطيه شيئًا في المقابل.

ربما كان الطبيب محقًا، وربما لم يتبق لي في الدنيا سوى عدة أشهر.

لكنني لم أعد أخاف من فكرة الرحيل كما كنت من قبل.

لأنني أخيرًا عرفت أين يجب أن يذهب ما جمعته طوال عمري.

نظرت إلى السماء وتذكرت سناء.

وتذكرت جملتها القديمة:

“مش لازم يكون عندنا أولاد علشان نسيب حاجة حلوة ورانا.”

ابتسمت وقلت في نفسي:

“كان عندك حق يا سناء.”

فقد احتجت أكثر من ثلاثين عامًا بعد رحيلها لأفهم ما كانت تقصده.

في ذلك اليوم دخلت متجري متخفيًا في هيئة رجل مشرد لأعرف من سيعاملني باحترام عندما لا يعرف اسمي.

فاكتشفت شيئًا أهم بكثير.

اكتشفت أن أصحاب القلوب الرحيمة قد لا يملكون ثروة، ولا مناصب، ولا ملابس باهظة الثمن.

وأحيانًا…

قد يأتي أغنى درس في حياتك من يد طفلة فقيرة لا تحمل فيها سوى قطعة خبز.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان