في المرتفعات الجبلية لجزيرة سولاويزي الإندونيسية، عند منطقة تعرف بـ«تانا توراجا»، توجد فكرة عن الموت تخالف كل ما نعرفه في أغلب ثقافات العالم، هناك، توقف القلب عن النبض لا يعني نهاية الشخص فورًا عزيزي، فبعد الوفاة مباشرة، لا يدفن الجثمان كما نفعل نحن كمسلمين، بل يبقى داخل بيت العائلة، أحيانًا لأشهر، وأحيانًا لسنوات، بينما يواصل أفراد الأسرة التعامل معه وكأنه لا يزال بينهم، يطعمونه، يقدمون له الماء والسجائر، يصففون، شعره، ويتحدثون إليه في يومياتهم كما لو كان حاضرًا فعليًا.
مريض لا ميت
المصطلح الذي يستخدمه أبناء توراجا للحديث عن المتوفى في هذه المرحلة هو «تو ماكولا»، ويعني حرفيًا «الشخص المريض».
اقرأ أيضًا.. قفزة جديدة في أسعار الطماطم.. هل يصل سعر الكيلو إلى 40 جنيهًا في أكتوبر؟
وهذا التصنيف ليس مجازًا لطيفًا، بل جزء من نظام معتقدات كامل يعرف بـ«آلوك تودولو»، أي «طريق الأجداد»، يرى أن الموت انتقال تدريجي لا حدث لحظي، والروح، وفق هذا المعتقد، لا تغادر الجسد والمنزل فورًا، بل تبقى قريبة، وتحتاج الأسرة لمرافقتها في هذه المرحلة الانتقالية قبل أن تكتمل رحلتها نحو العالم الآخر، المعروف محليًا باسم ،«بويا».
الصحفي الاستقصائي بوتو سايوغا، الذي زار المنطقة ووثق تجربته لصالح شبكة «إيه بي سي» الأسترالية، روى كيف دعي للمبيت في غرفة واحدة مع عائلة توراجية، إلى جانب جثمان أحد أقاربهم المتوفين.
وجد أن الجثمان يعامل تمامًا كما لو كان حيًا، وجبات طعام، ماء، ملابس، وحتى سجائر تُقدَّم له بانتظام، ولم يكن الأمر طقسًا عابرًا، بل جزءًا من الروتين اليومي للأسرة.
الجثمان في المنزل
السبب العملي وراء هذا التأخير ليس روحانيًا بحتًا، بل مرتبط أيضًا بواقع اقتصادي صعب، فمراسم الجنازة في توراجا، المعروفة باسم
رامبو سولو»، من أكثر الجنازات تكلفة في العالم نسبيًا لحجم الاقتصاد المحلي.
فقد تتجاوز تكلفتها خمسين ألف دولار للعائلات متوسطة الحال، بينما قد تصل عند العائلات ذات المكانة الاجتماعية الأعلى إلى ما بين مئتين وخمسين ألفًا وخمسمئة ألف دولار، بسبب العدد الكبير من الجاموس والخنازير التي يجب ذبحها خلال الاحتفال كجزء أساسي من الطقوس.
جمع هذا المبلغ الضخم قد يستغرق شهورًا، وأحيانًا سنوات كاملة، وبدلًا من دفن الجثمان بسرعة ثم إقامة الجنازة لاحقًا كما يحدث في ثقافات أخرى، يفضّل أبناء توراجا الاحتفاظ بالمتوفى في المنزل طوال هذه الفترة، باعتباره لا يزال «معهم» فعليًا، إلى أن تكتمل الاستعدادات المادية والروحية للوداع النهائي.
كيف يبقى الجسد سليمًا كل هذه المدة؟
هنا يأتي التفصيل الذي يثير دهشة أغلب من يسمع عن هذه العادة لأول مرة، فحفاظًا على الجثمان من التحلل خلال هذه الفترة الطويلة، تُستخدم مادة الفورمالين مع الماء، تُحقن في الجسد بعد الوفاة مباشرة لإبطاء عملية التحلل الطبيعية.
ورغم هذا الإجراء، تبقى رائحة قوية مصاحبة للجثمان، ولذلك تضع العائلات أعشابًا وأزهارًا مجففة بالقرب منه للتخفيف من الرائحة داخل المنزل.
بالنسبة لأبناء توراجا، جودة حفظ الجثمان ليست مسألة تقنية فقط، بل مرتبطة بمعتقد أعمق، فكلما بقي الجسد في حالة أفضل، كان ذلك مؤشرًا على مستقبل أكثر ازدهارًا للعائلة بأكملها، ما يدفع بعض الأسر لبذل جهد ومال إضافيين للحفاظ على الجثمان بأفضل حالة ممكنة طوال فترة الانتظار هذه.
الوداع الذي يستغرق أيامًا
حين تجتمع الموارد المالية أخيرًا، وتقام مراسم رامبو سولو، وهي احتفالية ضخمة قد تمتد من ثلاثة إلى خمسة أيام متواصلة، يحضرها أحيانًا مئات، بل آلاف المدعوين من القرى المجاورة.
ينقل الجثمان في موكب مهيب من المكان المؤقت الذي استُقبل فيه الضيوف إلى ضريحه النهائي، وسط ذبح عدد كبير من الجاموس والخنازير، ليس فقط كوليمة للحاضرين، بل كجزء من الاعتقاد بأن هذه الحيوانات ترافق روح المتوفى في رحلتها نحو العالم الآخر، وبعد انتهاء هذه المراسم فقط، يُعتبر المتوفى قد أكمل انتقاله الرسمي من كونه مريضًا إلى كونه ميتًا بالمعنى الكامل للكلمة.
طقس «ما نيني
القصة لا تنتهي عند الدفن. فكل سنة إلى ثلاث سنوات، تجتمع العائلة مجددًا لأداء طقس يعرف بـ«ما نيني»، ويعني «العناية بالأجداد».
فخلال هذه المناسبة، التي تقع عادة في شهر أغسطس، تخرج جثامين الأقارب المتوفين من مقابرهم، سواء كانت كهوفًا صخرية أو أضرحة عائلية منحوتة، وتُنظَّف بعناية، ثم تُلبَس ملابس جديدة نظيفة، قبل أن تُعاد إلى مكانها.
وبعض العائلات تذهب أبعد من مجرد التنظيف، فيتحدثون إلى المتوفى، يمشون به بين أرجاء القرية، بل ويلتقطون صورًا عائلية معه وكأنه لا يزال فردًا حاضرًا بينهم.
صحفي آخر وثق كيف تحدثت امرأة تدعى أوديا سولو إلى والدتها المتوفاة منذ نحو عام، ووجد جثمانها محفوظًا بشكل لافت رغم مرور هذه المدة، بفضل طقوس الحفظ التقليدية التي مارستها القبيلة.
علاقة لا تنتهي بالموت
ما يجعل توراجا استثناءً حقيقيًا ليس فقط طول فترة بقاء الجثمان في المنزل، بل الفلسفة الكاملة التي تحكم نظرة هذا الشعب للموت من الأساس.
فمنذ الطفولة، يتعلم أبناء توراجا أن الموت ليس نهاية العلاقة بالشخص، بل مجرد تحول في طبيعتها، ولهذا السبب أيضًا، لا تسعى العائلات عادة لإطالة عمر أقاربها المرضى بشدة عبر تدخلات طبية مكثفة، بل تترك الطبيعة تأخذ مجراها، لأن الموت في نظرهم ليس عدوًا يجب مقاومته بأي ثمن، بل مرحلة طبيعية أخرى من رحلة أطول بكثير.
وهذا المزيج من الاقتصاد، والدين المحلي القديم «آلوك تودولو»، والانفتاح النادر على السياح الأجانب الذين يزورون المنطقة لمشاهدة هذه الطقوس بأنفسهم، جعل من توراجا واحدة من أكثر الثقافات التي تتحدى الفهم الشائع للموت في العالم الحديث.
حيث لا ينتهي حضور الإنسان بمجرد سكون قلبه، بل يمتد، حرفيًا، لسنوات بعد ذلك، بين أحضان عائلته التي لم تكف يومًا عن اعتباره واحدًا منهم.
المصادر: